عاجلمفالات واراء حرة

"الأطفال الهاربون" بقلم الأديبة ملكة محمد أكجيل

الأطفال الهاربون
الأديبة :ملكة محمد أكجيل
كثيرا مانسمع عبر وسائل الإعلام او مواقع التواصل الإجتماعي عن حالات هروب قاصرين من الجنسين من بيت العائلة و أحيانا نصدم بالحالة في أسر من معارفنا .
يصطلح إسم “هارب” من بيت العائلة على القاصرين بمعنى أخر على كل طفل لم يتجاوز السن التعسفي و لازال تحت وصاية و مسؤولية ذويه أو وصي شرعي .
هذه المسؤولية تشمل حقه في الرعاية و الصحة و التعليم و الإيواء و التغدية لحين بلوغ سن الرشد و أحيانا لغاية إتمام دراسته .
في الدول العربية حالات هروب الفتيات و الفتيان القاصرين من بيت العائلة تعتبر عار يلحق بكل أفراد الأسرة
نظرا لمفهوم الأسرة في هذه المجتمعات تحت ظل الإسلام الذي يجبر الراعي على رعاية أسرته و الذي يقترن أيضا بمفهوم الشرف العائلي و التقاليد .
فبمجرد خروج القاصر من مقر الأسرة إلى وجهة غير معروفة و لمدة تتعدى 24 ساعة و بدون مرافق أو وصي تعتبر حالة هروب هاته ؛ وضع شاذ يدق ناقوس الخطر و أن هناك سلوك غير سوي دفعت به إلى رمي نفسه إلى المجهول .
فلماذا يهرب القاصر من بيت الأسرة ؟
ما الذي يدفعه إلى القيام بهذه الخطوة الخطيرة و الجريئة التي تخيف حتى البالغين ؟
تساؤلات عديدة حول هذه الحالة وحول دوافعها أغلب الأطفال كان ردهم قسوة الأهل هي السبب،وأنهم يتعرضون لتعنيف لفظي و إعتداءات جسدية لايستطعون الإستمرار في تحملها ؛ هذا العنف يكون غالبا مصدره الأب أو زوجة الأب و أحيانا الأم أو الأخ الأكبر .
أحد الأطفال رد : “اخي يعيل اسرتنا ودائما يضربني و يهددني بالطرد أمام أبي لكن أبي لايهتم للأمر و أمي تقول لي إصبر حتى تكبر ”
الجانب الإقتصادي له أيضا نصيب في هذا التشرد الإختياري فعدة أسر فقيرة لاتعرف أن تقدم أدنى رعاية للطفل فتطلب منه العمل و تحمل العنف في الشارع و الأسواق بل يصبحون عرضة للإغتصاب فيتولد لديهم سخط على العائلة التي لم تحميهم بالتالي يفضلون الهروب . علاقة الإرتباط العائلي تنتهي بإنتهاء الكفالة و الرعاية لدى القاصر ؛ يتكون لديه إحساس بإستقلال أيضا و انه لم يعد في حاجة للأسرة فيتعود الغياب المتكرر ليصبح غيابا طويلا .
الأم أيضا لها هي أحد أسباب الهروب ؛ فبعضهن لايعرف التواصل العاطفي مع أبناءهن خصوصا الفتيات ؛ إحدى المراهقات ترد : ” أمي تراني عدوة لها لماذا ابقى معها ؟ فبالرغم أنني أقوم بجميع أشغال البيت منذ نعومة أظافري إلا أنها لاترتاح إلا عندما تضربني أو تهينني فدائما تتهمني أنني أحرض أبي ضدها ، هربت من البيت لأنه جحيم و لاأستطيع إخبار أبي لما أتعرض له من تعذيب منها ” .
المجتمع لايدرك الأسباب و لن يتقبلها أيضا لأنه يراها سلوك شاذ لايمكن أن يصدر من الأم ؛ فأي فتاة هربت فهي أصبحت في عداد المنحرفات أخلاقيا ؛ و بالتالي ينبذها الكل و تصبح فريسة للذئاب البشرية و الإدمان .
فبعض الأجوبة يندى لها الجبين و لايمكن أن نتقبل أنها حقيقة ؛ فعندما تجعل الأم إبنتها خادمة في البيت لتقضي أوقاتها مع الجارات أو في التسكع في المحلات ، أو ترى إبنتها المراهقة غريمة لها لأن الأب رحيم بإبنته ، فهنا ندرك أن منظومة الأسرة تفككت فعلا لدى البعض و الترابط الأسري أصبح منعدما جراء إنفصام الشخصية لدى بعض الأمهات ، ناهيك عن الوضع المادي أيضا الذي يساهم في المعضلة لدى بعض الأمهات ، اللواتي يدفعن ببناتهن للعمل في سن مبكرة .
هناك أيضا نوع من الهروب والذي تراوغ فيه بعض الأسر ؛ بل هو يحصل بتشجيع منها عبر شحن أفكار المراهق بالهجرة للأوروبا وهذا يتم بإظهار المزايا المادية للهجرة و إعطاء أمثلة بإبن الجيران الذي يشتغل هناك و بشجاعة آخر عرف كيف يعبر لجنة عدن و غيره فإذا لم ينجح المراهق في العبور تكتفي الأسرة بدموع التمساح و الولولة لدر الرماد في عيون المعارف و الأقرباء و أنها مغلوبة على أمرها أمام المراهق الجامح .
أحد الأطفال يقول ” إنها المرة الرابعة التي أهرب فيها من البيت ؛ فحقيقة أمي تعلم أنني في الشمال و تخبر أبي أني هربت لكي لايؤنبها فأنا اتصلت بها في المرات السابقة فأتت لترافقني إلى البيت لاني لم أستطيع العبور و ألقت علينا الشرطة القبض فأعطيتهم رقم أمي ؛ لن أتوقف على تكرار الأمر حتى أعبر إلى إسبانيا ”
على باب سبته شمال المغرب أطفال حتى ذوي العشر سنوات ينتظرون قوارب الموت و يستهينون بالأربعة عشر كيلومترات عرض البحر الأبيض المتوسط و كل يحمل حكاية أسرة مهملة و يحمل حلم طفولي بالعبور الغير الشرعي غذته عائلته أو أصدقاءه .
بعضهم أيضا هارب من والده المدمن الذي يعنفه دائما و بعضهم من زوجة الأب التي تهينه أو تضربه و تشتكي من سلوكه وأخرون هاربون لأنهم فشلوا في الدراسة و خائفون من ردة فعل الأسرة .
العديد من البحوث الإجتماعية تناولت الظاهرة و توضح أن السبب الرئيسي في هروب الفتيات يتمثل في انتشار العنف الجسدي و النفسي و أيضا إكتشاف علاقة غرامية للفتاة يدفعها للهروب خوفا من العقاب أو عدم وجود الأب أو الأم ،
و أحيانا بسبب كلايهما أو أحدهما.
وبالنسبة للفتيان أيضا العنف الجسدي و الخوف وعدم وجود الأب أو الأم ، وبعضهم بحثا عن المال وتحقيق الذات بتواطىء أيضا مع الأسرة ، والفشل الدراسي .
طبعا الدولة تتحمل نصيبا من المسؤولية لأنها يجب أن تع لكن القسط الوافر منها تتحمله الأسرة ؛ فهؤلاء أطفال في سن التمدرس و التكوين يحتاجون الرعاية الأسرية و يحتاجون أكثر للحب و ليسوا حاملي شواهد و لا يد عاملة تعاني من البطالة فحتى تشغيلهم يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون .
الأسرة مذنبة بعدم القيام بواجبها و أيضا بعدم تفهم مشكلات الأبناء النفسية التي هي طبيعية في هذه المرحلة العمرية الحساسة .
هؤلاء أطفال ضحية إرتكاب خطأ الهروب لكن أخطاء الأسرة أكبر . الثابت أن الوعي المجتمعي العربي لا يتقبل فكرة هروب الأطفال و خصوصا الفتاة من بيت عائلتها. كما يلومهم عليها دون البحث في الأسباب ،
وذلك لكونه يحكم على هذه الخطوة من منظور أخلاقي ولا يستسيغ التمرد على الثوابت والتقاليد وعلى السلطة الأبوية، فمهما كانت المبررات لا يراها تشفع لخروج القاصر عن حكم أسرته وإقدامه على العيش بمفرده لكن نحن بحاجة أكثر لتربية أسرية و لأسس تربوية و قوانين ردعية تحمي أطفالنا من الشتات الأسري و بالتالي من هكذا تمرد .
لا يتوفر وصف للصورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى