تقارير وتحقيقات

مشاهد في تحرير سيناء … الخروج من " ياميت"

(من أوراق التاريخ)
يقدمها : حجاج عبدالصمد
مشاهد في تحرير سيناء … الخروج من ” ياميت”
كل عام يحل الخامس والعشرون من أبريل تجد التاريخ يستدعي من بين دهاليز الذكرة المصرية والعربية عدداً من المشاهد مشاهد دالة وشارحة وكاشفة أيضاً .. انه تحرير سيناء من الاحتلال الاسرائيلي انه ذلك اليوم الخامس والعشرين من أبريل عام 1982 عندما أتمت إسرائيل انسحابها من سيناء تنفيذاً لبنود اتفاقية أو معاهدة السلام التي تم توقيعها بين مصر واسرائيل في عام 1979 .
والمشهد في ذلك اليوم الخامس والعشرين من أبريل 1982 مرتبط بمشاهد تاريخية أخرى سابقة ولاحقة لا يمكن الفصل بينها أبداً .. من بين هذه المشاهد وقوف الرئيس الراحل محمد أنور السادات داخل الكنيست الاسرائيلي خلال زيارته الفارقة لإسرائيل وإلقاء خطابه الشهير هناك .
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٤‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏قبعة‏‏‏‏
ومشهد آخر جرت تفاصيله هناك في الولايات المتحدة الأمريكية عندما أجتمع الرئيس السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي أنداك مناحم بيجين بحضور الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت جيمي كارتر للاتفاق على بنود معاهدة السلام … ومن بين هذه المشاهد أيضاً تلك اللحظات التي سبقت الانسحاب وما فعله المستوطنون الإسرائيليون الذين كانوا يسكنون شرم الشيخ ورفح قبل خروجهم من هناك
قال الرئيس محمد أنور السادات في خطابه الذي ألقاه أمام الكنيست الاسرائيلي عام1977 مذكراً قادة إسرائيل بما حدث لهم في العاشر من رمضان السادس من أكتوبر ” ملحمة العبور” .. قال السادات لقادة إسرائيل لقد كان بيننا وبينكم جدار ضخم مرتفع حاولتم أن تبنوه على ربع قرن من الزمان ولكنه تحطم في عام 73 كان هذا الجدار جداراً من التخويف بالقوة القادرة على اكتساح الامة العربية من أقصاها إلى أقصاها كان هذا الجدار جداراً من الترويج بأننا أمة تحولت إلى جثة بلا حراك بل إن منكم من قال إنه حتى بعد مضي خمسين عاماً مقبلة فلن تقوم للعرب قائمة من جديد .. كان هذا الجدار جداراً يهدد دائماً بالذراع الطويلة القادرة على الوصول إلى إي موقع وإلى أي بعد .. كان هذا الجدار جداراً يحذرنا من الابادة والفناء إذا حاولنا أن نستخدم حقنا المشروع في تحرير أرضنا المحتلة .
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏قبعة‏‏‏
بعد سرد كل هذا صمت السادات قليلاً واستطرد قائلاً وعلينا أن نعترف معاً بأن هذا الجدار قد وقع وتحطم في عام 73 .. وعندما راح السادات يتحدث عن الأراضي العربية المحتلة قال ودعوني أقول لكم بلا أدنى تردد انني لم أجئ إليكم تحت هذه القبة لكي أتقدم برجاء أن تجلوا قواتكم من الأرض المحتلة إن الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة بعد 67 أمر بديهي لا نقبل فيه الجدل ولا رجاء فيه لأحد أو من أحد .. إذ لا معنى لأي حديث عن السلام الدائم والعادل ولا معنى لأي خطوة لضمان حياتنا معاً في هذه المنطقة من العالم في أمن وأمان وأنتم تحتلون أرضاً عربية بالقوة المسلحة فليس هناك أبداً سلام يستقيم أو يبنى مع احتلال أرض الغير .. نعم هذه بديهية لا تقبل الجدل والنقاش إذا خلصت النوايا .
وقال السادات أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فليس هناك من ينكر أنها جوهر المشكلة كلها .. إن قضية شعب فلسطين وحقوقه المشروعة لم تعد اليوم موضع تجاهل أو إنكار من أحد .. وحتى الولايات المتحدة الأمريكية “حليفكم الأول” والتي قدمت وتقدم إلى إسرائيل كل عون معنوي ومادي وعسكري أقول اختارت أن تواجه الحقيقة والواقع وأن تعترف أن الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وأن المشكلة الفلسطينية هي قلب الصراع وجوهره .. وطالما بقيت القضية الفلسطينية معلقة فأن النزاع سيتصاعد ويتزايد ليبلغ أبعاداً جديدة وبكل الصدق أقول لكم إن السلام لا يمكن أن يتحقق بغير فلسطين .
ان زيارة الرئيس السادات إلى إسرائيل وإلقاؤه خطاباً أمام الكنيست كان ذلك بمثابة المحرك الذي دفع إلى توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979 .. كانت مبادارة السلام التي تم طرحها في ذلك الوقت تقوم على عدد من المحاور أبرزها إنهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية التي تم احتلالها في عام 1967 .. كما ركزت المبادرة أيضاً على الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير بما في ذلك حقه في إقامة دولته .
بموجب معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل تم الاتفاق على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء وفق جدول زمني تقوم خلاله إسرائيل بسحب قواتها المحتلة من سيناء على عدة مراحل .. المرحلة الأولى شملت انسحاب اسرائيل من خط العريش – راس محمد .. والمرحلة الثانية شملت الانسحاب من أبو زنيمه حتى أبو خربة .. ثم بعد ذلك انسحبت إسرائيل من منطقة سانت كاترين .. ووادي الطور .. كل هذه المراحل تمت في عام 1979 .. أما المرحلة الأخيرة للانسحاب فكانت في الخامس والعشرين من أبريل عام 1982 عندما أتمت إسرائيل انسحابها من شرم الشيخ في جنوب سيناء ورفح وشمال سيناء .
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏
في الوقت الذي أخذت فيه مصر تحتفل بمشهد انسحاب الاحتلال الاسرائيلي من سيناء كان الوضع هناك في تل أبيب شيئاً آخر .. إسرائيل قيادة سياسية وعسكرية جنود مواطنين نزل المشهد عليهم مثل الصاعقة هكذا رصدت وسجلت أوراق التاريخ .. حيث تقول الأوراق إن خروج الإسرائيليين من سيناء لم يكن بالشيء الهين عليهم .. وقد وردت عدة عبارات على لسان عدد من القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين تشير وضوح كيف كانت تنظر إسرائيل إلى سيناء وعملية الانسحاب منها فها هو أرثيل شارون أبرز القادة العسكريين التاريخيين لإسرائيل يقول تعليقاً على انسحاب إسرائيل من سيناء وكان ذلك عند خروج جنود الاحتلال من شرم الشيخ .. إننا نسلم شرم الشيخ رغم الألم والأسف الذي يشعر به الكثير منا .. ولكن دعونا ننسحب وكلنا أمل في علاقات طيبة سلمية مع جيراننا في الجنوب .. كما تروي أوراق التاريخ أيضاً أن موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلي خلال حرب السادس من أكتوبر قال تعليقاً على انسحاب إسرائيل من شرم الشيخ .. وكان ذلك أثناء المفاوضات المصرية – الإسرائيلية .. قال موشيه ديان رافضاً الانسحاب إن وجودنا في شرم الشيخ بدون سلام أفضل من سلام بدون شرم الشيخ .. وقال ديان ذلك خلال المفاوضات ..لكن قادة إسرائيل لم يستمعوا لكلام ديان وفضلوا الانسحاب .
إذا كان ما قاله شارون وديان يشير إلى موقف “شريحة” من قادة إسرائيل في ذلك الوقت من انسحاب إسرائيل من سيناء .. فإن هناك مشاهد آخري وقعت تعبر عن موقف “المواطن الإسرائيلي” من الانسحاب من سيناء خاصة أولئك الذين استوطنوا بعض الماكن في شرم الشيخ ورفح .

ليس أدق وأوضح من ذلك المشهد الذي دارت أحداثه داخل مستعمرة ” ياميت ” في الحادي والعشرين من أبريل عام 1982 .. ومستعمرة ياميت هذه قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي ببنائها في شمال سيناء على ساحل البحر المتوسط وقامت بتوطين الاسرائيليين فيها خلال الاحتلال .. ووفق ما ورد في أوراق التاريخ فإن إسرائيل كانت قد وضعت خطة بعيدة المدى لجعل “ياميت” واحدة من أشهر المدن الإسرائيلية بعد تل أبيب وحيفا .. :أ، /، بين بنود تلك الخطة توطين ما يقرب من ربع المليون إسرائيلي في “ياميت” .
في الحادي والعشرين من أبريل لعام 1982 عندما بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي في إخلاء “ياميت” وإجلاء المستوطنين الاسرائيليين منها .. وقعت مواجهات عنيفة بين القوات الإسرائيلية وبين المستوطنين الذي كان بينهم عدد ليس بقليل من الحاخامات رفض هؤلاء المستوطنون الخروج من ياميت لدرجة أن بعضاً منهم هدد بالانتحار إذا تم إجبارهم على الخروج .. حاول هؤلاء بطرق شتى لكنهم في النهاية خرجوا .. خرجوا ورفرف علم مصر على سيناء معلناً نهاية احتلال اسرائيلي استم خمسة عشر عاماً .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى