الدين والحياة

نسائم الايمان ومع أمراض القلوب ” الجزء السابع “

نسائم الايمان ومع أمراض القلوب ” الجزء السابع “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء السابع مع أمراض القلوب، وعن أنس ابن مالك رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن رجلا أراد أن يصلي كل ليلة ولا يرقد أبدا، وأن رجلا أراد أن يصوم كل يوم ولا يفطر أبدا، ورجلا أراد أن يترك الزواج فلا يتزوج النساء أبدا، أنكر عليهم ذلك كله وقال صلى الله عليه وسلم “
ما بال أقوام يبلغنى عنهم كذا وكذا، أما أني أصلي وأرقد وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، من رغب عن سنتي فليس مني” وعن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال من شغله أمر دينه كفاه الله أمر دنياه، ومن أحسن سريرته أحسن الله علانيته، ومن أحسن ما بينه وبين الله أحسن الله ما بينه وبين الناس،
وإن من أمراض القلب هو الشهوة المنحرِفة عن الاعتدال، فإن القلب حصن، والشيطان لصّه يُغير عليه ويهاجمه، وكثيرا ما يدخل عليه من منافذ الشهوة، فيُحسّن له الزنا، ويعميه عن عواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة، ويحسّن له شرب الخمر، وتناول واستعمال المخدرات، وينسيه مضارها، وآثارها السيئة، الدينية والبدنية والمالية.
وعقوباتها في الدنيا والآخرة، ويحسّن له أكل المال بالباطل من سرقة، ومعاملة ربوية، وتحايل على أكل أموال الناس، بأنواع الحيل، وينسيه ما يترتب على ذلك من عقوبات عاجلة وآجلة، ويحسّن له الراحة والقصور عن الواجبات، والتكاسل عنها كالصلاة، وأداء الزكاة، والصوم، والحج،
وغير ذلك من أنواع العبادات وأعمال الخير، فيعتاد الكسل والراحة، فلا يهتم بشيء من ذلك، ويحبب إليه اللهو والمجون، والنظر إلى المحرمات، والاستماع إلى الأصوات الماجنة، فيغرق في بحر اللهو والغفلة، فيندم حين لا ينفع الندم، وما أكثر مرض القلوب اليوم،
فعالجوا أمراض قلوبكم بالكف عن المشتبهات المحرّمة، واعلَموا أنه لا بد من احتمال مرارة الدواء من مجاهدة النفس، والصبر على ذلك، واعلَموا أن مرض القلب أعظم من مرض البدن، ومريض البدن يصبِر على الدواء ومرارته وآلام العلاج، حتى ولو يقطع عضو من أعضائه، إذا تقرر أن سلامة البدن بذلك، والصبر على علاج مرض القلب أولى فإن البدن ينتهي بالموت.
ومرض القلب عذاب يدوم في الحياة وبعد الموت، ومن أراد الله به خيرا بصّره بعيوب نفسه، ومن يُرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ومن كانت له بصيرة لن تخف عليه عيوب نفسه، ولكن أكثرنا جاهلون أو متجاهلون لعيوب أنفسهم، كما قيل يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه، وإن من الأسباب لمعرفة العبد عيوب نفسه، أن يوفقه الله بمن يدله على عيوب نفسه،
وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول رحم الله امرأ أهدى إلينا عيوبنا، فعلينا أن نتقي الله في أنفسنا، ونعالج أمراض قلوبنا، ونتعاون في ذلك، ويفقه كل واحد منا أخاه يأمره بالخير والاستمرار فيه، وينهاه عما فيه من شر، ويبصره به، فالمؤمن مِرآة أخيه، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وعالجوا ما دب إلينا من أمراض القلوب التي بسببها انتشرت المعاصي، وقلّ إنكارها واستنكارها، واسألوا الله الثبات على دينه، والاستقامة على ما يرضيه.
واستعيذوا بالله من زيغ القلوب، فما أجمل الحب حين يكون من قلب نقي المشاعر، صادق الإحساس، يفيض عليك حبّه بسخاء، لا لشيء إلا لأن الحب سجيته وطبعه، وما أجمل الحب حين يكون من قلب يبذله لكل أحد دون أن ينتظر منه الجزاء، فكيف إذا كان الحب من قلب علم البشرية جمعاء فنون الحب وجماله؟
إنه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا قال “إن شئت” قال فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة، قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صُنع، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشق، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها، فضمّها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت، قال “بكت على ما كانت تسمع من الذكر” وفي رواية قال “أما والذي نفس محمد بيده، لو لم التزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة.
وذلك حزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم” فأمر به فدُفن، ولقد أفاض النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الجذع من حُبّه ورحمته وجميل رعايته، فحق له أن يذرف الدمع ويجهش بالبكاء على فراق حِبّه، فتخيل مشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينزل من المنبر ويفتح ذراعيه ليحتضن ذلكم الجذع بقلبه الرحيم الودود، ويُسكن روعه كما تسكن الأم الرؤوم ولدها الباكي، وتضمه إلى صدرها فيشعر بحبها وعطفها وحنانها،
فهل عرف التاريخ مثل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؟ وليس الجذع فحسب هو الذي منحه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الحب والوداد، فها هو يمر بجبل عظيم في حجمه وسواده وصلابته، والحجارة مضرب المثل في القسوة، فيقول عليه الصلاة والسلام ” أحد جبل يحبنا ونحبه” وها هو يدخل حائط رجل من الأنصار، فيلقى جملا فيقبل عليه الجمل، ويبث إليه الشكاية، فيبادله صلى الله عليه وسلم الوداد والرحمة والمحبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى