مفالات واراء حرة

قيادة العالم وصراع القوة (أمريكا إنموذجا)

قيادة العالم وصراع القوة (أمريكا إنموذجا)
بقلم محمد الكعبي
لم تعد فكرة إنشاء حكومة عالمية منحصرة في الديانات السماوية والفلسفات القديمة بل تعدّت لتصبح مشروعاً عالميا يسعى لتحقيقه الجميع، وما تأسيس الاتحادات والمنظمات الدولية والاقليمية الا مقدمة لذلك المشروع، وبعد انتهاء الحرب الباردة تهيأت الظروف الموضوعية لأمريكا حيث انفردت بالقطبية الواحدة لتفرض سيطرتها على جميع الكوكب.
إن الدولة العالمية هدف استراتيجي عند صانع السياسة الاميركي، وقد سخرت جميع امكاناتها وطاقاتها لتحقيقه، وتتلخص هذه الفكرة على أن تكون هناك حكومة عالمية واحدة ولها ولايات ومحافظات واقاليم، مثلاً ولاية روسيا أو محافظة هولندا و قضاء بلجيكا و اقليم الصين، ويكون وجود تلك الولايات والاقاليم بطول الحكومة المركزية وفق الرؤية الامريكية الجديدة.
تحرك الفاعل الامريكي بعد عام 2003م، بقوة لتحقيق مشروعه على عدة محاور وبطرق مباشرة وغير مباشرة كما في العراق وغيره، فأدخلوا المنطقة في صراعات داخلية وخارجية وحروب ومشاكل اقتصادية ودينية واجتماعية وأمنية وسياسية وثقافية وحدودية ومائية، فضلا عن تغيير بعض الانظمة السياسية،
وقامت بعقد تحالفات وتفاهمات واتفاقيات ومعاهدات مع الدول في شتى المجالات مع فرض شروطها لتحكم سيطرتها بما يخدم مصالحها، وزرعت الكيان الاسرائيلي في المنطقة ليكون محطة انطلاق الاعمال المزعزعة والخراب ويساهم في تحقيق الحكومة العالمية،
وفرضت عقوبات اقتصادية وعسكرية على الدول المعارضة لها، وأنهكت بعض الدول بالقروض الخارجية والداخلية حتى وضعت بعض الانظمة تحت الوصايا، ودعمت الكثير من المؤسسات والاحزاب والتيارات السياسية والفكرية التابعة لها في أغلب دول العالم، ومارست الارهاب والاغتيالات،
وتمكنت من السيطرة على السياسة الدولية والسوق العالمي والتكنلوجيا والاعلام والاقتصاد واحكمت سيطرتها على الهيئات والمنظمات العالمية، وقامت ببناء ونشر قواعد عسكرية في مناطق متعددة من العالم، ودعمت التنظيمات المتطرفة والحكومات الدكتاتورية المواكبة لمشروعها، وبحجة محاربة الارهاب وحقوق الانسان ونشر الديمقراطية ومنع انتشار اسلحة الدمار الشامل وغيرها من الذرائع قامت بالتدخل بقوتها العسكرية واحتلت الدول وفرضت سيطرتها.
ساهمت قواعدها وقواتها العسكرية وسفاراتها وقنصلياتها المنتشرة في العالم على فرض سلطتها على بعض المناطق من العالم، وقد كان للمستشارين والمنظمات والهيئات والشركات الأمنية والصناعية والتجارية والثقافية الدور الفاعل في مهمتها، وتحكمت بأغلب مصادر الطاقة والاعلام والأمن والسياسة وبمصادر القوة والموارد الطبيعية والبشرية، وادخلت الدول في مشاكل اقتصادية ومائية وحدودية وسياسية ودينية و…الخ.
قد تقوم امريكا بمشاركة بعض الدول أو القوى لحكم العالم على المستوى المتوسط دون البعيد، وستحاول تجنب أي تصادم مع القوى المنافسة لها في الوقت الراهن، وستحاول منع ظهور أي قطب منافس لها، ووضعت امريكا قواعد دولية وقوانين تطالب الاخرين الالتزام بها،
لكن سمحت لنفسها أن تخترقها بما ينسجم مع مصالحها، وفرضت سيطرتها على المنظمات والهيئات الدولية حيث جعلتها خاضعة لقرارها، وتحاول تصدير القيم الليبرالية والديمقراطية التي يتبجحون بها للتغرير بالشعوب.
أميركا اليوم تختلف عن سابقتها فهي تعاني من مشاكل اقتصادية وديون كبيرة، فضلا عن القيود المالية والسياسية والاستراتيجية والقومية مع وجود عقبات أمام الانفاق على الدفاع والجيش على المدى البعيد، وانقسام الشارع الداخلي لأميركا
وانتشار العصابات والخارجين عن القانون والعنصرية المتزايدة، وارتفاع حدة الصراع بين دوائر القرار الامريكي والانقسام السياسي بين اغلب قادتها، ــ وامريكا بعد اقتحام الكونغرس
واحداث الانتخابات الاخيرة ليست كما قبلها ــ فضلا عن تفاقم العداء الداخلي والخارجي من الشعوب لها، وتنامي الصين الاقتصادي والعلمي والعسكري، ووجود كوريا وروسيا التي تحاول تقويض الهيمنة الامريكية، ورفض دول أوربا وغيرها من الدول أن تكون خاضعة وتابعة لواشنطن وان لم تعلن ذلك، وتعالي اصوات الدول الصاعدة لتعديل بعض قواعد النظام العالمي والذي يعتبر تحدياً كبيراً لواشنطن، حيث يسهم في تحجيم دورها
وتعزيز دور الاخرين ولو بمشاركتها بمحورية القيادة وهذا لا ينسجم مع طموحاتها، وظهور الحركة الترامبية التي تهمش الدور المؤسساتي وتحتقر القانون العام وتفرض أجندتها بالقوة جعلت واشنطن في مأزق كبير وصعبت عليها الامور، فضلا عن بروز ظاهرة التمرد على أمريكا وظهور تحالفات جديدة منافسة لها تسبب أرق حقيقي لمشروعها.
يبقى نجاح وفشل حكومة امريكا العالمية مع ما ذكرنا آنفا رهن المعطيات الخارجية والمعادلات والمتغيرات المحلية والاقليمية والدولية والتي تفرض نفسها من خلال الظروف والمتغيرات الواقعية والزمانية المكانية والتي تحكم الجميع وتخضع لها كل الحسابات ولها كلمة الفصل في الكثير من الاحداث.
إن المعركة اليوم معقدة من حيث تنوع ابعادها العقائدية، العسكرية، الأمنية، السياسية، الاقتصادية، الاعلامية، التكنلوجية، العقلية، الثقافية، النفسية، الادارية والاستشراف المستقبلي وغيرها، فهي عملية تخادمية ترابطية لاتنفك واحدة عن الاخرى ولابد من الوقوف عليها تفصيلا عند الفاعل السياسي، وان فن المواجهة يحتاج إلى اتقان وصبر وعلم، لأن الاغفال عن أي محور قد يسبب كارثة، وإن تحقيق النصر المرحلي أو النهائي يحتاج إلى قيادة حكيمة مستعدة لمواجهة كل الاحتمالات.
العالم اليوم امام منعطف خطير يحتاج إلى تأسيس نظام سياسي واقتصادي وأمني وتعليمي يواكب العصر، مع مشاركة المعلومات والتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي على المستوى المباشر والغير مباشر وعلى المدى المتوسط والبعيد بما يخدم مصالح الدول، مع تعزيز روح المواطنة ونبذ الخلافات وتعزيز المشتركات بين الشعوب مما يعزز روح الوحدة ويقلل من حظوظ القوى المتصارعة،
ولابد من تأسيس قوة ردع لمواجهة التحديات على المستوى المادي والفكري، ويجب العودة إلى بلداننا وتنميتها وتطويرها لتكون البديل المناسب عن هذه الدول المتصارعة التي يعتقد الكثير انها الحلم لما تمثله من حرية وديمقراطية وتطور كما سوقت لنفسها وأحسنت تسويقها وان كانت مزيفة، مما يجعلنا أمام تحد كبير ليعاد ترسيم الخارطة السياسية وفق عقلنة الادارة، وتعميم وتفعيل المشاركة المرنة والمتخصصة في مفاصل بناء الدولة العصرية بما ينسجم مع المرحلة وخصوصا في النظام السياسي الجديد ، والا فالخطر قادم لا محالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى