ثقافات

قــراءتي لـكتـاب(النقد الثقافي ومراجعات التجديد)

قــراءتي لـكتـاب(النقد الثقافي ومراجعات التجديد)
دراسة تطبيقية في شعر محمد رضا الشبيبي
قراءة وليد حسين
ليس أضنى وأشق من أن يختار مثقف ما إعادة نظر في قراءات سابقة حول شاعر حكم عليه بنظرة نقدية شابها وهْن في الحذاقة أو نظرة بنيت على أساس غير فني دقيق ، مثل هذا العمل تجشمه أستاذي الفاضل الكاتب والناقد الدكتور عبد القادر جبار أستاذ الدراسات العليا في كلية الآداب جامعة بغداد حول مراجعات التجديد في شعر محمد رضا الشبيبي الذي تناولته الأقلام على أنه مقلد ومحافظ لكن يضعنا الناقد أمام دراسة جديدة حول هذا الشاعر بأنه مجدد في القصيدة العربية .أستهل الناقد في كتابه سالف الذكر الحديث عن موجهات النص الإبداعي واختلافات الاتجاهات الأدبية حولها ، منهم من ذهب إلى أن موجهات النص تكمن في جملة العوامل الخارجية التي تؤثر في المبدع ، وذهب بعضهم الآخر إلى أن العملية الإبداعية منفصلة عن زمانها ومكانها وأنها عملية تخص المبدع …،ثم يعرض لنا الناقد في الفصل الأول من هذا الكتاب عوامل النشوئية وأثرها في النص مبينا التحول والانفتاح بالمعنى من خلال العلاقات الداخلية التي اعتمدت على الفنون البلاغية المختلفة والبديع مبينا آراء بعض العلماء بهذا الصدد كالكسائي وابن الأثير والجاحظ .
وقدم الناقد رؤياه حول العناصر التي أعادت للشعرية العربية جوهرها في العصر الحديث وهي المفارقة ، وان كان أدونيس قد بحث في علاقة المفارقة (التضاد والتعارض) إلا انه لم يبحث في الشفرات الموجهة والمحركة للنص الشعري العربي وهذا ما جاء على حد قول الكاتب .
وكما أكد الكاتب والناقد إلى الزام دراسة هذه الشفرات متخذا من الشاعر محمد رضا الشبيبي انموذجا للتجديد ولا سيما وقد عُدَّ الشبيبي من الشعراء المحافظين لذا يرى الناقد الدكتور عبد القادر جبار أن هذا التقويم للشبيبي بوصفه شاعرا محافظ بحاجة إلى إعادة نظر لان اغلب الدراسات التي تناولت الشبيبي لم تُقْدم على تحليل بنيات نصوصه بل تناولت معتمدة الإطار العام لقصائده من دون أن تلتفت إلى أنها اعتمدت بشكل رئيس على بنية المفارقة (التضاد والتعارض) وهي كما أسلف الناقد واحدة من مؤشرات الإبداع في الشعرية العربية .
قدم الناقد تساؤلا في كتابه مفاده هل تمثل بنية المفارقة في نتاج الشبيبي عملية بعث للشعرية العربية القديمة أم أنها عملية تجديد فيها ؟ فيرى الناقد أن الإجابة على هذا السؤال على وفق توجيهات أدونيس تشير إلى أن الشبيبي استطاع أن يرسخ حركة الشعر العربي من خلال اعتماده بنية التعارض والتضاد في القصيدة ، سواء أكان ذلك من حيث الإطار العام في معارضة قصيدته للسائد المألوف في كلام العرب أم من خلال بنياتها الداخلية المعتمدة على تلك العلاقة المتعارضة المتضادة داخليا . ويذهب الدكتور عبد القادر جبار إلى أن هذا الأمر يمكن أن يدفع الشبيبي إلى منطقة التجديد .
ثم يضعنا الناقد أمام تساؤل ثان مفاده هل كان الشبيبي تقليديا فعلا ومثل شعره عملية استمرار للنمط السابق أم انه مجدد في القصيدة العربية ؟ وللإجابة عن هذا التساؤل أنطلق الناقد إلى تفكيك النظرة النمطية التي أسسها النقد العربي بشأن الشبيبي الذاهبة إلى أن قصيدته تنتمي إلى النمط التقليدي وليس لها علاقة بالحداثة والتجديد . وقدم الكاتب والناقد إعادة إنتاج لهذه النظرة وهي إعادة لافتة للنظر لما لها من رؤيا تحمل في طياتها مفهوم نقدي قائم على أسس نقدية متينة استطاع من خلالها الدكتور عبد القادر جبار أن يثبت ما للشبيبي من إسهام في تجديد القصيدة العربية وان قصائده لم تقتصر على التقليد كما تناولها البعض من الكاتبين .
لم يقف الناقد عند حدود إعادة النظر في قصائد الشبيبي بل ذهب الى أبعد من ذلك وهو إعادة النظر في شخصية الشبيبي نفسه. كما يرى الكاتب أن كل النقاد العرب الذين أسسوا موقفهم النقدي على فكرة التقليد في شعر الشبيبي لم يدرسوا بنيات القصيدة ولا تحولاتها في المراحل المختلفة بل اقتصرت دراستهم وتقويماتهم على قصيدة أو قصيدتين كتبها الشبيبي في بداية حياته الشعرية، حيث عبر الناقد إلى أن من تناولوا دراسة الشبيبي سابقا ذهبوا على أنه اعتمد تكرار المعاني الواردة في القصيدة القديمة وعدّوه عيبًا، ثم ينقل الكاتب رده قول أدونيس : ( القصيدة القديمة صناعة ومعان …لا ضير في تكرار المعاني بالنسبة لمفهوم القصيدة إذا كانت صياغتها جيدة ). ومن هذه النظرة وغيرها يرى الدكتور عبد القادر جبار أن الاستنتاجات والدراسات التي تناولت شعر الشبيبي ربما تكون قاصرة في البحث والإحكام كون الدراسات السابقة لم تستند الى منهج علمي واضح في قراءة الشعر، ومن هذه الرؤيا ذهب جبار الى ضرورة إعادة قراءة شعر الشبيبي قراءة جديدة .
وقف الناقد بعد ما تقدم من حديث على بدايات نظم الشبيبي للشعر في مرحلة تعد من أخطر المراحل التي عاشتها الدولة العربية الإسلامية في العصر الحديث إبان الحكم العثماني وفي الوقت نفسه إبان الصراع القائم بين الدولة العثمانية واحتلال القوى الكبرى وتتمثل هذه المرحلة بالسنوات التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م ، وفي هذا الفصل وقف الناقد على كثير من المواضيع التي مر بها الشبيبي في بدايات تكوينه الشعري كما قدم آراء بعض النقاد حول الشبيبي والشعراء الذين يتقاربون معه في الفترة الزمنية أمثال الزهاوي والرصافي والكاظمي … ، .
ينقلنا الناقد الى موضوع الفصل الثاني من هذا الكتاب وهو تحولات القصيدة الشبيبية والتي مرت بثلاث مراحل وهي : المرحلة التقليدية التي كانت فيها قصائده الأولى تعكس الأثر التقليدي المحض للقصيدة العربية القديمة . المرحلة الثانية المرحلة القلقة (بدأت في هذه المرحلة التشفيرات بالعمل على تأكيد ذاتها في النص وإنتاج رسالتها التي تنتمي الى عصرها ) ووجد الناقد أن هذه الاعمال لابد من أن تصطدم مع التراكم التاريخي الذي تلقاه الشاعر في عملية صيرورة نمط تفكيره… ، ثم يوصلنا ناقدنا الفذ الى مرحلة التجديد وهي المرحلة الثالثة التي ابتدأت بعد قيام دولة العراق الملكية التي أطلق عليها بعض المؤرخين والسياسيين الحكم الوطني على حد ما جاء في كتاب الناقد .
وبين الكاتب أن في خضم هذه الأحداث ظهرت حركة إعلامية واسعة في إصدار المجلات والصحف فضلا عن نشوء الأحزاب والرؤى السياسية كل هذه الأحداث انعكست بدورها على القلق الأدبي إذ شهدت الاتجاهات الأدبية أوسع حركة تمرد على النمط السائد في الإبداع فظهرت دعوات مختلفة فهناك من دعا الى الشعر المرسل ومنهم الى المنثور وهناك من دعا الى التحرير من قيود الوزن والقافية إلا أن الشبيبي بقي محافظا من حيث نظام الشطرين لكن مجددا من حيث مضمون القصيدة فهو يرى أن هذه البنية قادرة على استيعاب التجديد في القصيدة العربية، ويتصاعد التجديد في قصائد الشبيبي انساقا مع المتغيرات التي تحدث في العالم الخارجي واتساقا مع الحمولة النفسية التي تحرك الأحاسيس والمشاعر وهذا ما أورده الناقد في كتابه . وفي هذه المرحلة استفاض الدكتور عبد القادر في الوقوف على مواطن التجديد بصورة واضحة تجعل القارئ أمام قناعات لا تقبل الشك وهي في الوقت نفسه تنم عن إمكانيات الناقد ونظرته الثاقبة من كونه قادرا ومتمكنا من رؤياه حول ما تبناه في كتابه ( النقد الثقافي ومراجعات التجديد) فهو يثبت هذا المتبنى بإمكانية أدبية عالية من أن الشبيبي مجددا في القصيدة العربية .
ثم يأخذنا ناقدنا الكبير الى مروج الفصل الثالث من هذا الكتاب (أثر الشبيبي في الشعرية العربية) ليضعنا في صميم التجديد مخالفا به آراء من سبقوه أو (نقض) آرائهم بالحجة والبرهان واقفا على أهم ما ميز الشبيبي عن اقرأنه من الشعراء من حيث سلاسة قصائده وجزالة ألفاظه وقوة سبكه . كما قدم الناقد آراء و أقوال نقاد كبار حول متصف به شعر الشبيبي مثل رأي الدكتور (يوسف عز الدين) فقد وقف الناقد والشاعر الدكتور عبد القادر جبار عند رأي يوسف عز الدين مفصلا ومفككا ، يقول عز الدين واصفا شعر الشبيبي :(يتصف بقوة السبك وجزالة الألفاظ ومتانة الأسلوب والبعد عن سخف القول والركاكة ، وهو يأسر القارئ بألفاظه المأنوسة وديباجته الناصعة ، مع اقتدار على تصوير خلجات نفسه وهمسات وجدانه أتم تصوير .. فقد تفوق الشبيبي تفوقا بارزا على كثير من معاصريه وطفر ديوانه بالشعر العراقي بعيدا حتى انه فاق الرصافي والزهاوي ، وهما قائدا النهضة الأدبية ، في كثير من صفات شعره العالية ، ويندر أن يجد الناقد له بيتا يعاني من ضعف و ركاكة ، مع انه نظم بعض قصائده على قوافٍ صعبة كالضاد والشين واللام والهاء ، وقد أسعفه الطبع وواتته القريحة ). فقد فصّل الناقد عبد القادر جبار الحديث عن كل وصف من هذه الأوصاف ، عارضا آراء النقاد القدامى حول قضية عمود الشعر لكي يوازن بينها وبين ما قاله عز الدين ، ثم يقدم لنا الناقد رأيه بان ما ذهب إليه عز الدين لا سيما في قوة السبك وجزالة اللفظ كان من الطبيعي أن يتمتع بها الشبيبي كونه تربى في بيئة النجف الأشراف تربية ثقافية أهلته الى أن يكتسب هذه الصفات . ثم ذهب الناقد الى ان عز الدين لم يمثل ولم يحلل ما في شعر الشبيبي من مزايا تجعله ينتمي الى هذا الإبداع ، ولم يحلل طريقة تأثير ذلك الشعر في القارئ . لذلك رأى الناقد أن الدراسات السابقة لشعر الشبيبي لم تفِ القصيدة حقها ولم تدرس التحولات التي أصابت شعر الشبيبي ولا وعيه الشعري . وهذا داع آخر من دواعي مراجعات التجديد التي تبناها الناقد في شعر الشبيبي . ولم يقف الناقد عند رأي عزالدين فحسب بل عرض لنا آراءً أخرى كرأي (نعمة رحيم العزاوي) ورأي الناقد (عدنان حسين العوادي) ، وكل هذه الآراء يذهب الكاتب الى انها آراء محدودة في فترة من فترات الشبيبي لم تكن قائمة على تحليل مفصل وعميق تضع الشبيبي في دائرة التجديد الحقيقة التي يهدف إليها الكاتب بالدليل وبالقراءة الجديدة حول الشبيبي .
ثم يبحر بنا الناقد ليرسي بنا على ضفاف الأمثلة الشعرية التي انتقاها بعناية تنم عن نظرة فاحصة يريد بها إثبات رؤياه حول تجديد الشبيبي ، فقد حوت كثير من هذه الأمثلة على بناء استعاري عال متخليا فيه الشبيبي عن بنى القران التي هي أساس التشبيه في القصيدة العربية القديمة .
والحقيقة أن هذا الفصل حافل بالكثير من الوقفات التجديدية في شعر الشبيبي والتي أكد من خلالها الناقد على أن الشبيبي كان مجددا في القصيدة العربية خلاف ما ذهب إليه بعض النقاد من انه كان مقلدا ، وما قدمه الكاتب أقرب الى ما ذهب إليه سابقوه من كون الناقد اعتمد في دراسته هذه تحليل النصوص تحليلا دقيقا ومفصلا يستمد من خلاله القارئ حقيقة التجديد التي مثلها الشبيبي .
ولربما فاتني الكثير من القضايا المهمة التي تناولها الناقد والشاعر العراقي الدكتور عبد القادر جبار، حيث امتاز نقده بأسلوب أدبي رصين وبقدرة عالية ونظرة فاحصة . وفي الختام آمل أن يسعى الكثير الى اقتناء هذا الكتاب القيم لما فيه من دراسات جديدة وقضايا نقدية مهمة يستطيع من خلاله الباحثون والدارسون أن ينهلوا من نبعه . فهو فيما أراه مفتاحا لمن أراد الوقوف على دراسات النقد الثقافي دراسة تطبيقية حافلة بالأدلة والتنظير وبأسلوب علمي وأدبي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى