ثقافات

وزارة الثقافة السورية تواكب المبدعين الشباب

وزارة الثقافة السورية تواكب المبدعين الشباب
محمد نذير جبر
أقام المركز الثقافي العربي في أبو رمانة ملتقى أدبي قصصي شعري بإدارة الأديب والناقد سامر منصور استضاف فيه الشاعر أيهم الحوري ونادي شام الثقافي الذي مثله كل من القاصين محمد غرير وديمة سرحان وناصر القاضي وتلى ذلك مشاركات الشاعران ايمان موصللي وغدير اسماعيل.
امتزت مشاركات ضيف الملتقى الشاعر أيهم الحوري بسوية ابداعية مميزة على صعيد الصورة والمشهدية الشعرية التي يحترف نسجها وجاءت مشاركاته بقصائد باللهجة العامية (المحكية) حققت معادلة السهل الممتنع الإبداعية.. ويُعد الشاعر أيهم الحوري من أشهر شعراء (المحكي) في سورية ولديه دواوين باللغة العربية الفصحى وقد تناول عدة قضايا اجتماعية متنوعة من حيث أهميتها وقريبة لما تعايشه فئة الشباب.
تلى ذلك مشاركة القاص محمد غريد بقصة بعنوان بجماليون رأى فيها الأديب والناقد سامر منصور مايلي:
استطاع من خلالها استثمار الموروث المتمثل بأسطورة بجماليون وهي تتحدث عن الحُب والفن في آنٍ معاً حيث يقع بجماليون في غرامٍ لأنثى من خياله قام بنحته ثم تبث فيه الآلهة الحياة بناء على طلبه.. ومن المعروف عن الأساطير الشهيرة أن لها جذراً انثروبيولوجياً وعمقاً وثقلاً ابداعياً أتاح لها الخلود والاستمرار حتى وقتنا هذا
وبالتالي أي محاكاة لها أو محاولة للإتيان بقصة مشابهة لقصة أسطورة شهيرة هو تحدٍّ كبير فإن لم يكن الكاتب متمكناً لن ينجح في توظيف الأسطورة لخدمه فكرته وإبداعه بل ستوظفه الأسطورة للتذكير بها لا أكثر ولا أقل وسيتقعر النص باتجاه التناص مع الأسطورة .. وقد استطاع القاص محمد غرير توظيف الأسطورة وفق (زمكانه) ورؤيته وبدأ قصته بعتبة درامية مرتفعة واتبع (تقنية الاخفاء) فلم يكشف عن طبيعة الشخصيات وظللنا في شوق وتتبع لاكتشافها حتى نهاية القصة
وهذا يُتبع في فن الرواية والقصة بعد ظهور المذاهب الحداثوية حيث لايكشف الكتاب كامل السمات النفسية لشخصياتهم الرئيسية منذ البداية وبالتالي تبقى ردود أفعالها تجاه المواقف والأحداث والتفاعلات بينها وبين الشخصيات الأخرى مثار فضول القارئ وخارج نطاق تنبؤاته مما يشكل أحد أهم عوامل التشويق في الأدب الحديث الذي يلي الحبكة ويساهم في زيادة مقدرتها على جذب القارئ ومما جاء في الأسطر الأولى لقصته:(أتكور داخل معطفي وأنفث الدخان أراقب الدوائر وهي تتصاعد من فمي أعلى وأعلى..
تمنيت لو أمسك بها وأخنق فؤاد) هذا ما يقوله خالد بغضب عن شاب يُدعى فؤاد ينافسه على قلب فتاة تدعى ليلى ثم يقول: في معرض حديثه عن فؤاد (لن تنجح يا بُني) مما يوحي أن فؤاد أصغر سناً من خالد بكثير ثم نكتشف لاحقاً أن فؤاد وليلى ليسا سوى شخصيتان في رواية يكتبها خالد وهنا تنتابنا أسئلة عديدة منها (ماهو سر حقد الكاتب على إحدى شخصياته في قصته وحُبه لأخرى؟ وماهي الاسقاطات التي يقوم بها على هذه الشخصيات؟
هل ليلى هي الفتاة التي لم يستطع أن يجدها على أرض الواقع وهل تشكل تجسيداً لتطلعاته في الأنثى وهل فؤاد هو تجسيد لشبابه الضائع ولكل ما أراد أن يُحصله وفشل في تحصيله بسبب ظروف الحياة؟ وهل قتله لفؤاد من باب التأقلم وهل يستطيع تحصيل حُب (ليلى) وهو خالد وليس فؤاد؟).. تنتهي القصة بتمرد شخصية فؤاد بعد المحاولات العديدة الفاشلة لخالد بقتلها حيث يخرج فؤاد من ورقة ممزقة مرمية ويقتل خالد ويأخذ ليلى ويهربان معاً..
القصة منفتحة على عدة قراءات ولها فضاء دلالي واسع نسبة إلى حجمها الصغير.. إن موت خالد برصاصة الحُب قد يكون مجازياً وقد يكون مؤشراً لتطور مرض فصام يعاني منه.. ولكن من الجلي أن هناك إعلاءً من شأن الحُب حيثُ استطاع المُحب المُخلص أن يقضي على أي كاتب أي أن يميت محددات السيرورة واستطاع أيضاً أن يُحصِّلَ الصيرورة التي باغت بها الكاتب ليصنع مصيره بيده.
إن فكرة وجدلية ثلاثية (الحُب والسيرورة والصيرورة) تم تناولها في عددٍ من الافلام والروايات الأجنبية كفيلم Adjustment Bureau إلا أن قصة بجماليون للقاص أحمد غرير حملت مقدرة تعبيرية ومشهديات وخصوصية مكنتها من أن تكون عمل فني يُبشر بقاص مهم.. وباختصار لقد استأثر الحُب بالحركة فقد تجلى في هذه القصة كشيء عظيم يحتوي السيرورة والصيرورة وترك الكاتب والذي قد يرمز إلى القدر هامداً لايأتي بحركة.. إن الحُب كما عبر عنه القاص محمد لايحتاج موجهاً أو يلتزم بمسارات يحددها آخرون إنه صناعة قدر ومساحة شاسعة يُستنبتُ منها المصير.
عقب ذلك مشاركة القاص ناصر القاضي بقصة بعنوان بقايا زجاج وتنولت ذات موضوع قصة بجماليون ولكن بأسلوب مختلف ودون اللجوء إلى الموروث وقد أشاد بها الحضور وبطريقة الإلقاء حيث استطاع القاص ناصر حمل المستمعين إلى أجواء قصته الشيقة والمنسوجة بدقة وعناية.
وبدورها قدمت القاصة ديمة سرحان قصتان الأولى بعنوان جينات ماكرة والثانية بعنوان طنين.. وأشار منصور إلى أن القصتان امتازتا بالكثافة في تصوير الأماكن والشخصيات قائلاً: وكأننا أمام كاميرا تتناوب بين الرجل وحارته في قصة (طنين) ولكن عدسة تلك الكاميرا مذوبة بهواجس وذكريات بطل القصة النفسية.. إن قصص ديمة عموماً مكثفة وهي تجيد أن تحملنا بأجنحة فن القصة وتضعنا أمام مسألة ما أو جرح ما متوسلة فنيات متعددة لفن القصة كي تعبر بهذه المسائل والقضايا إلى وعي المتلقي ووجدانه وهي تجيد ذلك ونحن عموماً في عصر الثقافة البصرية وبالتالي من المجدي وصف ورسم الأماكن والشخوص بالكلمات بغية التأثير بقارئ هذا العصر..
وأشاد منصور بالبنية النفسية للشخصية الرئيسية في قصة جينات ماكرة والتي تطرقت فيها القاصة ديمة إلى نمط من الشخصيات من النادر التطرق له يتمتع بنزعة إلى الكمال وإرادة وتحدي وتصميم ونشاط واجتهاد وبذات الوقت لايقبل عدم وصوله إلى مراده حتى لو اقتضى ذلك تتبعه وتعلقه بماهو ميتافيزيقي.
وفي مداخلة له عبر الأديب والناقد عمر جمعة عن كون المشاركات القصصية تتمتع بسوية جيدة وجميعها امتلكت الفنيات التي تؤهلها لتندرج ضمن فن القصة وأشار إلى كون الشخصيات مكتملة ، متبلورة وأن القاصين استطاعوا تسخير فنيات مختلفة لفن القصة لخدمة وايصال الأفكار والطروحات التي أرادوا تسليط الضوء عليها.
عقب ذلك مشاركة الشاعرة ايمان موصللي بقصائد نثرية انتزعت اعجاب الحضور تمحورت معظمها حول الأنثى كمصدر للحب ورمز للصبر والعنفوان والعطاء.. وحول القصائد قال الأديب والناقد سامر منصور: إن قصائد الشاعرة إيمان من أكثر القصائد تميزاً فإلى جانب الانزياحات المُبتكرة والموظفة جمالياً ودلالياً وبالإضافة إلى الصور الشعرية غير المطروقة وفنيات أخرى تشكل سيمياء عالية للقصائد..
بالإضافة إلى كل هذا نجد تكويناً سيكولوجياً خاصاً للأنثى التي تبوح وتخاطب الحبيب عبر هذه النصوص مما يدل على أن فهم الشاعرة إيمان للحُب تلك العلاقة الإنسانية السامية والمعقدة هو فهم عميق .. إننا نكتشف أنثى لانمطية وحُباً غير رائج ونرى الرجل بعيون وقلب لإنسان عميق .. إن معادلات الحُب التي تطرحها قصائد الشاعرة إيمان هي معادلات فيها ما هو أنطولوجي وفيها تجلي لشخصية أنثى كونية إن خصوصية المبنى تأتي من خصوصية المعنى وعمقه وهذه إشارة إلى إبداع أصيل.. قابل للتطوير والتحسن ولكن غير قابل للمنافسة لفرادته الفائقة.
وبدوره ألقى الشاعر غدير اسماعيل عدداً من القصائد تنوعت بين قصيدة الشطرين والتفعيلة وقصيدة النثر تضمنت جدليات ومفارقات نعيشها في حياتنا بعضها ذات منحى اجتماعي وبعضها الآخر فيه من الفلسفة والأسئلة مافيه ويعرف عن قصائد الشاعر غدير سماعيل عادة أنها تذهب بين الصوفية والفلسفة والواقعية
وتتشح أحياناً بشيء من السريالية دون أن تخسر المُعادل الموضوعي ويتسع الفضاء التَخيُّلي الذي تقذف فيه المُتلقي ليقف في عددٍ ليس بالقليل من المحطات التأملية التي تحتوي في مشهديات منسوجة بعناية أبسط تفاصيل الحياة كشرب كأس شراب مع المعشوقة وبذات الوقت أسئلة وجودية كُبرى ويتم طرحها بطرائق فنية جذابة ومتميزة تكسر أفق التوقع وتتشعب بحرية شجرة ، لتورق في نفوس من يسمعها ولعاً جديداً بفن الشعر الذي يُحيله الشاعر غدير اسماعيل ضرباً من ضروب السحر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى