ثقافاتعاجل

قصيدة بلون الغياب – بقلم الشاعر موفق عماد الدين

 
شيطانُ شعري جاءني
في الليلِ يحكي أنّني‏
سأعاتبُ الأحبارَ والأوراقَ والأسطْر‏
وأشياءً عديدة‏
كيف مرَّ الرملُ في عنقِ الزجاجِ‏
مُطَولاً ليعدّ أوقات السهر‏
وتبدلت شمسُ المجرةِ بالمكان مع القمر‏
وأنا أطارد في المدى عَبَثاً فتافيتَ الصور‏
وأرى القوافي تنتثرْ‏
‏‏‏‏‏خلف المسافاتِ البعيدة‏
أسأل الإلهام قل لي كم مضى وقتٌ عقيمٌ‏
لم أضاجع فيه أوراقاً سوى ورق الجريدة؟‏
جاءني شيطان شعري الآنَ يكتُبُني قصيدة‏
جاء هزَّ مسامعي‏
.. قمْ يا فتى وخذِ القلم‏
يا جانبَ الإنسانِ يا ذاك الذي‏
في كلّ شيءٍ عابرٍ إلا الهوى‏
قد كان شخصاً محترم‏
قم يا فتى وخذِ القلم‏
دوِّن سريعاً ما أقولُ ولا تقاطِع ما أقولُ‏
ولا تقِف مثلَ الصّنَم‏
قم يا فتى و خدِ القلَمْ‏
لا لا تفكِّر في الجمالِ إذا رأيتَهُ باسماً‏
في وجهِ حسناءٍ جديدة‏
رافق الماضي ولا تكتب سواهُ‏
وقدّسِ الذكرى المجيدة‏
قم تذكّر كيف كان الخمرُ في عينيك يسبَح‏
إنْ رأيتَ الوردَ في خدّ الحبيبةِ قد تفتَّح‏
إنْ يعانق عنقَها جيشُ الأصابعِ في يديكَ‏
ينضجُ الزيتونُ حُبّاً في حدائقِ مقلتيكَ‏
ثم كيف الفاهُ عندكَ كان دوماً يلتقي‏
بشفاهها‏
ليدقَّ أبوابَ الشفاهِ ويرتجي ربّاهُ أن يا فاهُ افتَح‏
فاستمالت وردةٌ و تباعدت عن أختِها‏
فُتِحَت مغارةُ لؤلؤٍ مترونقٍ بالفوز لوَّح‏
قال صوتٌ ضمن ذاتك يا لحظّي..! يا لحظّي..!‏
إنّني يا حظُ أربح!‏
شيطانُ شعري جالَ صوتاً في زوايا الروح‏
تلكَ الفارغاتِ يحثّني أن أعترف‏
عن كلِّ شيءٍ آن في عرفِ الهوى أن ينكشف‏
عن كل ما خبأتُ في صدري سنيناً من جوى‏
لم يختف‏
بل كان دوماً رغم بعدِكِ يكبرُ‏
إذ لم تزل جدرانُ غرفةِ حبّنا تتذكرُ‏
يا كيف كان الشهدُ من ثغري لثغركِ يعبرُ‏
و النارُ تحفظُ دربَها بعيوننا‏
نارٌ لنارٍ بالعيونِ تسافرُ‏
والروحُ كانت وقتها في أضلُعِي‏
والآن بعدكِ في الفضاءِ تهاجرُ‏
وخزانتي‏
لا زالَ فيها معطفي الرطبُ المبللُ مثل لو أني صباحَ اليوم
فيه لففتُكِ‏
والجوُّ جوٌّ ماطرُ‏
وأنا غريبٌ كيف أني لم ألاحظ حالتي‏
لا بدَّ إن سألوا عن اللون المفضل في حياتي‏
دون أيِّ تفكرٍ دوماً أقولُ: «الأحمرُ»!‏
زال عمْرٌ جاء عمْرُ‏
والليالي موجعاتٌ‏
وانشغالي فيكِ أسرُ‏
والمدامعُ مسكراتٌ‏
وانطوائي فيكِ قبرُ‏
رحتُ أسعى نحو شيءٍ يزرعُ النسيانَ فينا‏
أيّ شيءٍ‏
قد يفجرُ النسيانَ طوفاناً ويأخذُ الذكرى بعيداً مثلما‏
طوفانُ نوحٍ أبعدَ الأشياءَ في بطنِ السفينة‏
أي شيءٍ يزرع النسيانَ فينا‏
فرأيتني صليتُ كي أنسى هواكِ وفوقها‏
هذي دموعي إنّني قدمتُها‏
للحبِّ يا حبّي قرابينا‏
وسألتُ نفسي بعد ذلك يا ترى؟‏
أسَتَكْفِهِ الصلوات وجداني ليبيعني السلوى بها؟‏
ما أثمن النسيان لما يُشترى!‏
أستنفعُ الصلوات ذلك يا ترى؟‏
قال ربّي إنما يا عبدُ حتى تقتنع‏
وتقرّر التغييرَ.. نفسَك‏
فالتذكرُ ليسَ شيئاً يُكتَسَب‏
إنما المتذكرُ النّاسي سيعلمُ أن داخلَهُ السّبَبْ‏
مثل نغماتٍ تُخَبّأُ في ترانيمِ الطرب‏
مثلَ أيامٍ يحاكُ العمرُ منها‏
مثل أسئلةٍ يخالطُها العجب‏
مثل إنسانٍ أتى من دون ذنبٍ‏
من سلالاتِ العرب!‏
فأنا أنا ذاتُ الركامِ بداخلي‏
مذ أنّ زلزال الفراقِ اهتزّ في أرجائنا‏
واختارنا طبقاً على سُفَرِ الهلاك‏
إنّني لا زلتُ مثلَ كما أنا‏
لازال يسكنني العراك‏
في مدى الأشياءِ أنظرْ‏
لا أرى أحداً سواك‏
راحَ طفلي داخلي ومضى وراءَكِ يتبعُكْ‏
ما أغربَ الإنسانَ فينا حين يمضي للهلاك‏
إنني لم أنسَ يوماً أيّ شيءٍ من هواك‏
فالحدائقُ كلّهنّ قواصرٌ عن رتقِ يومٍ غابَ فيهِ شذا لمُاك‏
كل يومٍ أركب الآفاق طيفاً نحو شرفتِكِ المطلّةُ فوقَ فسحاتِ الأمل‏
وأعانِقُكْ‏
وأقبّلُكْ‏
حتى يخالجني الخجَل‏
كيف أني قد رحلتُ لبرزخي‏
ووشمتُ شكلي صورةً في ملء هاتيك َالمُقَل‏
كلّ يومٍ أرتمي في حضنِ فنجاني لأشربَ قهوتي صُبحاً معك‏
ألمحُ الأشواقَ تنحتُ في تجاعيدِ الجبينِ بوجهكِ‏
من دون كدٍّ أو ملل‏
وأنا أمامَكِ أسألُ التكوينَ قل لي ما العمل؟؟‏
ماذا سأفعلُ إن تدارى النورُ عن عينيكِ حتى لا تريني؟‏
والعيونُ السارحاتُ على المدى دوماً تراك‏
رغبتي أن تلمحيني لحظةً‏
يا ليتَ رغبتَنا بأيدينا امتلاك‏
قولي ما ذنبي أنا ماذا سأفعل؟‏
إنْ علينا حكمُ ربّي..‏
– حكمُ ربي جلَّ عن أيِّ انتهاك -‏
سوف يبقى معشرُ الأحياء لا ترقى عيونُهمُ البليدةُ أن ترى
أبداً.. ملاك!!‏

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى