مفالات واراء حرة

لماذا التراث ؟!

بقلم د/ شيرين العدوي
احتفلنا منذ أيام بذكرى رحيل نجيب محفوظ في 8/30 2006، وانبرت الأقلام تكتب وتشيد وتمدح واستوقفني الحدث لماذا ذكرى الرحيل لا الميلاد؟ وأعتقد لأن الرحيل هو الخلود عند قدماء المصريين والانتقال للحياة الأبدية، وقد كان لي مع طلابي – على الجانب الآخر- شأن مختلف بالنسبة لتلك الذكرى الأبدية؛ فقد أشدت بأدب نجيب محفوظ أثناء المحاضرة ذاكرة أنه الأديب العربي الوحيد الحاصل على جائزة “نوبل”، ثم تركت لهم المجال مفتوحا للبحث عنه دون ذكر معلومة واحدة وطلبت منهم اختيار شيء من أدبه لتحليله، والمفاجأة وأنا أقرأ تحليلا لإحدى طالباتي -وكنت قد أخطأت بقصد فأبدلت سنة الرحيل مكان سنة الميلاد- لأختبر يقظة طلابي أثناء المحاضرة؛ فإذا بطالبتى المجتهدة جدا “غدير محمد” تصحح المعلومة قائلة: إنه تاريخ لشخصية عظيمة لا يجب أن نخطئ فيه أبدا. كم كانت سعادتي بالغة حتى دمعت عيني؛إذ استطعت أن أغرس فيهم هذه القيمة. وسواء اتفقنا أو اختلفنا حول مصداقية جائزة نوبل فإنها حلم كل الأدباء في العالم. والدولة التي تحملها يشار إلى أدبائها بالبنان، وينكب العالم يدرس ويحلل ظواهرها الأدبية، ويتحول كل شيء خاص بالأديب الحاصل عليها إلى مزار سياحي.

أذكر هذه الواقعة وفي أذني كلمات فخامة الرئيس وهو يعلن عن “الجمهورية الجديدة”. ففي الجمهورية الجديدة المجد للتاريخ والقيم في ظل المستقبل المنشود الذي يعمل من أجله على قدم وساق حماه الله ورعاه؛ لكنى في نفس لحظة النشوة انتابنى حزن عميق على تاريخ مصر الذي عبثت به يد ثورة يناير كمبنى “ماسبيرو” مثلا الذي يعتبر رمزا لتاريخ مصر وعينها وقلبها، كذلك لتحرر ها من قبضة الملكية والاحتلال بعد ثورة ٥٢ سمعنا من خلاله انتصارات مصر وفرحها وبث فينا روح الوطنية والعمل والتغيير ، وكازينو “قصر النيل” الذي كان يتخذه نجيب محفوظ مكانا لصالونه والذي ضم بين جنباته حرافيش الأدب والفكر. قادتني قدماي إلى هناك لألتقي برمز من رموز مصر الإعلامية ا/ “محمود سعد” الذي مازال قابضا على جمرة القيم الإعلامية في عصر الرقمنة الشيطاني، مكرما “أمي” التي تحدت الأمراض والحزن

وأكملت تعليمها في سن 68 عاما حتى وصلت لدرجة الماجستير الآن وسنها 80 عاما ومازلت مصرة على الاستكمال إلى الدكتوراه متبنية رسالة الزعيم مصطفى كامل ” لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة” كان ا/ محمود سعد يمضي على كوبري قصر النيل ساردا قصص العشاق واقفا أمام “عم خالد” صاحب ركن الكتب الذي يضع كتبه أمام “الكازينو” ذاكرا أدباءنا العظام والفنانين من أمثال: نجيب محفوظ، وأنيس منصور، وفرج فوده، والفنان أحمد مظهر وغيرهم. جلست معه قبل التصوير نتحدث عن نجيب محفوظ ومقهى الحرافيش ورواده، وابن الفارض، والنفري. كان حديثه يقطر ألما وحزنا على المكان، وأنا أتحرق شوقا لدخول الكازينو الذي كان مجلسي المفضل مع أبي في كل سنوات عمري وبعد رحيله؛ لأجده خاويا على عروشه تعيث فيه القطط ويعلوه الصدأ والتراب. تحجرت دموعي وأنا أبكي تاريخ مصر ففي الدول الكبري ندخل إلى المقاهي والشوارع ومنازل الكتاب كأننا ندخل محاريب الصلاة. تحاط أماكنها بسياجات ليحافظ السائحون على التاريخ ويتهجوا مفردات حضارة المكان. فهل بهذا الإهمال نكرم نجيب محفوظ أم نعاقبه؟! أعلم أن الرئيس لن يقبل بهذا لأن التاريخ جزء منه كما هو جزء منا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى