الدين والحياة

كيف نستمطر الرحمات الربانيه ؟؟” الجزء الأول “

كيف نستمطر الرحمات الربانيه ؟؟” الجزء الأول “
إعداد / محمـــد الدكـــرورى
إن الإسلام رسالة خير وسلام ورحمة للبشرية كلها، دعا إلى التراحم، وجعل الرحمة من دلائل كمال الإيمان، فالمسلم يلقي الناس وفي قلبه عطف مدخور، وبر مكنون، يوسع لهم، ويخفف عنهم، ويواسيهم، فعن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لن تؤمنوا حتى تراحموا، قالوا يا رسول الله كلنا رحيم،
قال صلى الله عليه وسلم إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة الناس رحمة العامه” رواه الطبرانى، وليس المطلوب قصر الرحمة علي من تعرف من قريب أو صديق، ولكنها رحمة عامة تسع العامة كلهم، وأحاديث رسول الله تبرز هذا العموم في إسداء الرحمة، والحث على إفشائها وانتشارها
فقال صلى الله عليه وسلم ” لا يرحم الله من لا يرحم الناس” رواه البخارى، وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم ” من لا يرحمِ الناس لا يرحمه الله” وفي هذا الحديث الحض على استعمال الرحمة للخلق، فيدخل المؤمن والكافر، والبهائم المملوك منها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام.
والمساعدة في الحمل وترك التعدى بالضرب، ونزع الرحمة من الإنسان هى علامة الشقاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا تنزع الرحمه إلا من شقى” رواه أبو داود والترمذى، وإن الله عز وجل أرحم بعباده من هذه بولدها، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرصد هذا الموقف الإنساني المؤثر عن قرب، وقدم من خلاله للأمة معنى هائلا خلابا، ودرسا رائعا جذابا، تعجز العبارات عن بيانه وإظهاره،
فلقد رأى الصحابة الرحمة بأجمل صورها وأبها حللها، وأكثرها تأثيرا وبيانا وأعلاها فيضا وحنانا، إنه مشهد حي تجلت فيه رحمة الأمِ بوليدها الرحمة التي لا يمكن أن يرى البشر أعظم ولا أحنى منها فيما بينهم، ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المشهد المؤثر دليلا على ما لا نستطيع أن نقدر حجمه من رحمه الله سبحانه وتعالى لعباده، ولقد أمرنا ربنا تبارك وتعالى أن نلهج في كلِ ركعة من ركعات صلاتنا بل نبتدئ في كل أمر من أمور ديننا ودنيانا باسمين من أسمائه الحسنى الرحمن الرحيم.
وقد قال الشيخ السعدي رحمه الله “اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمّت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها وقال ابن عثيمين رحمه الله “الرحمن ذو الرحمة الواسعة، والرحيم ذو الرحمة الواصلة،
فالرحمن وصفه والرحيم فعله” والرحمة كتاب كتبه الله على نفسه وأمر نبيه أن يبلغه للناس، فسبحانك ربي ما أرحمك، وسبحانك ربي ما أعظمك، فإن الرحمة سمة الربوبية وعنوان الإلوهية، ولذلك وصف الله تعالى نفسه بها، والرحمة كمال في الطبيعة البشرية تجعل المرء يرق لآلام الخلق فيسعى لإزالتها
كما يسعى في مواساتهم، كما يأسى لأخطائهم فيتمنى هدايتهم، ويتلمس أعذارهم، والرحمة صورة من كمال الفطرة وجمال الخلق، تحمل صاحبها على البر، وتهب عليه في الأزمات نسيما عليلا تترطب معه الحياة، وتأنس له الأفئدة، ورحمة الله تعالى هى سبب واصل بين الله وبين عباده، بها أرسل رسله إليهم، وأنزل كتبه عليهم، وبها هداهم.
وبها يسكنهم دار ثوابه، وبها يرزقهم ويعافيهم وينعم عليهم، فبينهم وبينه سبب العبودية، وبينه وبينهم سبب الرحمة، والرحمة تحصل للمؤمنين المهتدين بسبب هداهم، فكلما كان نصيب العبد من الهدى أتم كان حظه من الرحمة أوفر، فبرحمته سبحانه شرع لهم شرائع الأوامر والنواهي، بل برحمته جعل في الدنيا ما جعل من الأكدار حتى لا يركنوا إليها فيرغبوا عن نعيم الآخرة، وأرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالرحمة،
فهو نبي الرحمة للعالمين أجمعين، فقال تعالى ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” وبعثه ربه فسكب في قلبه من العلم والحلم، وفي خُلقه من الإيناس والبر، وفي طبعه من السهولة والرفق، وفي يده من السخاوة والندى ما جعله أزكى عباد الرحمن رحمة، وأوسعَهم عاطفة وأرحبهم صدرا، ومن خلال التعاملات العامة في المجتمعات يتضح منها حجم ودور الأخلاق والآداب في حياة الفرد والمجتمع، ويتضح أيضا تغير الطباع في المعاملات، ولأن البعض تخلى عن الآداب العامة في المعاملات الفردية.
قاد هذا التخلى إلى أن تغيرت طباع كثير من الناس فصارت تحمل الغلظة والشدة، والعنف والقسوة وذلك لعدم مراعاة الحقوق والواجبات التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال الوحي الإلهي إلى سمات ومعالم الأمة الأفضل والأمة الوسط، وصارت رؤية الفرد لمن حوله هى أنا ومن بعدى الطوفان،
فتبدلت معالم الحياة من خلال منظور السماء إلى أهل الأرض لتحقيق الحياة الآمنة إلى طباع وتعاملات تنتمي إلى شريعة الغاب، فكانت أن تحولت نظرة البشر إلى الله عز وجل إلى نفس النظرة الواقعة فيما بينهم من غلظة وشدة وقسوة، فظن الكثير أن الله سبحانه وتعالى ليس رؤوفا رحيما مثل الكثير من البشر، فكانت هذه المقولة التي أصبحت منتشرة، إذا كنا نحن لا يرحم بعضنا بعضا، فكيف سيرحمنا الله؟
فانتقل سوء الظن بين العباد وما أكثره إلى اليأس من رحمة الله، ومع أن جناحا العبودية الخوف والرجاء، وقد قال الله عز وجل ” ورحمتى وسعت كل شئ” ويسعى كل عبد مؤمن بالله سبحانه وتعالى إلى أن يرضى الله عنه ويحبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى