الدين والحياة

متى يؤمر الصبي بالصيام؟ ودور أولياء الأمور في تشجيع أولادهم.

متى يؤمر الصبي بالصيام؟ ودور أولياء الأمور في تشجيع أولادهم.
بقلم / محمد سعيد أبوالنصر 
متى يطالب غير البالغ بالصيام؟ أو متى يؤمر الصبي بالصيام؟ وما السن الذي يجب على الأطفال الصيام فيه ؟ وهل ذكر العلماء وقتا يؤمر فيه الصبي بالصيام ؟وكيف نشجع أبناءنا على الصيام ؟
البلوغ شرط من شروط إيجاب الصيام فلا يطالب غير البالغ بالصيام حتى يبلغ ، لأنه غير مكلف، وقد رفع القلم عنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ : عَنْ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يفِيقَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ” ورفع القلم: كناية عن سقوط التكليف، وَلاَ تَكْلِيفَ إِلاَّ بِهِ، لأنَّ الْغَرَضَ مِنَ التَّكْلِيفِ هُوَ الاِمْتِثَال، وَذَلِكَ بِالإْدْرَاكِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْل – كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الأْصُول – وَالصِّبَا وَالطُّفُولَةُ عَجْزٌ.
ومعنى (يحتلم): أي يبلغ الحلم وهذا بالنسبة للغلام الذي يعرف بلوغه بالاحتلام ونحوه من العلامات الطبيعية التي تدل على أنه تجاوز مرحلة الطفولة، ودخل في طور آخر. وأما الفتاة، فيعرف بلوغها بالحيض، الذي يؤهلها لحياة الزوجية والأمومة. وأما البلوغ بالسن، فهو خمسة عشر عامًا. فمن تأخر عنده الاحتلام، أو تأخر عندها الحيض، فبلوغه يكون بالسن.
السن الذي يبدأ الوالدان بتعويد الأطفال على الصيام .
والسن الذي يبدأ الوالدان بتعليم أولادهما الصيام فيه هو سن الإطاقة للصيام ، وهو يختلف باختلاف بنية الولد ، وقد حدَّه بعض العلماء بعشر، وبعضهم بسبع سنين ،واختلف أصحاب الشافعي في تحديد السن التي يؤمر الصبي عندها بالصيام؛ فقيل: سبع سنين. وقيل: عشر. وبه قال أحمد. وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعا لا يضعف فيهن، حُمل على الصوم. وذكر الهادي في (الأحكام) أنه يجب على الصبي الصوم بالإطاقة لصيام ثلاثة أيام. واحتج على ذلك بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام الشهر كله”، وهذا الحديث ذكره السيوطي في (الجامع الصغير) وقال: أخرجه الْمُرْهِبي عن ابن عباس. ولفظه: “تجب الصلاة على الغلام إذا عقل، والصوم إذا أطاق، والحدود والشهادة إذا احتلم”، وقد حمل المرتضى كلام الهادي على لزوم التأديب. وحمله السادة الهاديون على أنه يؤمر بذلك؛ تعويدا وتمرينا. انتهى ملخصا،
وقال النووي في المجموع: قال المصنف والأصحاب: وإذا أطاق الصوم وجب على الولي أن يأمره به لسبع سنين بشرط أن يكون مميزا ويضربه على تركه لعشر، لما ذكره المصنف. انتهى.
وقال الخرقي :” وإذا كان الغلام عشر سنين ، وأطاق الصيام أُخِذَ به ” .
قال ابن قدامة :” يعني : أنه يُلزم الصيام ، يؤمر به ، ويضرب على تركه ، ليتمرن عليه ويتعوده ، كما يُلزم بالصلاة ويؤمر بها ، وممن ذهب إلى أنه يؤمر بالصيام إذا أطاقه : عطاء والحسن وابن سيرين والزهري وقتادة والشافعي .
وقال الأوزاعي : إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعا لا يخور فيهن ولا يضعف حُمِّلَ صومَ شهر رمضان ، وقال إسحاق : إذا بلغ ثنتي عشرة أحب أن يكلف الصوم للعادة .
واعتباره بالعشر أولى ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالضرب على الصلاة عندها ، واعتبار الصوم بالصلاة أحسن لقرب إحداهما من الأخرى ، واجتماعهما في أنهما عبادتان بدنيتان من أركان الإسلام ، إلا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة ، لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيقه ”
وإذا كان الحديث الوارد في شأن الصلاة، فهو ينطبق على الصيام أيضًا بفارق واحد، وهو مراعاة القدرة البدنية للصبي والصبية، فقد يبلغ السابعة أو العاشرة، ولكن جسمه ضعيف، لا يحتمل الصيام، فيمهل حتى يشتد عوده ويقوى. وقد كان الصحابة يصومون صبيانهم وهم صغار، حتى كانوا يأتون لهم باللعب من العهن (أي الصوف) يلهونهم بها حتى يأتي وقت الإفطار.
وقد كان هذا هو هدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع أولادهم ، يأمرون من يطيق منهم بالصيام فإذا بكى أحدهم من الجوع دُفع إليه اللعب يتلهى بها ، ولا يجوز الإصرار عليهم بالصيام إذا كان يضرهم بسبب ضعف بنيتهم أو مرضهم .وقال الشيخ ابن عثيمين :” والصغير لا يلزمه الصوم حتى يبلغ ، ولكن يؤمر به متى أطاقه ليتمرن عليه ويعتاده ، فيسهل عليه بعد البلوغ ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم – وهم خير هذه الأمة – يصوِّمون أولادهم وهم صغار ” انتهى . “وسئل الشيخ رحمه الله تعالى :طفلي الصغير يصر على صيام رمضان رغم أن الصيام يضره لصغر سنه واعتلال صحته ، فهل أستخدم معه القسوة ليفطر ؟ فأجاب :” إذا كان صغيراً لم يبلغ فإنه لا يلزمه الصوم ، ولكن إذا كان يستطيعه دون مشقة فإنه يؤمر به ، وكان الصحابة رضي الله عنهم يُصوِّمون أولادهم ، حتى إن الصغير منهم ليبكي فيعطونه اللعب يتلهى بها ، ولكن إذا ثبت أن هذا يضره فإنه يمنع منه ، وإذا كان الله سبحانه وتعالى منعنا من إعطاء الصغار أموالهم خوفاً من الإفساد بها ، فإن خوف إضرار الأبدان من باب أولى أن نمنعهم منه ، ولكن المنع يكون بغير طريق القسوة ، فإنها لا تنبغي في معاملة الأولاد عند تربيتهم ”
تدريب الناشئة على الصيام
هل يترك الصبي والصبية ولا يطالبان بالصوم إلا بعد بلوغ سن التكليف؟.
لا.. فإن تعاليم الشرع تأمر بتدريب هؤلاء الناشئة على أداء الفرائض ابتداء من استكمال السابعة من العمر.
وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ – كَالصَّلاَةِ – إِنْ أَطَاقَهُ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهِ لِعَشْرٍ
واستدلوا على هذ بما جاء في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شأن الصلاة: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر”
وفي حديث آخر: “علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر” وذلك أن الخير عادة، والشر عادة، والمرء يشيب على ما شب عليه، والتربية في الصغر كالنقش على الحجر، والشاعر يقول:. وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه.والحديث هنا جعل للتعلم والتأديب مرحلتين:
مرحلة الأمر والتعليم والترغيب، وذلك بعد السابعة.
ومرحلة الضرب والتأديب والترهيب، وذلك بعد العاشرة.
أي أن الضرب لم يشرع إلا بعد إعطاء الابن فرصة ثلاث سنوات يدعى ويرغب ويثاب. وبعدها يكون الحزم والشدة والعقاب المناسب طبعًا، إشعارًا بالجدية وأن الأمر موضع اهتمام الأب، وليس مجرد كلمة تقال، وليس بعدها حساب ولا ثواب ولا عقاب. والضرب هنا وسيلة تمليها الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يكون بسوط ولا بخشبة، يؤلم ولا يجرح، وخيار الآباء لا يحتاجون إلى ضرب أولادهم، بل يربون بالأسوة والكلمة والموعظة الحسنة، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لم يضرب بيده شيئًا قط، لا امرأة، ولا خادمًا ولا ولدًا، ولا حتى دابة. “وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَمْرُهُ بِالصَّوْمِ إِذَا أَطَاقَهُ، وَضَرْبُهُ حِينَئِذٍ إِذَا تَرَكَهُ لِيَعْتَادَهُ، كَالصَّلاَةِ، إِلاَّ أَنَّ الصَّوْمَ أَشَقُّ، فَاعْتُبِرَتْ لَهُ الطَّاقَةُ، لأنَّهُ قَدْ يُطِيقُ الصَّلاَةَ مَنْ لاَ يُطِيقُ الصَّوْمَ ”
كيف نشجع أولادنا على الصيام ؟
يمكن للوالدين تشجيع أولادهم على الصيام بإعطائهم هدية في كل يوم ، أو بتذكية روح المنافسة بينهم وبين أقرانهم أو من هو دون سنهم ، وكذلك يمكن تشجيعهم بمكافأتهم على ذلك ، سواء كانت المكافأة بالثناء عليهم ومدحهم ، أو بإخراجهم للتنزه أحياناً ، أو شراء ما يحبون ….. ونحو ذلك . ويمكن لولى الأمر من باب تعويد الأطفال على الصيام بالتدرج أن يصومهم ربع يوم ،ثم نصف يوم ،ثم ثلثي يوم ، وإن كان هذا كله لا يُسمى صيام في الشرع ،لأن الصيام ” الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ومع ذلك فلا حرج على الصبي في هذا الفعل من باب التدريب له على الصوم، فبما أن الصوم ليس واجبا عليه، فلا حرج في أن يصوم من اليوم ما أراد ويفطر منه متى أراد،” حتى يعود على صيام يوم كامل .”وليس من المطلوب أن يصوم الشهر مرة واحدة، فليس هذا بمقدور، ولا منطقي، وإنما يصوم في أول سنة يومين أو ثلاثة مثلا، والتي بعدها يصوم أسبوعًا ثم أسبوعين، حتى يمكنه بعد ذلك صوم الشهر كله بهذا التدرج. ومن الخطأ الذي يتحمل تبعته الآباء، والأمهات، إهمال الصغار حتى يبلغوا دون أن يدربوا على أداء الفرائض والطاعات. فإذا أمروا بها بعد البلوغ كانت أثقل من الجبال على كواهلهم. وما أصدق ما قال الشاعر:
وينفع الأدب الأولاد في صغر وليس ينفع عند الشيبة الأدب!
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولن تلين إذا قومتها الخشب
دور ولى الأمر
هؤلاء الأطفال أمانة في أيدي ولي أمرهم، يجب عليه تعليمهم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ويجنبهم ما يضرهم من أمور دينهم ودنياهم.قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} سورة التحريم: الآية :6] ، وقال صلى الله عليه وسلم: “ألا كلكم راع،وكلكم مسئول عن رعيته”، وفيه: “والرجل راع على أهل بيته،ومسئول عن رعيته. والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسئولة عنهم” رواه البخاري ومسلم فعلى ولى الأمر أن يعلمهم الصوم وأحكامه قال في (الإقناع) و(شرحه): ويصح الصوم من مميز، كصلاته. ويجب على وليه -أي: المميز- أمرُه به إذا أطاقه، وضَرْبُه حينئذ عليه -أي: الصوم- إذا تركه؛ ليعتاده كالصلاة؛ إلا أن الصوم أشق، فاعتبرت له الطاقة؛ لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصوم. والثواب للصبي إذا صام. وكذا جميع أعمال البر التي يعملها. فإن ثوابها له، كما ورد بذلك الحديث الصريح في الحج. فهو في هذه السن تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات انتهى ملخصا لحديث ابن عباس في احتساب الأجر للصبي إذا حج، وفيه أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: “نعم، ولك أجر”.
وقال المجد بن تيمية في (منتقى الأخبار) وشرحه (نيل الأوطار) للشوكاني. باب: الصبي يصوم إذا أطاق: عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: “من كان أصبح صائما فليتمَّ صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه”، فكنا بعد ذلك نصومه ونصوّمه صبياننا الصغار منهم. ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العِهْنِ. فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناها إياه، حتى يكون عند الإفطار (أخرجاه)
تقصير بعض الآباء
وللأسف يوجد تقصير عظيم من بعض الآباء والأمهات تجاه أولادهم في هذا التشجيع ، بل تجد في بعض الأحيان الصد عن هذه العبادات ، ويظن بعض هؤلاء الآباء والأمهات أن الرحمة والشفقة تقتضي عدم تصويمهم أو عدم قيام أبنائهم للصلاة ، وهذا خطأ محض من حيث الشرع ، ومن حيث التربية .
والرحمة بالصبيان تقتضي : أمرهم بشرائع الإسلام وتعويدهم عليها وتأليفهم لها . فإن هذا بلا شك من حسن التربية وتمام الرعاية .فعلى ولى الأمر أن يأمر ابنه ” بالصيام إذا بلغ حدّاً يطيق الصيام فيه ؛ لأن ذلك من تأديبه وتمرينه على فعل أركان الإسلام ، ونرى بعض الناس ربما يترك أولاده فلا يأمرهم بصلاة ولا صوم وهذا غلط ، فإنه مسؤول عن ذلك بين يدي الله تبارك وتعالى ، وهم يزعمون أنهم لا يُصَوِّمون أولادهم شفقة عليهم ورحمة بهم ، والحقيقة أن الشفيق على أولاده والراحم لهم هو من يمرنهم على خصال الخير وفعل البر ، لا من يترك تأديبهم وتربيتهم تربية نافعة ” ونسأل الله تعالى أن يعيننا على تربية أولادنا ، وعلى تحببيهم في العبادة ، وأن يوفقنا لأداء ما أوجب علينا تجاههم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى