الدين والحياة

نفحات إسلامية ومع رمضان شهر العزة والنصر ” الجزء الثالث “

نفحات إسلامية ومع رمضان شهر العزة والنصر ” الجزء الثالث “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع رمضان شهر العزة والنصر، وقد توقفنا مع غزوة بدر وهى ليست كأى غزوة، فهى غيرت مجرى التاريخ لذلك سماها ربنا عز وجل يوم الفرقان، وربطها بشهر رمضان من أجل أن نتفكر دائما فى هذا الشهر، فمَن مِن المسلمين لا يعرف أنها كانت فيه؟ حُفرت فى وجدان كل صغير وكبير، وفى وجدان كل رجل وامرأة، يجب أن نتذكر علاقتها برمضان دائما ولكن لماذا غزوة بدر خاصة؟ لماذا يطغى ذكر غزوة بدر على ذكر أى غزوة أخرى من غزوات الرسول؟ لأن في بدر وُضعت كل قواعد بناء الأمة الإسلامية فى غزوة بدر عرف المسلمون أن النصر من عند الله وليس بالعدد ولا العدة، فلا يصلح لأمة بعيدة عن ربها، وبعيدة عن دينها أن تنتصر، واقرءوا سورة الأنفال التي تتحدث عن غزوة بدر فيقول تعالى ” وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم” فكيف يمكن لعدد مثل ثلاثة مائة أن يغلبوا ألفا، وهذا العدد القليل معه سبعون جملا، والعدد الكبير معه سبعمائة جمل، هذا العدد القليل معه فرسان.

والعدد الكبير معه مائة فرس، العدد القليل خارج بسلاح المسافر، والعدد الكبير خارج بسلاح الجيوش، كيف؟ كيف يمكن لهذا العدد القليل في كل المقاييس المادية أن يغلب هذا العدد الكبير؟ هذا ليس له إلا أمر واحد، ألا وهو أن الله عز وجل هو الذى نصر المؤمنين، نصر الضعفاء القلَة الأذلة، كما عبَّر سبحانه فى كتابه الكريم، انتصروا بأسلحة غير تقليدية تماما، فقد انتصروا بالمطر والنعاس، وبالرعب في قلوب الكافرين، وبالتوفيق فى الرأي، وبضعف الرأى عند الأعداء، وانتصروا بالملائكة، فإن الملائكة نزلت تحارب مع المؤمنين في بدر، وهم أفضل الملائكة، وجبريل عليه السلام على رأس الملائكة، وقال تعالى ” وما النصر إلا من عند الله” وقال الله تعالى فى الأنفال ” وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى” فإن غزوة بدر فيها زُرع الأمل فى نفوس المسلمين إلى يوم القيامة، ما دام الله معك فالنصر لا شك حليفك، قواعد وأسس وأصول وُضعت فى غزوة بدر، وعلينا بوحدة الصف لننتصر، فقال تعالى ” ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”

وهذه القاعدة وُضعت في بدر، والتضحية بكل شيء بالنفس والمال، وبالوقت والجهد ليتم النصر، هذه القاعدة وضعت أيضا في بدر، والإعداد قدر المستطاع لمواجهة الأعداء، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الأنفال ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به غدو الله وعدوكم” وهذه القاعدة أيضا وضعت في بدر، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فى كل أمر فقال تعالى غى سورة الأنفال ” استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم” فهى قاعدة وضعت أيضا فى بدر، فكل قواعد بناء الأمة الإسلامية وضعت في بدر، وكل هذه القواعد نتعلمها فى رمضان، ونقترب من الله سبحانه وتعالى الذى بيده النصر في رمضان، ونزيد من أواصر المودة والأخوة بين المسلمين، وهى قاعدة من أهم القواعد التى تبني الأمة الإسلامية، تضحى بمالك وجهدك ووقتك في رمضان، تقوى صحتك وبدنك ولياقتك في رمضان، وبإيجاز يكون الجهاد والإعداد له في رمضان، وكم نخسر عندما نفقد هذه المعانى.

ويمر الشهر علينا من غير أن نعرف قيمته فى الجهاد في سبيل الله والنصر، وإننا نلاحظ شيئا عجيبا جدا بعد هذه الرحلة التاريخية في رمضان، فقد انتصر المسلمون تقريبا على كل الفرق المعادية للإسلام فى شهر رمضان، فقد انتصرنا على المشركين فى بدر وفتح مكة، وانتصرنا على الفرس عُبَّاد النار في البويب، وانتصرنا على الصليبيين في وادى برباط فى الأندلس، وأيام صلاح الدين في فتح صفد، وانتصرنا على التتار في عين جالوت، وكذلك حرب التحرير العظيمة التي حدثت في العاشر من رمضان التي اشتهرت بحرب السادس من أكتوبر سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعون فتحررت سيناء، وهو انتصار مجيد، فالحواجز التى عبرها الجيش المصرى تدخل فى عداد المعجزات العسكرية، والروح الإيمانية كانت مرتفعة جدا عند الجيش وعند الشعب، فكانت النزعة والتربية الإسلامية فى الجيش ملموسة وواضحة، ونداء الله أكبر كان يخرج من قلب كل مسلم، والوحدة الإسلامية كانت فى أبهى صورها، كل هذا دفع إلى النصر.

وللأسف عندما بدأ الشعب يتغير وبدأت كلمة أنا، تعلو بديلا عن كلمة الله عز وجل، وبدأت مقولة أنا فعلت، بدلا من الله فعل، ولمَّا حدث هذا حدثت الثغرة، وبدأ التأزم فى الموقف، لكن على كل حال كان نصر رمضان نصرا باهرا، وكان دفعة قوية ليس لمصر وسوريا فقط، بل لشعوب مسلمة كثيرة على وجه الأرض، إذن لا يوجد عدو من أعداء الإسلام إلا وحاربناه وانتصرنا عليه في رمضان سواء كانوا مشركين أو صليبيين أو تتارا أو فرسا أو يهودا، ولا يأتى رمضان إلا ونتذكر هذه الانتصارات، وهذه نعمة عظيمة مَنَّ الله عز وجل بها علينا لنظل نتذكر الجهاد والانتصار إلى يوم القيامة، أما فى السنة الثامنه من الهجرة فكان الموعد مع حدث من أهم أحداث التاريخ، إنه فتح مكة، وهو اللقاء الأخير والفيصل مع مشركى قريش فقد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم وجيش المؤمنين من المدينة المنورة قاصدا مكة فى العاشر من رمضان فى السنة الثامنه من الهجرة وفتحها فى اليوم الواحد والعشرين من رمضان.

وإن الموقف فى فتح مكة مختلف عن بدر، ففى غزوة بدر كان الخروج فى رمضان على غير اختيار المؤمنين لأن القافلة المشركة بقيادة أبى سفيان جاءت فى ذلك التوقيت فخرجوا لها، لكن الخروج فى فتح مكة كان بتخطيط وتدبير من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المؤمنين، فكان من الممكن أن يؤخروا الخروج ثلاثة أسابيع فقط ليخرجوا فى شوال بعد انتهاء رمضان، وكان من الممكن أن يقول بعضهم نستفيد بالصيام والقيام وقراءة القرآن، ونؤخر الجهاد ثلاثة أسابيع فقط، لكن كل هذا لم يحدث، وحتى تكون أشهر رمضان المقبلة كتلك الماضية بسجلاتها الذهبية لا بد لنا من الاعتصام بحبل الله لأن قوتنا في اعتصامنا بحبل الله المتين، فيقول تعالى كما جاء فى سورة آل عمران ” إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون” فكان يوم الجمعة يوم السابع عشر من رمضان هو يوم الفرقان، هذا اليوم التقى الجمعان ووقعت أول معركة فى الإسلام وحدثت أول غزوة بين المسلمين وبين الكفار.

وفى هذا اليوم وقعت المعركة الكبرى والغزوة العظمى بين الحق والباطل بين الشرك والتوحيد بين الإسلام والجاهلية، وكان سبب الغزوة هو قافلة لقريش، قريش التى طردت المسلمين من مكة واضطرتهم إلى الهجرة إلى المدينة، قريش التى استحوذت على أموال المسلمين المهاجرين من مكة إلى المدينة، قريش التي استضعفت المسلمين وحاصرتهم تحركت قافلتها التي تضم ألف بعير محملة بالبضائع من الشام إلى مكة، وإنها فرصة المسلمين لقهر قريش وإذلالها وتمريغ أنفها في التراب وفرصة لهم لاسترجاع جزءا من أموالهم التي استولت عليها قريش واستحوذت عليها في مكة، ولكن العجيب في الأمر والسؤال الذي يطرح نفسه كيف عرف المسلمون تحركات القافلة؟ وما يدريهم بتفاصيلها؟ فإن هذا يدلنا على أن القائد الأعلى للمسلمين صلى الله عليه وسلم كان يقظا متابعا عارفا بتحركات المشركين راصدا لأخبارهم لديه استطلاعات قوية واستخبارات عسكرية وسرايا استكشافية توصل له الأخبار وترصد له تحركات العدو فصلى الله عليك يا رسول الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى