الدين والحياة

يوم عاشوراء وشهر الله المحرم .

يوم عاشوراء وشهر الله المحرم .

محمد أبوالنصر
حديثى إليك عن (يوم عاشوراء وشهر الله المحرم) يأتي في النقاط التالية :
– تفضيل بعض الأزمنة على بعض.
– منها أربعة حرم .
– الحكمة من جعل شهر المحرم بداية العام الهجري.
– لماذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم شهر الله تعالى .
– اليوم العاشر من المحرم .
– حكم صوم تاسوعاء وعاشوراء؟.
– فضل صيام يوم عاشوراء.
– عدم تعيين النية من الليل لصوم عاشوراء.
– الجمع بين نيتين في صوم يوم تاسوعاء .
– من شرب ناسيا في نهار عاشوراء.
– ثواب من فاجأها الحيض في يوم عاشوراء.
– فضل التوبة يوم عاشوراء.
– أفعال في عاشوراء لم يأذن بها شرعنا.
– التوسعة على الأهل في يوم عاشوراء.
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
تفضيل بعض الأزمنة على بعض
خلق الله تعالى البشر، وفضل بعضهم على بعض، وخلق الزمان، وفضل بعضه على بعض، وخلق الأرض، وفضل بعضها على بعض.وأفضلية البشر تكون بأعمالهم، وتكون منازلهم عند ربهم بحسب عبادتهم وتقواهم، وأما أفضلية المكان والزمان فبحسب ما يقع فيهما من عبادة الله تعالى.
منها أربعة حرم
اختار الله تعالى من السنة أشهرا حرما؛ كما قال سبحانه: ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ [التوبة: 36].
ومن هذه الأربعة: شهر الله المحرم.. أول شهر في السنة، وكان شهرا محرما بعد شهر الحج؛ ليأمن الحجاج في سفرهم إلى بلادهم، وسمي محرما تأكيدا لتحريمه؛ لأن العرب كانت تتقلب فيه، فتحله عاما وتحرمه عاما
وله مزية على غيره من الأشهر، وهي أفضلية الصيام فيه؛ كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله الذي تدعونه المحرم…» رواه مسلم
قال القرطبي رحمه الله تعالى: «هذا إنما كان – والله تعالى أعلم – من أجل أن المحرم أول السنة المستأنفة التي لم يجئ بعد رمضانها، فكان استفتاحها بالصوم الذي هو من أفضل الأعمال، والذي أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بأنه ضياء، فإذا استفتح سنته بالضياء مشى فيه بقيتها»
الحكمة من جعل شهر المحرم بداية العام الهجري
هل حقا كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ربيع الأول؟ ولو كانت كذلك؛ لماذا نحتفل ببداية السنة الهجرية وهجرة الرسول في شهر محرم؟
لقد وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة في شهر ربيع الأول، وإنما جعل شهر المحرم بداية العام الهجري لأنه كان بداية العزم على الهجرة؛ يقول الحافظ ابن حجر في “فتح الباري”: [وإنما أخروه -أي التقويم الهجري- من ربيع الأول إلى المحرم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم؛ إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ. وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم “.
لماذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم: شهر الله تعالى .
وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم: شهر الله تعالى، وإضافته إلى الله سبحانه تدل على شرفه وفضله؛ فإن الله عز وجل لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته.. ولما كان هذا الشهر المحرم مختصا بإضافته إلى الله تعالى، وكان الصيام من بين الأعمال مضافا إلى الله تعالى؛ فإنه له من بين الأعمال؛ ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصوم فأفضل زمان يتطوع فيه متطوع بصوم مطلق هو هذا الشهر المحرم، كما هو نص الحديث
اليوم العاشر من المحرم
اليوم العاشر من محرم يوم عظيم؛ نجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام، وأغرق عدوه فرعون، فكان أتباع موسى عليه السلام يصومونه شكرا لله تعالى،
وكم في هذا الحدث من الدروس والعبر والعظات.
فهذا الحدث يعتبر مثالا حيا لانتصار الحق على الباطل، وانتصار الخير على الشر، وهو حدث يتجدد على المؤمنين على مر الزمان وفي كل مكان.
حدث يتقوى بذكراه الإيمان، ويترسخ اليقين في القلوب بأن الله محق وعده الذي وعد به، قال ربنا: ﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴾ [غافر: 51]، وقال سبحانه: ﴿ ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ﴾ [يونس: 103].
هذا اليوم يذكرنا أن العاقبة للمتقين، وأن نصر الله تعالى لأوليائه قريب، وأن أي ظالم متجبر وإن غرته مهلة الزمان، وركن إلى قوة رأى بها أنه الأغلب والأظهر، فإن أمره إلى دمار وخراب، وقوته إلى ذل وهوان. روى البخاري في صحيحه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ: ﴿ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ﴾ [هود: 102].
ففرعون رأى في قوته وملكه ما دعاه أن ينادي ويقول: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ [النازعات: 24]، فكانت عاقبته، أن أغرقه الله فجعله عبرة لمن يخشى.
ويا لها من عبرة لكل عدو لله ولرسوله ممن مشى على درب فرعون، أن الله منتقم من الطغاة الظالمين في كل زمان ومكان، وأن نصر الله قريب طال الزمن أو قصر.
اليوم العاشر من محرم يوم عظيم؛ نجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام، وأغرق عدوه فرعون، فكان أتباع موسى عليه السلام يصومونه شكرا لله تعالى،
إن اليهود توارثوا صيام يوم العاشر أمة بعد أمة، وبقي صيامه من شعائر دينهم التي ما طالتها أيدي التحريف والتبديل إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وصامه أهل الجاهلية في مكة، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه» رواه الشيخان
ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رأى اليهود يعظمون يوم عاشوراء، ويتخذونه عيدا، ويصومونه، وكان عليه الصلاة والسلام يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شيء؛
فقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: «أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه» رواه الشيخان
وفي هذه المرحلة كان صيام عاشوراء فريضة، بدليل حديث الربيع بنت معوذ – رضي الله عنها – قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: «من كان أصبح صائما، فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا، فليتم بقية يومه» فكنا، بعد ذلك نصومه، ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار. وفي رواية: فإذا سألونا الطعام، أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم. رواه البخاري ومسلم
وفي السنة الثانية من الهجرة فرض الله تعالى صوم رمضان، وزالت فرضية صوم عاشوراء، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بعد فرض رمضان بصيام عاشوراء، وإنما خيرهم في ذلك،
كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: «صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك»، وفي رواية لمسلم: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عاشوراء يوم من أيام الله تعالى، فمن شاء صامه ومن شاء تركه»
وعلى هذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة – رضي الله عنهم – صاموا عاشوراء فرضا سنة واحدة، هي السنة الثانية من الهجرة؛ لأن فرض صيام عاشوراء كان بعد الهجرة إلى المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم هاجر في شهر ربيع، فلم يفرض عليهم في العام الأول؛ لأنه فات وقته، وفي العام الثاني صاموه فرضا، ثم فرض رمضان في العام الثاني، فصاموا عاشوراء فرضا ورمضان فرضا، ثم في الأعوام التي تليه لم يصوموا عاشوراء فرضا، وصاموا رمضان فرضا.
وبعد أن أكمل الله تعالى الدين، وأتم النعمة، وتنزلت الشريعة، واستقرت أحكامها؛ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة أهل الكتاب؛ ليتميز الإسلام بصفائه ونقائه، وشريعته المنزلة عن الشرائع الأخرى التي اختلط فيها الحق بالباطل؛ بسبب التحريف والتغيير، فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على مخالفة اليهود في صومهم لعاشوراء، كما خالفهم في كثير من شرائعهم؛ فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، » رواه مسلم
حكم صوم تاسوعاء وعاشوراء؟
عاشوراء: هو اليوم العاشر من شهر الله الحرام المحرم، وصيامه سنة فعلية وقولية عن النبي صلى الله عليه وآله سلم؛ فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» رواه مسلم
وصيام يوم تاسوعاء قبله سنة أيضا؛. قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في “أسنى المطالب”: [وإن لم يصم معه -أي عاشوراء- تاسوعاء (فصوم الحادي عشر) معه مستحب… على أن الشافعي نص في “الأم” و”الإملاء” على استحباب صوم الثلاثة، ونقله عنه الشيخ أبو حامد وغيره، ويدل له خبر الإمام أحمد: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود وصوموا قبله يوما وبعده يوما»] اهـ.
لقد استقرت الشريعة على سنية صيام يوم عاشوراء، مع مخالفة اليهود بصيام يوم قبله، وذلك أفضل، أو يوم بعده؛ حتى تتحقق المخالفة، فقال عليه الصلاة والسلام: «خالفوا اليهود، وصوموا التاسع والعاشر». وفي الرواية الأخرى: قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوما أو بعده يوما»
فكانت مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود في عاشوراء من جهتين:
الأولى: من جهة أن اليهود كانوا يعظمونه ويتخذونه عيدا، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخذه عيدا؛ كما جاء في حديث أبي موسى -رضي الله عنه- قال: كان يوم عاشوراء يوما تعظمه اليهود وتتخذه عيدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموه أنتم» رواه البخاري ومسلم
ومن جهة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمخالفة اليهود في صيام عاشوراء بشفعه بيوم قبله أو يوم بعده.
فضل صيام يوم عاشوراء
الله سبحانه يسر لعباده سبل الخير، وفتح لهم أبواب الرحمة، وأنعم عليهم بمواسم البر والخيرات واكتساب الأجر والمثوبة، ورتب الأجر الجزيل على العمل اليسير تكرما منه وفضلا ومنة على عباده المؤمنين، ليستدركوا ما فاتهم ويكفروا عن سيئاتهم، ويسارعوا بالتوبة والاستغفار وفعل الخيرات والمبادرة إليها، إرضاء لله ومحبة في طاعته.
جاء في فضل صيام يوم عاشوراء أنه يكفر سنة كاملة؛ كما في حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «يكفر السنة الماضية»، وفي رواية: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم
وفي حديث أبي سعيد الخدري: «من صام عاشوراء غفر الله له سنة»
قال البيهقي رحمه الله تعالى: «وهذا فيمن صادفه صومه وله سيئات يحتاج إلى ما يكفرها، فإن صادفه صومه وقد كفرت سيئاته بغيره انقلبت زيادة في درجاته»
وكان الزهري -رحمه الله تعالى- يفطر إذا سافر في رمضان، فصام عاشوراء وهو مسافر فلم يفطر، فسئل عن ذلك، فقال: «إن رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت»
فاحرصوا رحمكم الله تعالى على صيامه، وخالفوا اليهود؛ فصوموا يوما قبله -وذلك أفضل- أو يوما بعده.
عدم تعيين النية من الليل لصوم عاشوراء
قد يستيقظ الإنسان يوم عاشوراء ولم تكن لديه نية الصيام بالأمس. فهل يجوز له الصيام أم لا؟
صوم التطوع غير الواجب تجوز فيه النية قبل الزوال؛ فعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأتيها وهو صائم فيقول: «أصبح عندكم شيء تطعمينيه؟» فتقول: لا، فيقول: «إني صائم» رواه النسائي.
قال الشيرازي في “المهذب”: وأما صوم التطوع فإنه يجوز بنية قبل الزوال. اهـ.
فيجوز صيام يوم عاشوراء إذا نوى الصيام قبل الزوال –قبل دخول وقت الظهر بقليل-؛ باعتباره من صوم التطوع.
الجمع بين نيتين في صوم يوم تاسوعاء
قد يعتاد البعض صوم يوم الاثنين، ويوافق التاسع من شهر المحرم يوم الاثنين. فهل يجوز الجمع بين نية صوم يوم الاثنين مع نية صوم التاسع من المحرم؟
والجواب :يجوز شرعا الجمع بين نية صوم التاسع من شهر الله المحرم ونية السنة في صوم يوم الاثنين، ويحصل بذلك إدراك فضل صوم كل من هذين اليومين؛ إذ المقصود بصوم يوم الاثنين وصوم يوم التاسع من المحرم إحياء اليوم بالصوم، وهو حاصل في هذه الحالة، فاعتبرت النيتان.
من شرب ناسيا في نهار عاشوراء
ما حكم شرب الماء سهوا أثناء الصيام فى نهار يوم عاشوراء؟
من أكل أو شرب ناسيا في نهار رمضان أو في صيام التطوع لا يفسد صومه، وله أن يتم الصوم؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجه والطبراني والحاكم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» رواه الجماعة.
ثواب من فاجأها الحيض في يوم عاشوراء
هل يضيع أجر الصيام لمن شرع في صيام يوم عاشوراء ففاجأها الحيض. ؟
إذا شرعت المرأة في صيام يوم عاشوراء ففاجأها العذر مما اضطرها إلى الفطر فثوابها عند الله غير منقوص بإذن الله، والله هو المتفضل على عباده بالأجر والثواب.
فضل التوبة يوم عاشوراء
هل التوبة في يوم عاشوراء مقبولة كما تاب الله على سيدنا آدم عليه السلام، وما مدى صحة ذلك؟
من فضائل عاشوراء أن الله تعالى جعله زمانا فاضلا لقبول التوبة وإجابتها؛ فعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرم؛ فإنه شهر الله، فيه يوم تاب فيه على قوم، ويتوب فيه على قوم آخرين» رواه ابن أبي شيبة في “المصنف”، والترمذي في “الجامع” وحسنه، والدارمي في “السنن”. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعا: «هذا يوم تاب الله فيه على قوم؛ فاجعلوه صلاة وصوما» يعني يوم “عاشوراء”، أخرجه الحافظ أبو موسى المديني وحسنه.
ففيه تاب الله تعالى على سيدنا آدم عليه السلام، وفيه أهبط إلى الأرض؛ كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعبيد بن عمير، وعكرمة، وقتادة، وغيرهم من السلف.
وجاء في أحاديث وآثار أخرى أن عاشوراء هو اليوم الذي فيه تاب الله على سيدنا يونس عليه السلام، وفيه تاب على قومه، وفيه أمر بني إسرائيل بالتوبة.
وكان الحنفاء يدلون أهل الجاهلية على التوبة من الذنوب العظام في يوم عاشوراء؛ فعن دلهم بن صالح الكندي قال: سألت عكرمة عن صوم يوم عاشوراء؛ ما أمره؟ قال: “أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فسألوا: ما تبرئتهم منه؟ قالوا: صوم يوم عاشوراء؛ يوم عشر من المحرم” أخرجه أبو بكر الباغندي [ت283هـ] في “أماليه”.
وعن الأسود بن يزيد قال: سألت عبيد بن عمير عن صوم عاشوراء، فقال: “إن قوما أذنبوا فتابوا فيه فتيب عليهم، فإن استطعت أن لا يمر بك إلا وأنت صائم فافعل” أخرجه الإمام ابن جرير الطبري في “تهذيب الآثار”.
أفعال في عاشوراء لم يأذن بها شرعنا
أيها المؤمنون: اخترع كثير من الناس أفعالا في عاشوراء لم يأذن بها شرعنا؛ بل هي أفعال مخالفة لما جاء في الكتاب والسنة، ولما عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وهؤلاء المبتدعون لهم فيه منهجان:
المنهج الأول: ينتهجه أكثر الفرق الباطنية، جعلوه مأتما على قتل الحسين ابن علي – رضي الله عنهما – يجتمعون على ذكره، ويغالون في مدحه، وينوحون عليه، وبعضهم يخلع عليه من الأوصاف والأفعال ما هو مختص بالرب جل جلاله، وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خليفته الصديق أبو بكر – رضي الله عنه – وما اتخذ المسلمون يومي وفاتهما مناحة ينوحون فيها، وقتل الخلفاء الثلاثة: عمر، وعثمان، وعلي والد الحسين، رضي الله عن الجميع، وما جعلت الأيام التي توافق أيام قتلهم من كل عام أيام حزن وجزع، وإنشاد للمراثي؛ بل رضي المسلمون بقضاء الله تعالى وقدره، وحزنوا لمقتلهم كما حزنوا لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أشد الحزن، ولو كان أحد أولى بأن يخصص يوم وفاته لرثائه ومدحه، لكان سيد الخلق وخاتم الرسل عليه الصلاة والسلام أولى الناس بذلك، ولكن ذلك ممنوع في شريعة الله تعالى.
والمسلمون متفقون على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من الحسين -رضي الله عنه- ومع ذلك لم يخصوا اليوم الذي يوافق يوم وفاته من كل عام بشعائر لرثائه والحزن عليه، مع أن أمة الإسلام ما وترت في شيء أعظم من فقدها لحبيبها وصفيها محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
وكذلك المسلمون متفقون على أن الخلفاء الأربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا – رضي الله عنهم – أعلى منزلة في دين الله تعالى من الحسين -رضي الله عنه-؛ لسابقتهم في الإسلام والهجرة، وصحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم زمنا طويلا، وأعمالهم الجليلة في الإسلام، وقد بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، ومع ذلك لم يتخذ المسلمون أيام فقدهم مناحة عليهم، فهل هؤلاء المبتدعون يرون أن الحسين – رضي الله عنه – أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن خلفائه الأربعة الراشدين المهديين؟! نعوذ بالله من الضلال.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: «وأما اتخاذه مأتما كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- فيه، فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما، فكيف بمن دونهم؟!»
المنهج الثاني: وهو مقابل لمنهج هؤلاء الضلال، وقد نهجه الجهال، فاتخذوا من يوم عاشوراء عيدا، وخصوه بعبادات لم تأت في شرع الله عز وجل؛ كزيارة القبور فيه، وتخصيصه بالصدقة، وقراءة سورة فيها ذكر قصة موسى مع فرعون في فجره، وبعضهم يقول بالتوسعة على العيال وهي مسالة تحتاج الى شرح .
التوسعة على الأهل في يوم عاشوراء
هل هناك فضل وارد في التوسعة على الأهل في يوم عاشوراء؟
نعم، يستحب التوسعة على الأهل يوم عاشوراء، وفضل ذلك وارد في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» رواه الطبراني وغيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
قال العلامة البهوتي الحنبلي في “كشاف القناع” وينبغي فيه التوسعة على العيال؛ سأل ابن منصور أحمد عنه، فقال: نعم؛ رواه سفيان بن عيينة عن جعفر عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، وكان أفضل أهل زمانه، أنه بلغه: «من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته»، قال ابن عيينة: قد جربناه منذ خمسين سنة أو ستين فما رأينا إلا خيرا”.
إن بعض هؤلاء الجهال -والعياذ بالله- قد يظهر الفرح والشماتة بقتل الحسين -رضي الله عنه-، فكل هذا أيضا من الضلال والبدعة، وإنما فعلوا ذلك ردة فعل ونكاية بمن اتخذوا يوم عاشوراء يوم حزن على الحسين رضي الله عنه
وكلا الفريقين قد ضل عن الحق، وأضاع السنة، وارتكس في البدعة، فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته -رضي الله عنهم- عمل في عاشوراء سوى صيامه وصيام يوم قبله أو بعده، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن صيامه يكفر سنة، ومن اتخذه مناحة فقد خالف الهدي النبوي، وشابه أهل الكتاب في تعظيمهم وإطرائهم وغلوهم في أنبيائهم وأحبارهم.
ومن اتخذه عيدا فقد خالف الهدي النبوي أيضا، وشارك اليهود في اتخاذه عيدا.
وأكمل الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي تركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فحذار أخي المسلم من البدع، والتأثر بزخرفها ونمارقها؛ فإن الله تعالى ما ابتلى عباده إلا ليرى منهم حسن العمل، ولا يكون العمل حسنا إلا إذا كان خالصا لله تعالى، موافقا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ﴾ [الملك: 1-2]، وقال سبحانه: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ﴾ [الأحزاب: 21].
أسأل الله تعالى أن يستعملنا جميعا في طاعته، وأن يسبغ علينا نعمته، وأن يكلنا إلى عفوه ورحمته، إنه سميع قريب.
محمد أبوالنصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى