الدين والحياةعام

نفحات إيمانية ومع الشهادة من أجل الوطن ” الجزء السادس ” إعداد / محمـــد الدكــــرورى

 

نفحات إيمانية ومع الشهادة من أجل الوطن ” الجزء السادس “

إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء السادس مع الشهادة من أجل الوطن، وقد توقفنا مع جملة الشهداء ومنهم المطعون، وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت سألت، رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فقال صلى الله عليه وسلم “أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمةً للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد” رواه البخاري.

وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون، قلت يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال صلى الله عليه وسلم” غدة كغدة البعير المقيم بها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف” رواه أحمد، ولعل الحديث يقصد الفار من بلد أصيب بالطاعون إلى بلد آخر، فيتسبب بذلك في نقل الوباء إليه، ومن ثم يريد النبي صلى الله عليه وسلم حصر المرض وآثاره في مكانه دون أن يتعدى إلى غيره، وأما عن المبطون وهو الذي يشتكي بطنه من إسهال، أو استسقاء أو نحو ذلك، ويقال، بطن بضم الباء وكسر الطاء إذا اشتكى بطنه، فهو مبطون، أو من مات بقرحة المعدة، أو بالسل، أو بأزمة قلبية، أو بأي داء في البطن، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “من قتله بطنه لم يعذب في قبره” رواه الترمذى.

وأما عن الغريق، فإذا سافر الشخص في البحر، سفرا مباحا، أو سفر طاعة، ثم هاج البحر، فغرق فإنه يكون شهيدا، وكذلك المائد في البحر، وهو الذي يصيبه القيء الشديد، أو يصاب بدوار البحر بسبب اضطراب السفينة بالأمواج فيسقط.

وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم “المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد”رواه أبو داود، وكذلك من شرق وهو يشرب فمات فإنه يعد غريقا، أما لو ركب البحر عاصيا لأبويه، أو أحدهما، أو قاصدا سرقة، أو قتلا أو غير ذلك من المعاصي فغرق فإنه لا يكون شهيدا، بل هو عاص بحسب نيته، وأما عن المطعون وهو الذي يطعن بالرمح مثلا، فيموت من تلك الطعنة، فهو شهيد.

 

وأما عن صاحب الهدم، وهو من مات تحت الهدم، فإنه شهيد، وأما عن صاحب ذات الجنب، وذات الجنب هو دمل أو خراج كبير يظهر في باطن الجنب، وينفجر إلى الداخل، قلما يسلم صاحبها، وذو الجنب هو الذي يشتكي جنبه بسبب ذلك الدمل، أو الخارج وهو يسمى”دبيلة” وأما عن صاحب الحريق، وفي رواية والحرق شهيد، ويعني أن المسلم إذا مات محترقا بالنار، غير منتحر، فإنه يكون شهيدا ولو أحرقته نار قنبلة أو سوائل كيميائية، أو غازات، أو نحوها من الأسلحة الحديثة، فإنه شهيد كذلك، وأما عن المرأة تموت بجمع وهي التي تموت بالنفاس، وولدها في بطنها، فقيل هى التي تموت بالنفاس، سواء ألقت ما في بطنها، أو لا، وقيل هى التي تموت عذراء، لم يمسها الرجال، وقيل هى التي تموت قبل أن تحيض، وإن الصحيح هو الأول وهو يؤيده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “والنفساء يجرها ولدها بسرره إلى الجنة” رواه أحمد، وهذا مقيد بإذا كان النفاس من نكاح شرعي، وأما عن المقتول دون ماله، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال، جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال “يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال صلى الله عليه وسلم “فلا تعطه مالك” قال أرأيت إن قاتلني؟ قال صلى الله عليه وسلم “قاتله” قال أرأيت إن قتلني؟ قال صلى الله عليه وسلم “فأنت شهيد” قال أرأيت إن قتلته؟ قال صلى الله عليه وسلم “هو في النار” رواه مسلم، وفي رواية أخرى قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال “يا رسول الله أرأيت إن عدي على مالي قال فانشد بالله قال فإن أبوا علي قال فانشد بالله قال فإن أبوا علي قال فانشد بالله قال فإن أبوا علي قال فقاتل فإن قتلت ففي الجنة وإن قتلت ففي النار” رواه النسائي، ويبين هذا الحديث حكم الصائل الذي يريد أخذ مال الرجل بالقوة والغلبةن فأمر صاحب المال أن يناشده الله تعالى، ويستحلفه به، ثلاث مرات فإن أبى لرابع مرة وأصر على أخذ ماله، قاتله ودافع عن حقه، فإن قتله الصائل، كان شهيدا ودخل الجنة، لأنه قتل، وهو يدافع عن حقه، وإن قتل هو الصائل، دخل النار لأنه ظالم متعد، يريد أخذ مال الناس بغير حق، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول “من قتل دون ماله فهو شهيد” رواه البخاري، وأما عن المقتول دون مظلمته، فعن سويد بن مقرن رضي الله عنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من قتل دون مظلمته فهو شهيد”رواه النسائى، ومعنى مظلمة بفتح الميم واللام، هو ما أخذ من الشخص ظلمًا، كأرض أو بهيمة، أو ثياب، وما أشبه ذلك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ما من مسلم يظلم بمظلمة فيقاتل فيقتل إلا قتل شهيدا” رواه أحمد.

وأما عن المقتول دون دينه أو أهله أو دمه كل واحد من هؤلاء الثلاثة شهيد، فعن سعيد بن زيد رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد” رواه الترمذي، وأما عن موت الغربة، فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “موت غربة شهادة” رواه ابن ماجه، وأما عن الميت مريضا، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” من مات مريضا مات شهيدا، ووقي فتنة القبر، وغدي وريح عليه برزقه من الجنة” رواه ابن ماجه، وليس المراد بالحديث مطلق المرض، بل هو محمول على مرض الطاعون، وذلك ما يوضحه الحديثان التاليان عن العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال” يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفون من الطاعون فيقول الشهداء إخواننا قتلوا كما قتلنا ويقول المتوفون على فرشهم إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا فيقول ربنا انظروا إلى جراحهم فإن أشبه جراحهم جراح المقتولين فإنهم منهم ومعهم فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم “رواه النسائي، وعن عتبة بن عبد السلمي رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون فيقول أصحاب الطاعون نحن شهداء فيقال انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دما ريح المسك فهم شهداء فيجدونهم كذلك” رواه أحمد.

وإن للعلماء في تفسير المقصود بالطاعون قولان، أحدهما أنه الإسهال الشديد المستمر لقول العرب، أخذه البطن، إذا أصابه الداء، والثاني أنه مرض الاستسقاء المعروف، والفشل الكلوي، وهو مرض تضخم أنسجة الجسم كلها نتيجة تجمع السوائل الضارة في مجاري الدم، وتسربها داخل أنسجة الجسم، وبخاصة في الساقين والرئتين، بعد فشل الكلى، ومثله من مات بسبب السل، والأمراض الخبيثة في البطن والصدر، فإنه حين يصاب بالمرض يظل يعالج ويصبر على الآلام حتى يلقى ربه صابرا محتسبا، وأما عن قراءة آخر سورة الحشر، فعن معقل بن يسار رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة” رواه الترمذي، وهذه الآيات من آخر سورة الحشر هى قوله تعالى ” لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون، هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم” ولعل مراد الحديث أن الاستعاذة والقراءة من الأعمال الصالحة المقبولة إذا اقترنت بحسن التدبر لمعانيها.

ثم بالعمل بمقتضاها في تقوى وإخلاص لله تعالى وحسن توكل عليه وثقة به ورجاء فيه، وأما عن طالب العلم، فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع” رواه الترمذي، وأما عن المقتول صبرا، فإن قتل الصبر، أن يقتل الشخص محبوسا مقيدا، وهو منهي عنه في الحيوان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم” إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته” رواه الترمذي، فإذا كان الإنسان مأمورا بإراحة الحيوان المذبوح، وذلك بإلا يقيد، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من يصبر الدجاجة ليرميها، فلا شك أن تقييد الإنسان حال قتله، يكون أشد تحريما وأعظم إثما، ويكون المقتول صبرا، تكفر ذنوبه كلها كالشهيد، فعن بكير بن عبد الله بن الأشج عن ابن تعلى قال “غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأتي بأربعة أعلاج من العدو فأمر بهم فقتلوا صبرا قال أبو دأود قال لنا غير سعيد عن ابن وهب في هذا الحديث قال بالنبل صبرا فبلغ ذلك أبا أيوب الأنصاري فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن قتل الصبر فوالذي نفسي بيده لو كانت دجاجة ما صبرتها فبلغ ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأعتق أربع رقاب ” رواه أبو داود، وقد حدث أن أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من عشرة أفراد في مهمة، وكان بينهم خبيب الأنصاري، فوقع أسيرا في أيدي كفار مكة، فأوثقوه بالحديد، وأصروا على قتله.

فطلب منهم أن يتركوه يصلي ركعتين قبل أن يقتلوه ففعلوا، فكان خبيب هو من سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرا” رواه البخاري، وأما عن قائل كلمة الحق للحاكم، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أي الجهاد أفضل قال صلى الله عليه وسلم “كلمة حق عند إمام جائر” رواه أحمد، وإن الشخص الذي يقوم إلى إمام جائر، فيأمره بالعدل وإتباع الحق، وينهاه عن الظلم والانحراف وهو يعلم جوره وبطشه، فيغضب عليه الإمام ويقتله، يكون من سادات الشهداء لأنه ضحى بنفسه وحياته، في سبيل كلمة حق يقولها، ونصيحة يبذلها، وهكذا فإن الشهداء هم سادة الحياة، وملوك الآخرة، وينبغي لأمتنا أن تعرف من قتلوا، ومن استشهدوا، وأن يكون عرفانها لهم لا تقديرا لأشخاصهم مع أن التقدير واجب وفرض ولكن ليعلم الباقون أن طريق الحياة والمجد هو في هذا المسلك، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه للقائد خالد بن الوليد رضي الله عنه، وهو يبعثه مقاتلا احرص على الموت توهب لك الحياة، وإن هناك شيء لابد أن يذكر هنا، وهو أن الآجال ليس لها سبب مادي واضح يقربها أو يبعدها، افرض أن الشيطان قال لك لو لم يخرج فلان إلى المعركة ما قتل، ما الذي يضمن لك أنه لو كان ماشيا في الشوارع لم تدسه سيارة أو لم يصب بشيء ما يقضى عليه؟ وهذا معنى قول الحق سبحانه وتعالى كما جاء فى سورة آل عمران ” قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ” فإن إيمان الإنسان بأن الشهادة قدر، وأنها منزلة، وأن الأجل لا يحين بالتعرض للقتل، ولا يبعد بالفرار من الهلاك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى