الدين والحياة

وَالضُّحَى(٢) بقلم / محمد سعيد أبوالنصر

وَالضُّحَى(٢)

 

بقلم / محمد سعيد أبوالنصر

 

يقول تعالى
{وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}

أقسم تعالى بوقت الضحي وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس ، وأقسم بالليل إذا اشتد ظلامه ، وغظى كل شيء في الوجود ،
قال ابن عباس : [ سجى ] أقبل بظلامه. يقال : سجى الليل : أي اشتد ظلامه
قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
قال ابن كثير : وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، وب{وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [اللَّيْلِ: 1، 2] ، وَقَالَ: {فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الْأَنْعَامِ: 96] .
{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } أَيْ: مَا تَرَكَكَ ربك يا محمد منذ اختارك ، ولا أبغضك منذ أحبك ، وهذا رد على المشركين حين قالوا : هجره ربه ، وهو جواب القسم
وَقَوْلُهُ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} أَيْ: مَا تَرَكَكَ، {وَمَا قَلَى} أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ
و[ قلى ] أبغض ، قال الراغب : القلي : شدة البغض يقال : قلاه ، يقليه أي أبغضه.
{وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى} أي وللدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ يا محمد مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. ومِنْ هَذِهِ الحياة الدنيا ، لأن الآخرة باقية ، والدنيا فانية ، ولهذا كان عليه السلام يقول : ” اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ”
وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها .وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفي قوله {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى} طباق بين [ الآخرة . . والأولى ] لأن المراد بالأولى الحياة الدنيا ، والمراد بالثانية الدار الآخرة ، فتطابقا باللفظ .
{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}
أي سوف يعطيك ربك في الآخرة من الثواب ، والكرامة ، والشفاعة ، وغير ذلك إلى أن ترضى ، قال ابن عباس : هي الشفاعة في أمته حتى يرضى ، لما روي أن النبي ، ذكر أمته فقال : اللهم أمتي أمتى وبكى ، فقال الله : يا جبريل إذهب إالى محمد وإسأله ما يبكيك ؟ – وهو أعلم – فأتى جبريل رسول الله (ص) وسأله فأخبره رسول الله(ص) بما قال ، فقال الله يا جبريل : إذهب إلى محمد وقل له : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ” ،
وفي الحديث (لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته ، وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة) الحديث ،
َقَوْلُهُ: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ مِنْ مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: “أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}
قال الخازن : والأولى حمل الآية على ظاهرها ، ليشمل خيري الدنيا والآخرة معا ، فقد أعطاه الله تعالى في الدنيا : النصر ، والظفر على الأعداء ، وكثرة الأتباع والفتوح ، وأعلى دينه ، وجعل أمته خير الأمم ، وأعطاه في الآخرة الشفاعة العامة ، والمقام المحمود ، وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة . .
ثم لما وعده بهذا الوعد الجليل ، ذكره بنعمه عليه في حال صغره ، ليشكر ربه ، فقال سبحانه
{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}أي ألم تكن يا محمد يتيما في صغرك ، فآواك الله إلى عمك (أبي طالب ) وضمك إليه ؟و(آوَى )ضمه إلى من يرعاه
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى) سجع المرصع كأنه الدر المنظوم في عقد كريم
فالله تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بقوله : {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ.
وبين قوله {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ووجدك عائلا فأغنى ] مقابلة لطيفة بقوله{ فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ] وهي من لطائف علم البديع .
{وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى}
وَقَوْلُهُ: {وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى}
أي ووجدك تائها عن معرفة الشريعة والدين فهداك إليها
كَقَوْلِهِ {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشُّورَى: 52] .
قال الإمام الجلال : أي وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من الشريعة فهداك إليها
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ.
وقال أبو حيان : لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى .
وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي.
وقَوْلُهُ: {وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى}
(عَائِلا)أي فقيرا معدما وهو من اشتد به الفقر، والمعني :أي ووجدك فقيرًا محتاجًا فأغناك عن الخلق ، بما يسر لك من أسباب التجارة .
أو {وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى} أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى} قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ –عن أبي هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ”
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ”
. ولما عدد عليه هذه النعم الثلاث ، وصاه بثلاث وصايا مقابلها ، فقال سبحانه
{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ}
تقهر أي تذله وتحقره، وفي قوله (تَقْهَرْ )و( تنهر) جناس ناقص لتغير الحرف الثاني من الكلمتين .
فقوله {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ} أي فَأَمَّا الْيَتِيمَ فلا: تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وتحتقره ولا تغلبه على ماله وقال سفيان : لا تظلمه بتضييع ماله، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ.فكَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ ، قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ.
فقد كنت يتيما فآواك الله
{وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ}]( تَنْهَرْ )تزجره وتغلظ عليه في الكلام .
أَيْ: وأما السائل المستجدي الذي يسأل عن حاجة وفقر ، فلا تزجره إذا سألك ، ولا تغلظ له القول ، بل أعطه أو رده ردا جميلا ،
وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ.
{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} أي حدث الناس بفضل الله وإنعامه عليك ، فإن التحدث بالنعمة شكر لها ،
فقوله {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: “وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا”.
قال الألوسي : كنت يتيما وضالا وعائلا ، فآواك الله ، وهداك ، وأغناك ، فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث ، فتعطف على اليتيم ، وترحم على السائل ، فقد ذقت اليتم والفقر ، وأرشد العباد إلى طريق الرشاد ، كما هداك ربك .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ: “مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب” إسناد ضعيف.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ،و الإمام أحمد في المسند عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: “لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ”
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ”.وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ”. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ”. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ.
وَقَالَ لَيْثٌ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ من اللَّهُ مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى