مفالات واراء حرة

لعنة الشرق (2) بقلم هدى غازى

لعنة الشرق (2)

‎“ ولي العهد ” كم أصبح الكون ضيقا وعاجزا عن احتواء أحزان الناس حتى الفجر أصبح يحبو خجولا بما قد يحمله نهاره من مفاجآت مثقلة بالخيبات صلاة المؤمنين تحتضن ساعاته الاولى وقرقعة بطون الفقراء توقظ الدمع في عيون المشردين ، من يأخذ بأيدي المعذبات في غابات الحياة وأسودها التهمت جسد الضمير

قد أحمّل الجهل مسؤولية ما سأسرده ولكن التقاليد البالية لها الأثر الأكبر في أحداث هذه القصة ، تزوج سمير بإبنة عمه ليلى زواجاً تقليدياً ختمه الآباء ورسم لهما قدرهما منذ فجر طفولتهما، صفقة عائلية أبرمت فوق جثث المشاعر ، كانا في مقتبل صباهما فسمير لم يتخط الثامنة عشر من عمره وليلى أكملت الخامسة عشر عند الزواج ،

سلكا دربا متعرجا عبّدته لهما العائلة باسمنت المحرمات والنصيب ، بحزن هادىء اكملا حياتهما ورزقا بأول مولود بعد مرور عام على ارتباطهما وكانت فتاة ، سميت على اسم والدته كيف لا وهما لا يتقنان فن التمرد فهو عيب بمنظار السلطة التشريعية التقليدية ، تسلط المحيط والثرثرات اليومية لم تدعهما ينعمان بالسلام

فأصبح الاهل يطالبون باستعجال المولود الثاني وكانت بداية استمرت لأعوام ، أنجبت ليلى طفلة تلو الاخرى ومع كل ولادة دمعة ظاهرة وابتسامة غائرة كان الصقيع يزداد في أطراف وجودها فتشعر بالبتر المتربص في اكتفاء رغبتهم ، تملكتها آلام خرساء ولم يساعدها سمير على تضميد جراح أجنحتها المتكسرة فبات نسخة عن أبيه ينتظر بفارغ الصبر أن يرزق “بالولد”

وما ادراك ما الولد في شرق يفضل إنجاب الذكور على الاناث لضمان الجاه والمال ولحمل أسماء الأباء ، بنية الأسرة السليمة بمنظور الرجعية لا تكتمل الا بإنجاب الذكور حتى وان ادى ذلك إلى تشتيت الاسرة او الى الاقدام على الاقتران باخريات ، ذلك التمييز الذي توارثته الشعوب العربية لقرون كان السبب في حرمان ليلى من حياة طبيعية او استراحة جسدية

فالهدف المنشود ما زال مفقودا .. تموت لتحيا العادات رغم إيمانهم بالقضاء والقدر الا أن ظلمات النفوس لا ترحم ، وبقيت عالقة بين يدي القدر ولعنة صون الإرث ، لم تكتحل عيناها بطفولة بناتها الخمس اللواتي نضجن في رماد القهر فقد تجرعت التيه ولم تسلم من أفواه اللوم

وكأنها ارتكبت ذنوب الكون أجمعها حتى ولادتها السادسة حيث استجاب الخالق لتضرعها الرقراق فأنجبت “ولي العهد ” وروت عطش الفضوليين ، مهلا لم تنته القصة فقد كانت جزءا من مقبلات غول الجهل الذي افترس الوعي والحكمة والعدالة في نفوس الكثير من البشر ، ” أوصاكم الله بالعدل والإحسان في معاملة الأبناء ،

أوصاكم ببث نور المحبة بين أفراد الأسرة فعندما تركنون معاملتهم على رفوف مختلفة بارتفاعات متفاوتة تذكروا بأنكم تشبعون شقوق خواطرهم ببارود القهر الذي يشتعل تدريجيا في نفوسهم حتى الانفجار ..

تدلل ولي العهد على حساب اخواته المظلومات فلم يرفض له طلب ،وكان الأمير الصغير الذي كبر على كفوف الراحة يشعر بأفضليته على اللواتي حرمن من حقهن بتعليم منصف ويمارس صلاحياته التي اعطيت له من قبل من رضع حليب التفرقة في طفولته واستلذ بنكهة رجولته المستبدة المتوارثة أبا عن جد ….

تمرد “حامل لواء والديه إلى الجنة” على عائلته وخيب آمالهم وكاد بأفعاله يهدي الموت لمن آمن بعقيدة ” مين خلف ولد ما مات ” كانت برودة حنانه تصفع وجه والدته حتى كسد ايمانها باسطورة السند ، هاجر إلى امريكا وأضرم النار في صبر سمير الذي تدهورت صحته ورحل بدوره الى ديار الحق على أثر ذبحة قلبية ،

فعاشت العائلة المفجوعة والمثقلة بآثام إبنها كابوسا مزعجا سرق الفرح من ثغر جلساتهم وعلّق الرحيل على شماعة الغياب المبهم الشعور بالفقدان جعل العمر خافتا في قنديل ليلى فغرقت في حزنها الصاخب وازدحمت ايامها بالاوجاع التي نهشت جسدها النحيل، تغلفت أمومتها بالعذاب ومصل الصبر لم ينعش أوردتها رغم فيض الاهتمام من بناتها الخمس ،

تنفست الذنب الذي ارتكبه سمير قبل وفاته سماً فقد حرمهن من حقهن الشرعي في الميراث وسجل كل ممتلكاته بإسم ولده العاق الذي زار والدته مؤخرا وهي على فراش الموت زيارة الغرباء ، كانت الابادة النفسية محكمة لعائلة بترت أصابع إتهاماتها قبل الإشارة الى الجناة، والد أخرج سوطه من جارور التقاليد وجلد به سباياه اللواتي

وقعن ضحية الإجرام، ووالدة حملت في خزائن قلبها شجنا رخاميا لم يعبث بصلابته الزمان ورافقها متواريا إلى مثواها الأخير ، وبنات بعمر الورد عانقن الدهر بهمومه ووساوسه ومضغن المر على مر السنين وسكبن ملح الحياة في سواقيها الجارية،

الحرة حصنتها قوّتها والمقموعة تسترت خلف عباءة القرارات التي حددت مصيرها وجعلتها كدمية مركونة على رفوف الانتظار، وإبن جاحد لم يدرك البِر فكسر يده مخافة أن يمدها لوالديه،

وبالرغم من أن حالة عقوقه لم تكن نادرة إلا أنها كانت الأفظع لهول ما أقدم عليه بعد وفاة والدته حيث باع كل شيء حتى منزل العائلة بعد أن طرد أخواته منه دون أن يرف له جفن، تبخر الشرف من عروقه فسلخ جلد ذويه وخرج منتصرا لجهله وأنانيته ،

فصل من فصول العقوق التي هزت عرش الرحمن وليس سردا خياليا وإن فر العاق من عدالة الأرض لن ترحمه عدالة السماء .. نعم التخلّف أشعل نيران التوحش وعذرا فحرفي مرآة لا تعرف الممنوع . يتبع …..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى