ثقافات

كوكبة من القاصين المبدعين ضيوفاً على اتحاد كتاب فلسطين

كوكبة من القاصين المبدعين ضيوفاً على اتحاد كتاب فلسطين

سامر منصور – تصوير محي الدين كاظم

أقام الاتحاد العام للأدباء وكالتاب والصحفيين الفلسطينيين أمسية قصصية ضمن فعاليات ملتقى الأجيال بمشاركة السادة القاصين والشعراء : رياض طبرة ، علي عمار محمد ، رسلان عودة ، قتادة الزبيدي ، حمزة الياسين.

كانت المشاركة الأولى بقصيدة بعنوان ” يا شاعري مهلاً ” وبقصة بعنوان ” الطاحونة ” تناول فيها القاص رياض طبرة الحالة النفسية والذهنية والسلوكيات التي انتابت سكان قرية إزاء طاحونة مهيبة يعتريها الغموض يسكنها الجن وكيف اختلف الناس على حقيقة هذه المسألة وتضاربت مواقفهم ثم جاءت الحرب لتطحن بقذائفها الجميع المؤمن بالخرافة والمؤمن بالمنطق وسقطت قذيفة على الطاحونة الغامضة التي لم تجرؤ قدمٌ على أن تخطو داخلها لأمدٍ طويل.. فأطاحت القذيفة بسقفها وكشفتها حتى أشلاء الجن تبعثرت في الطاحونة وفق تعبيره.
وهنا تكمن مفارقة موفقة في خدمة رسالة القصة حيث أن القاص نقلنا فجأة من تناقضات واختلافات اجتماعية كنا نسمع ونعيش مثلها قبل الحرب إلى تناقضات مدمرة هائلة تجسدت بالحرب نفسها والقذائف التي تبذرها حتى تُشجِرَ ناراً ودخاناً بعيد الأثر في خرابه وقد عبر القاص عن ذلك بإشارته أن القذيفة مزقت حتى الجن الذي يعيش في الطاحونة .. وكأن البلاد كلها أصحبت طاحونة لكل ما فيها بفعل الحرب .

وفي نهاية لغز الطاحونة لا تتكشف حقيقتها الغامضة بل نحى القاص رياض طبرة إلى كسر أفق التوقع بأن جعل الحرب تأتي لتنهي كل شيء عبر دمار ٍ وموت لم يترك حتى مكاناً لألغازنا البسيطة المعتادة .. وكانت القصة جاذبة حيث كان كل حدث يخطف انتباه المستمع من الحدث الذي قبله وصولاً إلى نهاية القصة وتمام رسالتها.
ومما أوحت به نهاية القصة : ” أن الحرب جاءت لتأخذ الطاحونة بكل التناقضات حولها وعوضاً عن عودة رحى الطاحونة إلى الطحن والعطاء جاءت رحى الحرب لتطحن البشر والعمران .. فالحرب هي الخطأ الكبير الذي وقعنا فيه فَجلّى تناقضاتنا الفادحة التي جَبَّت تناقضاتنا الصغيرة فياله من نقوص !!”.
وفي المحطة الثانية للفعالية قرأ القاص علي عمار محمد قصة بعنوان : ” رحيل الجد من أغنيات الحفيد ” تحدث فيها عن طفل ٍ يشبُّ معانياً من تنمر الجد ويحاول تلمس إنسانيته وكيانه وسط متناقضات الحياة الاجتماعية ومتناقضات الحرب حيث المتطرفون يدنسون القيم الإنسانية باسم المقدس .
وقد بدأ القاص علي قصته بتصوير بطل قصته وهو يغص ويكاد يختنق من شيء في داخله ويحاول التقيؤ لنكتشف بعدها أن مايحاول اخراجه من جوفه هو ألم نفسي لشدة ظل أنه تجسد مادياً كشيء خانق.
اتسمت القصة بالتركيز على منحى النفسي للشخصية الرئيسية فيها فلعب المنولوج دوراً رئيسياً فيها وكان إضافة إلى الحوار مكثفاً وبليغاً .
توزعت شخصيات القصة على أجيالٍ مختلفة ” الطفل الذي شبَّ ” و “الجد والجدة ” و” والأم”.

وقد رمز القاص علي محمد بهذه الأجيال إلى الماضي والحاضر .. واستشرف مستقبلاً مشوهاً ذلك عندما نجا بطل قصته من الموت ليجد نفسه وهو واقفٌ أمام المرآة على هيئةٍ يكرهها .. فهو قد ورث شكل جده المتسلط المتنمر الذي يكرهه وورث في النصف الآخر من جسده تشوهاً جراء تعذيب القوى الإرهابية ” داعش” له.. فلم تتح له فرصة أن يرى نفسه على الهيئة التي يريدها فكان قبيحاً كماضيه ” جده المتنمر ” ومشوهاً تحت وطأة الحرب التي اجتاحت حاضره.. ولم يكن لديه مناصٌ من هذا الأمر .. وقد رمز بالتشوه الجسدي إلى التشوه النفسي .. إلا أنه أبقى لشخصيته الرئيسية منظورها البريء المنطقي الإنساني المستنكر لكل القبح السائد.

وجاءت القصة زاخرة بالتقاطات مميزة وإضاءات موفقة لجوانب من الحياة الأسرية ندر التطرق إلى مثلها . وبذلك جمعت القصة بين الواقعية والرمزية بطريقة موفقة.
وعمِد القاص إلى المونولوج والحوار العميقين الذين عبرا عن تأملات الكاتب وتعمقه في الحالات الإنسانية التي تناولها في قصته وكان موفقاً في مسار القصة الدرامي وفي مسار تطور البنية النفسية للشخصية الرئيسية والتي جسدت الجيل الصاعد الحالم الذي يحاول تلمس معالم شخصيته الخاصة والذي يحاول عيش تجربته الحياتية الخاصة وتكوين رؤيته الخاصة وسط عصف الأحداث وتنمر الأخرين من وصائيين واقصائيين سواء من أفراد أسرته “الجد” أو من مجموعات مسلحة متطرفة .

وقد كان القاص متمكناً من أدوات فن القصة فعلى صعيد البناء الدرامي جاء معززاً بتصاعد الحدث ووتيرة الصراع بين الشخصيات وانعطافات هذا الصراع ومآلاته غير المتوقعة التي نتجت عن مرض شخصية “الجد المتجبر” وانكسارها . وعلى صعيد التصوير للأماكن والتصوير النفسي للشخصيات وللتفاعل النفسي مع لحدث .

ونجح في ربط المتلقي بالشخصية الرئيسية لقصته – التي كانت شاباً سورياً مضطهداً – وبجعله يتمثل ويستشعر انفعالاته ولواعجه وما اعتمل في جوانياته.. فجاءت قصة تتسم بالعمق في فضاءاتها السيكولوجية والسوسيولوجية.
ومن الآراء التي قدمت في القصة نقتطف ماقاله الشاعر خليفة عموري: ” انها قصة تعود من حيث البنية السردية للأدب الروسي بعمقها النفسي والفلسفي كأدب دوستويفسكي بمهارة اصطياد اللحظة الحسية والتعبير عنها بحرفية عالية عبر مِخيال واعي موظف لإتمام الفكرة”.
ومن جهته تناول القاص رسلان عودة في قصته ” القبلة الأولى ” تجربة شاب وشابة ضمن ثنائية الحب والحرب بتناقضاتها و اشكالاتها وكعادته تمكن من توليف العناصر الفنية لفن القصة بحيث يقدم قصة ماتعة جاذبة ومعبرة وبرغم ثرائها بالتفاصيل حملت أيضاً القيمة المطلقة والكلية للكائن الأجمل الذي يظل يظللنا بأجنحته ويقيم بيننا مهما اشتدت الخطوب .. ألا وهو الحُب.

ومن العبارات المؤثرة التي أبدعها ووظفها القاص رسلان في قصته نقتطف : ” ان الفراشات تعشق أنامل الضوء لترتب ألوانها بقوس قزح ٍ جديد / الصبية تشهق كحفيف ورقٍ يابس / ماضٍ بسيط التضاريس كثير المطبات “.

وقرأت الشاعرة قتادة الزبيدي نصاً بعنوان : ” شكران” تمحور حول حالة استغلال تتعرض له فتاة سورية لاتملك أن تدفع الإيجار ، وقد جاءت خاتمة القصة لتؤكد تمسك المرأة السورية بالعفة رغم كل الظروف.. وعمدت الشاعرة والكاتبة قتادة إلى استلهام الموروث الإنساني عندما ذكرت نبتة “الشوكران” وهي النبتة التي يقال أن عُصارتها قتلت سقراط وفق ماقالته الشاعرة قتادة.

“طرق باب الرغبة كما صباح كل فجر من بداية الشهر .. طالما غرد وعيداً بإعفائي من الأجرة الشهرية .. فقدت عملي و لا امتلك نقوداً امهلني قليلأ .. انهال على جسدي بأمنية الموت .. فنجان قهوته يحذره من غياب الألق بعد رشفة واحدة أحالته للإقالة… فجر مختلف اختفى بزوغه خلف تفرق الغمام و التلال . عابق بياسمين تهاوى بياضه من السماء على قصر النايا.. ليحط في حضن فقاعات أودعتها نوافير البحرة برهة في الغياب. فملأتها بأنين الثمالة.. اريكة تمددت تحت جسدينا.. آهات مكر .. باغتصاب مباح أخيراً .. امتلأت جعبتي بنشواه المهين بلحظات .. شعرت بملامسة القاع .. قررت ايداع مفاجأة لائقة .. بعد ان لملم بقايا عريه .. راودته عن شفاهي .. تمتمت بقبلة لم يدونها بقاموس رغبته .. إليك قبلتي المفعمة ببقايا نبتة الشكران.”

وبدوره قدم الشاعر حمزة الياسين قصيدة بانورامية الطرح عرّى من خلالها ملابسات مانعيشه وحمَّل كل فئةٍ اجتماعية مسؤوليتها في ما آلت إليه أحوال البلاد وسَخِرَ بين سطور قصيدته من البروباغندا التي تبرر الموت وتلبسه ثوب القدسية الوطنية والدينة لافتاً أننا في غنى عن كل هذا الموت والهراء.
لو قلت لي:
بردى يراقصه الغمام
على تراتيل الحمام
ويصب في قلب المدينة نهر نور
و أشحت وجهي صوبه
فرأيته مثل الغراب
يحكي روايات الخراب
ويرد فوق الجثة الثكلى “مدينتنا”
ملايينا من الأطنان من روث
ويكتب فوق وجه الماء
تاريخ الدماء
ويعكس كل وساخة الطرقات فيه
وكل برودة الأرواح فيه
فمن أصدق؟
(وحتى قول الشاعر حمزة ….)
لو قلت لي:
قد كان أجدادي..
وكان القول حقاً
لكن طوت صحف القدامى
والزمان محايد حين القراءة
ليس يملك من يناقشه
ولا يغريه دور الناقد المتمرس المرموق
يقرأ شاردا دون اهتمام
فهل ثناه القول؛ قولك
عن مسيره للأمام؟
***********
لو قلت لي:
الشعر يحيينا مجازا
يمنع الموت المعشش في الدروب
من أن تصاب به اللغة
ورأيت ذاك الموت ينهشني
ويطحنني دقيقا
ماذا سأفعل بالحروف وبالمجاز
إن كنت أقتل بالحقيقة؟

وقد رأى الشاعر خليفة عموري مدير الجلسة فيما قدمه الشاعر حمزة: ” قصيدة تفعيلة قامت على مسرحة الشعر بإسقاطاتها الفنية التي حاكت الواقع بلبوسها المجازي والتي تدفقت بتصاعدية درامية أظهرت العمق المعرفي لدى الشاعر وتملكه لأدواته بمهارة العزف على الوتر الإنساني الوجودي مما اكسبها نضجا لامس كل من أصغى اليها”.

وفي الختام وعطفاً على ما استهل به مدير الجلسة الشاعر خليفة عموري حول مسألة التطبيع الثقافي وأبعادها الخطرة .. أكد عضو الأمانة العامة الباحث والكاتب عبد الفتاح إدريس وجوب رفض التطبع جملةً وتفصيلاً ومسؤولية العرب الشرفاء في إجهاض التطبيع ، لافتاً إلى التطبيع الثقافي وخطورته وداعياً كافة المثقفين العرب إلى مقاطعة كل مايتصل بالتطبيع من أنشطة ثقافية وأكد ثقته بوطنية وعمق رؤية جُل المثقفين العرب في هذا المنحى وقد أكد جميع السادة الحضور رفضهم للتطبيع عموماً وللتطبيع الثقافي خصوصاً وأشادوا بموقف أمير الشارقة الذي رفض التطبيع بكافة أبعاده.


 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى