مفالات واراء حرة

“لبنان بين مفترق الأزمات “. بقلم د.هدى ياسين

لبنان بين مفترق الأزمات.

بقلم د.هدى ياسين

 

تدخل الـ2021 على اللبنانيين من باب التأزم العريض، محمّلة بأثقال وأهوال لا تُعدّ ولا تُحصى، لتسلك مسالك سوداوية مرعبة تبدو فيها الآفاق مسدودة، صحياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً. فعلى المستوى الصحي، فيروس كورونا الذي حل ضيفاً ثقيلاً على المستويات كافة تشتد وطأة انتشاره في لبنان

حيث تجاوز عدد المصابين عتبة الـ4000 إصابة يومياً، وهي نسبة مرتفعة بالمعيار العالمي قياساً على التعداد السكاني للدول. وأصبح الاقتصاد اللبناني أمام تحد حقيقي جديد، لا سيما أمام مدى استطاعة احتوائه، ليفاقم الأوضاع الاقتصادية للبلد ويحدث تغييرات جوهرية في جميع مرافق الحياة، وغياب التفاعل الإيجابي مع هذا الواقع المعقّد.

أما على مستوى أبعاد الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية، فلا يشي إنعدام الحسّ بالمسؤولية لدى الطبقة الحاكمة سوى بمزيد من التعقيد والتأزم في أحوال البلد. أدى إلى تدهور غير مسبوق في قيمة العملة المحلية ما انعكس على مختلف القطاعات،

وسط أزمة سيولة حادة وشح الدولار الذي يحلق إرتفاعاً ليلامس سعر صرفه في السوق السوداء عتبة 9 آلاف، ولم تنجح إجراءات البنك المركزي في لبنان، لاحتواء تدهور سعر صرف العملة، ووجد عشرات الآلاف من اللبنانيين أنفسهم خلال الأشهر الأخيرة، يخسرون وظائفهم أو جزءاً من رواتبهم، ما رفع معدل البطالة بحسب إحصاءات رسمية إلى أكثر من 35 بالمئة. وأدى إلى موجة غلاء غير مسبوقة في الأسواق التجارية والارتفاع الجنوني في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية.

فيما أموال المواطنين والتجار محجوزة لدى المصارف. فيما يقع لبنان تحت عبء الدين العام الذي يناهز 92 مليار دولار ما يعادل نحو 170 بالمئة من قيمة الناتج الإجمالي المحلي. ويحتاج البلد إلى الحصول على دعم خارجي بأكثر من 20 مليار دولار، بينها 11 مليار أقرّها مؤتمر “سيدر” الذي عُقد في باريس في 2018. فيما يؤكد بعض المحللون الاقتصاديون إن 90% من اللبنانيين متجهين بخطى سريعة نحو فقر وجوع مؤكد،

وصرح مؤخراً المدير الاقليمي للبنك الدولي والشرق الاوسط “ساروج كومار جاه”، وفريق مجموعة البنك الدولي تخوّفهم من النتائج الاقتصادية المخيفة التي قد يشهدها العام ٢٠٢١، حيث توقعوا أن تزداد نسبة الفقر في لبنان إلى ٦٠ بالمئة من السكان، منهم ٢٢ بالمئة تحت خط الفقر المدقع. حيث أن الوضع في لبنان من سيء إلى أسوأ لأن لبنان يحصد ما زرع،

منذ أوائل التسعينات بنينا إقتصاد ريع وإستيراد بدل أن نبني إقتصاد إستثمار إنتاج وتصدير وكنا دائماً نتكل على المصادر الخارجية للعملة الصعبة، نتكل على تحويلات اللبنانيين العاملين والمستثمرين خارج لبنان، نتكل على الاستثمارات الخارجية العربية خصوصاً الخليجية منها، ونتكل أيضاً على الاقتراض الخارجي المؤتمرات الدولية من أجل منح لبنان أموال كنا دائماً نعتاش على هذه المصادر ونستورد ونمضي قدماً بمسألة الريع والفوائد المرتفعة،

إضافة إلى ذلك إنعدام الثقة بالحكام والطبقة الحاكمة”. وتضيف بعض المصادر:” في قطاع الكهرباء ندفع 40 مليار دولار ولم نصل إلى الألف ميغاوات علماً أنه بثلاثة مليارات دولار نستطيع أن ننتج 4 آلاف ميغاوات”. يبدو أننا وقعنا في المحظور لا داعي لانتظار شهر أو شهرين بعد، كلّ ما في الأمر هو مجرد تدحرج لمسار دراماتيكي سيفرض نفسه على المشهد الداخلي وصولاً إلى الانفجار الكبير، أو بالاحرى التسونامي الاجتماعي الذي قد يقتلع كل شيء من حوله.

تعتبر تجربة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” مع السياسيين اللبنانيين من أسوأ التجارب التي خاضها في حياته السياسية، وهو الذي كان يستعدّ لزيارة لبنان قبل عيدي الميلاد والسنة الجديدة، لكن “كورونا” باغته وفرض عليه دخول الحجر الصحي وبالتالي فان زيارته بيروت قد تأجلت. ربما إذا سُئل الرئيس ماكرون أيهما تفضل: الإصابة بـ”كورونا” أو المجيء إلى لبنان لسماع أخبار حكامه حتى لو قرّرت عدم لقائهم؟

فسيكون الجواب حسب إحساس كثيرين إن “كورونا” أرحم من الحكّام الذين فتكوا بشعبهم أكثر من أي مرض آخر ولم يكونوا على قدر كلمتهم. وأمام الوضع الكارثي الذي يتدهور بسرعة سيبقى الوضع اللبناني معلقاً، فالشق الإقتصادي الحالي من الزيارة حصل في باريس من خلال مؤتمر الدعم الإنساني للبنان، أما بالنسبة إلى الحلّ الأكبر فهو مشروط بالإصلاح وسط غياب أي إتفاق أو تحريك المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لأن هناك موانع سياسية تمنع ذلك،

كما أن لا إمكانية للقيام بمثل هكذا خطوة في ظل عدم وجود حكومة، وبالنسبة إلى مؤتمر “سيدر” أن لا أموال من دون إجراء إصلاحات جذرية في القطاعات التي تسببت الهدر العام، وبالتالي يبقى الأثر الاكبر في إلغاء الزيارة متعلقاً بمسألة تأليف الحكومة الجديدة وسط غياب الحسّ الوطني الداخلي والحاجة إلى قوة دفع خارجية دائماً.

الحقيقة المرة التي يدركها الجميع، تتمثل في استحالة نهوض البلد أو وقف انهياره من دون حكومة مقبولة خارجياً، فيما المخرج الوحيد المتاح راهناً هو المبادرة الفرنسية على الرغم من كل الطعنات التي تعرضت لها من الجانب اللبناني، لكنها بالنتيجة هي خشبة الخلاص الوحيدة المتوفرة.

أما وقد أُرجئت الزيارة فهذا يعني أن الحلول الحكومية لا تزال بعيدة المنال. ولهذا، فإنّ حفلة التلّهي الحاصلة بشأن الأسماء والأحجام لا تراعي الظروف الاستثنائية التي تحيط بالبركان الداخلي الآخذ في الغليان. كل المؤشرات تدل على أنّ الانفجار واقع لا محال في حال رفع الدعم عن المحروقات والأدوية والسلع الضرورية،

وهذه المرة قد تكون مشهدية 17 تشرين الأول، مجرد نزهة مسلية مقارنة بما قد يحصل في الشوارع وفي المدن اللبنانية. يذهب بعض المتابعين الى الإشارة أنّ سيناريو الحكومة من اجتراح المعجزات لوقف النزيف هو احتمال صعب جداً، ومشهدية مثيرة للسخرية، لا تدلّ إلا على عمق الأزمة التي تضرب القوى السياسية، علماً أن الأزمة الشاملة في لبنان لن تكون على طاولة بايدن قبل مارس (آذار)، وإذا ما صدقت تقديرات الدبلوماسيين، فهذا يعني أن الرهان على إدارة جو بايدن لن يغيّر المسار الإنحداري.

هل من جدال بعد كل الذي سبق في العودة إلى القول المأثور ” ما أضيق العيش” في وطننا؟

الدكتورة هدى ياسين الباحثة في علم الإجتماع السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى