الدين والحياة

هل على المجنون صيام ؟ بقلم محمد سعيد أبو النصر

هل على المجنون صيام ؟

محمد سعيد أبو النصر
الْعَقْل، مناط التكليف ،والآلة التي يدرك بها المكلف الأشياء ،ويفهم بها مراد الشارع الحكيم ،فإذا زال العقل سقط عنه التكاليف ،فبدون العقل لا يوجد تكليف “إِذْ لاَ فَائِدَةَ مِنْ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ بِدُونِهِ، “وإذا كان غير البالغ ليس مُكلفًا بالصوم، فغير العاقل من باب أولى، لأن خطاب الشارع إنما هو موجه إلى العقلاء، وقد رفع القلم عن المجنون حتى يفيق. فَلاَ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى مَجْنُونٍ إِلاَّ إِذَا أَثِمَ بِزَوَال عَقْلِهِ، فِي شَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَ الإفَاقَةِ”
وَعَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ بِالإْفَاقَةِ بَدَلاً مِنَ الْعَقْل، أَيِ الإْفَاقَةِ مِنَ الْجُنُونِ وَالإغْمَاءِ أَوِ النَّوْمِ، وَهِيَ الْيَقَظَةُ
فمن كان من ذوي الْجُنُونِ الْمُطْبَقِ ، فلا يتوجه إليه تكليف، لا بأمر ولا بنهى، ولا بعبادة، ولا بمعاملة، فقد رفع عنه القلم. .
قال أبو جعفر: (ومن جن قبل شهر رمضان، فلم يزل كذلك حتى خرج الشهر، ثم أفاق: فلا قضاء عليه).لأن الله تعالى قال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، وهذا لم يشهد شيئًا من الشهر. وأيضًا: فإن الجنون إذا دام استحق به الولاية، فصار كالصبي،ويفارق الصبي من جهة أن الصبي إذا بلغ في بعض الشهر: لم يلزمه قضاء ما مضى منه،.
قال ابن مفلح في :صَوْمُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ
(وَمَنْ نَوَى قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ) لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِمْسَاكِ مَعَ النِّيَّةِ فَلَمْ يُوجَدِ الْإِمْسَاكُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «إِنَّهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» فَلَمْ تُعْتَبَرِ النِّيَّةُ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ، (وَإِنْ أَفَاقَ) أَيِ: الْمُغْمَى عَلَيْهِ (جُزْءًا مِنْهُ، صَحَّ صَوْمُهُ) لِقَصْدِهِ الْإِمْسَاكَ فِي جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ، فَأَجْزَأَ كَمَا لَوْ نَامَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ جُزْءٌ لِلْإِدْرَاكِ، وَلَا يُفْسِدُ قَلِيلُ الْإِغْمَاءِ الصَّوْمَ، وَالْجُنُونُ كَالْإِغْمَاءِ، وَقِيلَ: يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِقَلِيلِهِ كَالْحَيْضِ، بَلْ أَوْلَى لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ زَوَالُ عَقْلٍ مِنْ بَعْضِ الْيَوْمِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتُهُ كَالْإِغْمَاءِ، وَيُفَارِقُ
صَوْمُهُ. وَيَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْمَجْنُونِ.
وقال النووي في روضة الطالبين وعمدة المفتين “لَا يَصِحُّ صَوْمُ الْمَجْنُونِ. فَلَوْ جُنَّ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، بِطَلَ صَوْمُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: هُوَ كَالْإِغْمَاءِ. وَلَوْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ، صَحَّ صَوْمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ.
وَقَالَ أَبُو الطِّيبِ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْإِصْطَخْرِيُّ: لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ.
وَلَوْ نَوَى مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُفِيقًا فِي جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ، صَحَّ صَوْمُهُ، وَإِلَّا، فَلَا، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» فِي بَابِ الصِّيَامِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ: أَنَّهُ تُشْتَرَطُ الْإِفَاقَةُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ بِالْإِغْمَاءِ وَلَوْ لَحْظَةً فِي النَّهَارِ كَالْحَيْضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ.
وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالْإِغْمَاءِ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ كَالنَّوْمِ.
وَفِي قَوْلٍ خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: تُشْتَرَطُ الْإِفَاقَةُ فِي طَرَفِ النَّهَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْمَذْهَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي. وَلَوْ نَوَى بِاللَّيْلِ، ثُمَّ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عَقْلُهُ نَهَارًا، فَقَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» إِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ فِي الْإِغْمَاءِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ.
ومن كان جنونه متقطعًا، فهو مكلف في المدة التي يعود إليه فيها عقله فقط.
وألحق بعض الفقهاء به من يعتريه إغماء أو غيبوبة مرضية، يفقد فيها وعيَه مدة تقصر أو تطول، فهو خلال غيبوبته غير مكلف بصلاة ولا صيام.
فإذا أفاق بعد أيام من إغمائه وغيبوبته، هل عليه قضاء ؟
هل يجب على المجنون أو المغمى عليه لعدة أيام قضاء هذه الأيام بعد الإفاقة ؟
والذي أختاره أنه ليس عليه أن يقضي تلك الأيام الماضية، لأنه كان فيها غيرُ أهلٍ للتكليف. ولأنه ” ليس من المكلفين، فلا تجب عليه عبادة. “والتكليف سقط من عليه فلا صوم عليه .
وبعضهم رأى أن عليه قضاءَ ما فاته أثناء الإغماءِ، أو الغيبوبة، معللاً ذلك بأن الإغماءَ مرض، وهو مغطٍ للعقل غيرُ رافعٍ للتكليف، ولا تطول مدتُه، ولا تثبت الولايةُ على صاحبه، ويدخل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
فالحكم يدور مع علته، ففي الأوقات التي يكون فيها صاحياً عاقلاً يجب عليه الصوم ، وفي الأوقات التي يكون فيها مجنوناً لا صوم عليه ، فلو فرض أنه يجن يوماً ويفيق يوماً ، أو يهذي يوماً ويصحو يوماً ، ففي اليوم الذي يصحو فيه يلزمه الصوم ، وفي الذي لا يصحو فيه لا يلزمه الصوم.
وقديما اختلف العلماء هل المجنون مخاطب بالقضاء على ثلاثة أقوال:
فقيل: عليه القضاء. وسواء بلغ صحيحًا أو مجنونًا، قلَّت السنون التي جُنَّ فيها أو كثرت وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة.
وقيل: إن قلّت السنون كالخمس ونحوها كان عليه القضاء، وإن كثرت كالعشر وما فوق ذلك لم يكن عليه قضاء، ذكره ابن حبيب عن مالك والمدنيين من أصحابه
وقيل: إن بلغ مجنونًا فلا قضاء عليه، وإن بلغ عاقلًا ثم جن كان عليه القضاء، قال ابن الجلاب: وأظنه قول عبد الملك
وقد اتفقت هذه الروايات على أنه إذا بلغ صحيحًا ثم جُنَّ وقلَّت السنون أن عليه القضاء، فمن أوجب القضاء على المجنون قاسه على الحائض أنها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ومن أوجبه فيما قلَّ قاسه على توجيه القول في الحائض أنها لم تقض الصلاة لتكررها وقضت الصوم؛ لأنه مما لا يتكرر، فإذا كثر ما لزم المجنون من الصوم لطول السنين كان بمثابة الصلاة للحائض، ومن أسقطه عمن بلغ مجنونًا قاسه على الصبي؛ لأنه لم تمر به حالة يتوجّه عليه الخطاب فيها بشيء من الفروض ففارق المريض والحائض؛ لوجود العقل منهما وأنهما من أهل التكليف.
وقد تعرض لذلك العلامة ابن رشد في (بداية المجتهد) فقال: (وفقهاء الأمصار على وجوبه – أي: القضاء – على المُغمَى عليه. واختلفوا في المجنون، ومذهب مالك: وجوب القضاء عليه، وفيه ضعف لقوله عليه الصلاة والسلام: “وعن المجنون حتى يفيق”.
والذين أوجبوا عليهما القضاء اختلفوا في كون الإغماء والجنون مفسدًا للصوم، فقوم قالوا: إنه مفسد، وقوم قالوا: ليس بمفسد، وقوم فرقوا بين أن يكون أغمى عليه بعد الفجر، أو قبل الفجر. وقوم قالوا: إن أُغمي عليه بعد مضي أكثر النهار أجزأه، وإن أغمي عليه في أول النهار قضى، وهو مذهب مالك، وهذا كله فيه ضعف، فإن الإغماء والجنون صفة يرتفع بها التكليف وبخاصة الجنون، وإذا ارتفع التكليف لم يوصف بمفطر ولا صائم، فكيف يقال في الصفة التي ترفع التكليف: إنها مبطلة للصوم؟ إلا كما يقال في الميت أو فيمن لا يصح منه العمل، إنه قد بطل صومه وعمله)
ورأيي أن الإغماء القصير الذي يستغرق يوما أو يومين، أو نحو ذلك، فيه القضاء أما الغيبوبة الطويلة التي عرفها الناس في عصرنا، والتي قد تمتد إلى شهر أو أشهر أو سنين ! وخصوصًا مع أجهزة الإنعاش الصناعي، فهذه أشبه بحالة الجنون، الرافع للتكليف في حالة وجوده، وتكليف مغيَّب الوعي هنا بالقضاء فيه حرج عليه، وما جعل الله في الدين من حرج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى