مفالات واراء حرة

(لا أدري )……….. الحلم والأناة والتَّوَقِّي عند الْفُتْيَا . ( 19)

(لا أدري )……….. الحلم والأناة والتَّوَقِّي عند الْفُتْيَا . ( 19)

الباحث /محمد سعيد أبوالنصر

الفتوى في الإسلام لها خطر كبير وشأن عظيم، وفضل عميم ، تحتاج إلى التثبت في الأمور ، والوقوف على الدليل ، وعدم العجلة حتى يراجع المفتي الدليل ، وكلام أهل العلم في المسألة التي ينظر فيها فالمفتي –

كما قال الإمام الشاطبي – قائم مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فهو خليفته ووارثه، و”العلماء ورثة الأنبياء” ، … وهو نائب عنه في تبليغ الأحكام، وتعليم الأنام، وإنذارهم بها لعلهم يحذرون،

وهو إلى جوار تبليغه في المنقول عن صاحب الشريعة، قائم مقامه في إنشاء الأحكام في المستنبط منها بحسب نظره واجتهاده، فهو من هذا الوجه –

كما قال الشاطبي – شارع، واجب اتباعه، والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق وكان السلف ينكرون أشد الإنكار على من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهل لها، ويعتبرون ذلك أمرا كبير ، ومنكرا عظيما يجب أن يُمنع،

وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا”

إن المفتي كما قال الإمام النووي: “موقع عن الله تعالى”، فينبغى أن يُنْتَبه إلى أنه لا يجوز لكل أحدٍ أن يتصدر لهذا المقام الرفيع بغير علمٍ ودُرْبةٍ ودرايةٍ وخبرةٍ، ومعرفةٍ بأحوال الناس وأعرافهم والظروف المحيطة بهم؛ فقد قال الإمام القرافي:

” وَعَلَى هَذَا الْقَانُونَ تُرَاعَى الْفَتَاوَى عَلَى طُولِ الْأَيَّامِ فَمَهْمَا تَجَدَّدَ فِي الْعُرْفِ اعْتَبِرْهُ وَمَهْمَا سَقَطَ أَسْقِطْهُ وَلَا تَجْمُدْ عَلَى الْمَسْطُورِ فِي الْكُتُبِ طُولَ عُمْرِك بَلْ إذَا جَاءَك رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ إقْلِيمِك يَسْتَفْتِيك لَا تَجْرِهِ عَلَى عُرْفِ بَلَدِك وَاسْأَلْهُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِهِ وَاجْرِهِ عَلَيْهِ وَأَفْتِهِ بِهِ دُونَ عُرْفِ بَلَدِك وَالْمُقَرَّرِ فِي كُتُبِك فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُ وَالْجُمُودُ عَلَى الْمَنْقُولَاتِ أَبَدًا ضَلَالٌ فِي الدِّينِ وَجَهْلٌ بِمَقَاصِدِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ ”

ولقد تعلمنا من علماء المسلمين قول( لاأدري) ،وقد أفتى مالك في مسائل قليلة ، ورد مسائل كثيرة ، قال فيها: لا أدري . وهكذا غيره من أهل العلم .”
وكَانَ مَالِكٌ لَا يُفْتِي حَتَّى يَقُولَ: «لَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ».

وكَانَ مَالِكٌ، يَقُولُ: ” الْعَجَلَةُ فِي الْفَتْوَى نَوْعٌ مِنَ الْجَهْلِ وَالْخَرْقِ وَكَانَ يُقَالُ: التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمَا عَجِلَ امْرُؤٌ فَأَصَابَ وَاتَّأَدَ آخَرٌ فَأَخْطَأَ إِلَّا كَانَ الَّذِي اتَّأَدَ أَصَوْبَ رَأْيًا، وَلَا عَجِلَ امْرُؤٌ فَأَخْطَأَ وَاتَّأَدَ آخَرٌ فَأَخْطَأَ إِلَّا كَانَ الَّذِي اتَّأَدَ أَيْسَرَ خَطَأً ”
وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سُئِلَ حُذَيْفَةُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا يُفْتِي أَحَدُ ثَلاثَةٍ: مَنْ عَرَفَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، قَالُوا: وَمَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: عُمَرُ، أَوْ رَجُلٌ وَلِيَ سُلْطَانًا فَلا يَجِدُ بُدًّا، أَوْ مُتَكَلِّفٌ ”

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا مِنْهُمْ مُحَدِّثٌ إِلا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ، وَلا مُفْتٍ إِلا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا.

وَقَالَ أَبُو الْحُصَيْنِ: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُفْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ لَوْ وَرَدَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ. وللحديث بقية.
بقلم الأستاذ الشيخ / محمد سعيد أبوالنصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى