الشعر

قراءة نقدية..البنية اللغوية والشعرية المستحدثة في ديوان (مليون طريقة للغضب) للشاعر/ أشرف حسونة

قراءة نقدية..البنية اللغوية والشعرية المستحدثة
في ديوان (مليون طريقة للغضب)
للشاعر/ أشرف حسونة

بقلم / حسن غريب أحمد
كاتب وناقد

هذا الديوان العامي (مليون طريقة للغضب)، للشاعر (أشرف حسونة) ، الذي يشتمل على خمس وعشرين قصيدة باللهجة العامية المصرية وطبع في دار (وعد للنشر ) في عام 2012 ، الصادر عن فرع ثقافة شمال سيناء التابع لإقليم القناة وسيناء الثقافي ،وينتمي بكل جدارة إلى ما يمكن أن نسميه بأدب الثورات أو الأدب المواكب للثورات، وإن كانت القراءة المتأملة له يمكنها أن ترى عدداً من قصائده قد صيغت قبل ثورة25 يناير بفترات زمنيه مختلفة ، ويمكن ملاحظة ذلك تحديدا في قصيدة ( مليون طريقة للغضب ) وهي التي تحمل ذات عنوان الديوان ،و (معاك اسمي) و (الوهم هايم) وغيرها من القصائد .

و الخطاب الشعري يتخذ في هذا الديوان مستويات عدة ، تبعا لموضوعاته وما تفرضه من بنيات لغوية ونفسية وجمالية مختلفة ، وتبعا للحالة والموقف الشعري الذي يسيطر على الشاعر لحظة ميلاد القصيدة

* بنية الاستسلام والانتظار
وبرغم أن الديوان في مجمله يحتفي بالثورة ويستشرفها ويحلم بها ويتطلع إليها ، إلا أن أوجاع الذات الشخصية للشاعر تتضفر بهذا البعد الجمعي للمجتمع المصري الذي يعيش نبضاته وأحلامه كلبنة من لبنات نسيجه النفسي والروحي وربما تنطلق من الذاتية بقواسم مشتركة يجمعه بغيره من أبناء هذا الوطن في سعي دائم وحثيث نحو حلم وفرح لا يتحققان ومحفوفان بالكثير من المعاناة والمكابدة والألم كشبح يظهر ثم يتوارى في خجل

*تماما كما في قصيدته (مليون طريقة للغضب )التي يفتتح بها قصائد الديوان.

يفاجئنا الشاعر بلغة معجونة بهذه الروح المعذبة والمجهدة والمحبوسة في صراعه المرير بين ذكريات جارحة وأمل يزدان ، فعلى مستوي اللغة نجد حشدا كبيرا لمفردات قاسية في دلالتها النفسية ، فهو متردد أمام فعل الكتابة والجدوى من ورائه :- فيستحضرنا جميعا أمام حالة التمزق والضيق والألم الذي يعتصره

كلما هم بالكتابة أو همت به الكتابة
(عدوا الوريد_ سكنوا الجسد_ شايلين كفنهم بالأدب_ مليون طريقة للغضب _ بين العروق _ يتعذبوا يتوشوشوا _ تحت ليل الوش يحكوا _ كل همسة بتتخنق _ جوه زنزانة كفنهم _ خوف _ بيملا الدنيا خوف – سرهم مدفون معاه _ دمهم ملهوش تمن_ بس في شريان عنيد _ دمه محروق م الجليد _ لسه ماسك في الحدود _ لسه خايف م الهروب _ فكيت حروفه من الخيطان_ فيه لون رمادي_ شفته أبيض _ ايده مربوطة ف لسانه _ والسكات عمال ينقط_ جوه قلبي دم اسود_ نفسي اسمع نبض دمك .

اللغة إذن عنده تحمل عباءة ثقيلة من مشاعر الخوف والألم والتمزق وتوحي بالحالة والتركيبة النفسية للذات المبدعة وللقاسم المشترك بينه وبين أبناء شعبه الذي يحترف انتظار المقسوم الذي قد لا يجيء ، ويؤجل الفرح ويخشى الإفراط فيه . ويستسلم في رضوخ تام لقدره المحتوم.

كما تأتي الصورة الشعرية متسقة مع ذلك الجو الذي يشع من مفردات القصيدة وتراكيبها اللغوية الغارقة في الألم والحزن فنراه يميل في صوره إلى الكناية التي هي في جوهرها فن من فنون التلميح القولي وتزاوج بينه وبين التشبيه والاستعارة كما في قوله ( ايده مربوطة ف لسانه ) ( دمه محروق م الجليد ) ( دمهم مالوش تمن ) ( بيملا الدنيا خوف ) ( فيه لون رمادي ) ( والسكات عمال ينقط ).

والحقيقة أن الخطاب الشعري داخل هذه القصيدة _ وغيرها من القصائد التي يأتي تناولها تباعا _ لا يتعمد اصطناع الصورة و الإكثار منها ولا أن يكون مثقلا بالمحسنات البديعية بقدر ما يتعمد أن يكون تلقائيا ورشيقا في الوصول إلى غاياته الفكرية والنفسية
وليس ببعيد عن هذا الجو النفسي ما قدمه الشاعر في قصيدته ( معاك اسمي ) و( الوهم هايم).

ففي قصيدته ( معاك اسمي) يبدأ الخطاب الشعري بحالة استسلام صادمة.

دور يا زمان دوار _ وارجع لي من تاني _ كتر خيرك يا دنيا .

كتر الف خيرك _ ليه يا زمن واقف ؟ _ تتحدى ف الغلبان _ ابو مزلقان مقفول _ نفسه يعدي السور _ ولا يدسوش مجنون.

انه استسلام كاستسلام الموتى لا إرادة لأصحابه ولا طاقة لهم بدفعه عنهم ، فهذا الحشد والتكثيف لكل مشاهد الحزن والألم بمفرداته وصوره أنما يأتي كمقدمه وإرهاص لليل المظلم الذي يسبق الفجر المنير، للحلم الذي لا يتحقق منذ زمن بعيد وربما شعر الشاعر باقترابه ودنوه منهم ، ولا يجد الشاعر في ذلك الوقت طريقا يشير عليه ويومئ به غير الأمل والرجاء باعتباره جامع الأمة وموحدها
طالع علي كتافي _ دافع تمن غلبي _ شاري دموع دمي _ لساك كده راضي ..

دور يا زمن واجري _ وهات معاك اسمي
وهو هنا كما في القصيدة السابقة يميل في خطابه الشعري إلى حشد الألفاظ والتراكيب والصور الموحية
بالحزن والقهر والألم والاستسلام ولا يرى مخرجا من هذه الحالة إلا من خلال انتظار المقسوم مرة والمكتوب مر أخري ، ولأنه فقد الثقة في وجود رغبة جادة في الخلاص فإنه ينتظر تلك الحلول القدرية التي تأتي بسعي أقل (وهو الرجاء) وبإرادة إلهية أكبر ( وهي التمني).

غير أنه في قصيدته( أمانة ص45) يبدو أكثر تصميما على إرادة الفعل من الاستكانة والرضا بالرجاء ، ويبدو الخطاب الشعري منولوجا ( دراميا ) بين الشاعر والوطن ( في صورة المحبوبة ) ويتجه إلى تبني اتهاما كلاسيكيا للوطن بإقصاء أبنائه المخلصين . تماما كما تفعل المحبوبة التي تجحد أشواق عاشقها .

ولكنه خطاب شعري ثري بالتساؤلات المدهشة على الرغم من غرقه في السمات الأسلوبية السابقة ، لكنه يتحلل منها في لمحة تفاؤل خاطفة في آخر القصيدة إيذاناً باقتراب لحظة الخلاص ( حافضل صاحبها وسرها حافضل أأدي فرضها.

* بنية الرفض والتمرد
هذه المرحلة إن جاز إن نسميها بذلك تسلمنا لمرحلة جديدة في هذا الديوان كتحول تدريجي من مرحلة الاستسلام والخضوع إلى مرحلة الرفض والتمرد وتتمثل في قصائد عديدة داخل الديوان كقصيدة ( النجاة و ( ونس الفرقة ) و ( بطش الغدر )
و( يجرى ايه؟!) و ( طعم النار ).

وفيها يفاجئنا الشاعر أشرف حسونة بأنه كره رداء الخنوع والاستسلام وإنه عازما على التحول لحالة الرفض والتمرد على سلطان الشائع والمألوف الذي كبله وكبل شعبه في قيود الذل والهوان ، فتختلف تبعا لذلك البنية الشعرية وتنفتح على خطاب شعري يعكس إصرارا وتحديا للقهر والخزي وتشع مفرداته وصوره بكثير من الإرادة والتفاؤل كما هو الحال في قصيدة (دمعة وحيدة) في ثلاث مقاطع :_
دمعة وحيدة فضلت تغازل طرحة هوايا _ قدرت ترفرف فوق الوجيعة_ قريبة وبعيدة _ بتطلع بتشكي بتحكي تصدق تكدب _ هي اليتيمة هي العزيزة هي الوحيدة..

قدرت تقول تصبر تنول _ تعرف صحابها وقت الهموم _ تأدي واجبها في لحظة صفاء
هنا نلحظ لغة جديدة وتراكيب مختلفة ومفردات تعكس إصرارا وتحديا كبيرين فالمفردات والصور الشعرية لا تنفصل عن الحالة النفسية لتلك النصوص بل تفسرها وتصبح جوادا يمطيه الشاعر ليصل إلى ما يريد.

وفي قصيدة ( عشقي لنفسي ) يستمر نفس الخطاب الشعري في تبني لغة متفائلة بشوشة برغم المخاوف النفسية المألوفة التي طغت على المحور الأول من الديوان ، فالرغبة في الانعتاق والخلاص واضحة وجلية داخل نفس الشاعر وهو يستنهض بها الهمم ويبشرها باقتراب لحظة الإشراق والنور :-
وردة حلوة تلم الحبايب _ ريحة جميلة تعدي الكون _ ناقصها حبيب يكون مجنون
برغم أنه لا يخفي مخاوفه المشروعة في مصارحة ومكاشفة مع نفسه :
ومع ضميرنا الجمعي في تساؤلات مدهشة وملحة
عشقي لنفسي بداية ظلام بمليون لون ملهاش شكل
.ملهاش اسم عشقي لنفسي

إلا أنها تأكيدات شعرية لا تبحث عن جواب بقدر ما تطرح حالة من الرفض والاستنكار والاندهاش والتعجب .من تلك التركيبة النفسية المتجزرة داخل الشخصية المصرية و المتمثلة الرضوخ و الخنوع والاستسلام للقهر والظلم دون الرغبة في الخروج عليه ورفضه.

ويستمر تدفق هذه البنية اللغوية والشعرية في قصيدته ( بكت عيون الحجر (
فتافيت بتصرخ ألم _ يجيها الطير يحنيها
_ يهنن فيها بجناحه _ يواسيها بضحكاته _
وهيه زي ما هيا .. _ وجواها الألم يحفر _
ويكتب في العروق اسمه … _ خربش في قلبي الموت لما نسيت رسمه.

هذا الخطاب الشعري الرافض والمتمرد يعززه الشاعر بالكثير من المحفزات العقلية كما سبق وطرحنا من تساؤلاته المتلاحقة التي لا يطلب الإجابة عليها ومن تراكيبها وصورها التبشيعية لحالة الاستسلام وتعززه أيضا باستلهامها للمفردات البيئية باعتبارها قاسما مشتركا بيننا جميعا كما في قصيدته ( بطش الغدر)
يابن بهية اتأني شوية _ واعرف انت ضحية مين _ قبل ما تقتل ابني وابنك _ قبل ما ينزف دمي في قلبك .

*بنية التحدي والنصر
هنا ينتقل الشاعر إلى مرحلة جديدة كتب فيها قصائده مع الثورة وبعدها ونلاحظ في خطابه الشعري أن التحدي ممتزج بفرحة النصر وهي دائما تستخدم تقنية العودة للخلف (الفلاش باك) لاستحضار المشاهد المحزنة في فترات الاستسلام والخضوع ليظهر روعة ما تحقق من انجاز على يد الثورة التي وحدتنا جميعا بعد شتات ، وجعلت كل منا يدرك أن همومه ما هي إلا جزء صغير في هرم هموم هذا الوطن ، وأنه لا خلاص لنا إلا بخلاص محبوبتنا مصر من قيدها الذي طال عليه الأمد ففي قصيدتها ( مليون طريقة للغضب ).

تبدو سمات هذا الخطاب الشعري واضحة :
عدو الوريد ..سكنوا الجسد _ شايلين كفنهم بالأدب ..مليون طريقة للغضب _ بين العروق يتعذبوا يتوشوشوا _ تحت ليل الوش يحكوا _ كل همسة بتتخنق _ جوه زنزانة كفنهم ….._ خوف بيملا الدنيا خوف _ سرهم مدفون معاه _ دمهم ملهوش تمن _ بس فيه شريان عنيد _ دمه محروق م الجليد _ لسه خايف م الهروب).

ويستمر بنفس البنية في قصيدة ( يجري ايه ؟)
لو كلنا ف نوبة ندم _ ارتمينا ف حضن بعض _ لو نسيب السكة تمشي حسوا بالحب اللي فيها _
مدوا دواكم للوجع _ الحلم عمال يتحرق..
هنا تسيطر أيضا الغنائية برشاقتها على الخطاب الشعري كإحدي سمات حالة الفرح التي يوحي بها النصر في تحقق الحلم بنجاح الثورة ، هذا الحلم وهذا الفرح الذي ما تحقق إلا بانصهار الكل في واحد ، وبذوبان أحزاننا جميعا في حزن واحد هو حزن الوطن ، وكأن الإحساس بالحزن هو السعي الدائم نحو الفرح كما في قصيدة (نقطة في بحر)

و( دنيا العبر ) الذي يقول فيها :-
صراع الموج طافح لشوشته _ راشش نهاية قليلة في دنيا العبر _ شكل الشوارع تحت السيول .._ منظر طبيعي لصيد الصدف ونهب الصور _ شالت طرحتها قالت بتاعتي خلعتها ليك _ .. عشان تشوفني أحسن من كده.

وفي هذه المرحلة من عمر الديوان يعاود الأحزان مرة أخري ظهورها داخل الخطاب الشعري ، فهي أحزان ومخاوف مشروعة من عدم اكتمال الثورة ومن خيانة المتربصين بها، هؤلاء الذين يشعلون الفتنه ويؤججون نارها بين أبناء الشعب الواحد ، ويختلقون العراقيل.

في وجه التيار الثوري ويظهر هذا واضحا في قصيدة ( ياللي أنت راكن ع الكلام) :_
ياللي أنت راكن ع الكلام فين حكاوي قعدتك _ وأنت لابس قوتك _ .. وأنت بتصحي القنال _ وف عينيك ضي الشروق _ ياللي أنت ناسي افتكر _ احنا أبطال السلام.

لا يمكن أن نتجاهل إذن تلك البنية الثالثة للقصيدة والتي تجيء كنتيجة للبنيات الشعرية السابقة عليها في تطور منطقي وفني مقبول ونلاحظ ذلك في اللغة والصورة المعجونة بالتحدي والنصر المشوب بالخوف في بعض الأحيان ، على أن الشاعر لازال يحافظ على سمات عامة لإبداعه داخل كل هذه المراحل والبنى المتدرجة داخل قصائده ، أهمها أنه لا يتعسف في اصطناع صورته ويأتي تراكيبه اللغوية تلقائية وبلا أي افتعال .. وإن كانت في بعض الأحيان وهي قليلة تأتي بلفظة فصحي داخل سياق قصيدته العامية .

* بنية التمزق والاغتراب في عالمنا المعاش
والديوان يعبر في مجمله عن تجربة واحدة بأصوات مختلفة ومتنوعة وتبعا لحالة وميقات كل قصيدة ، إلا أن هناك بعض القصائد التي بثها شاعرنا في تضاعيف ديوانه تعبر عن تجربة خاصة تحمل ولاشك قواسم مشتركة مع غيره من القراء وتعبر عن حالة من الغربة والاغتراب داخل واقنعا المعاش وتتسم بنزوعه نحو رومانسية جديدة ربما كانت أقرب للواقعية السحرية فهو يقتحم موضوعا ربما لا يكون بطله الأول لكنه يعايشه ويرقبه بحسه الشعري فعالمنا اليوم يتجه إلى نزعة الاستهلاكية حتى في مشاعره وأحاسيسه فالحب أصبح خداع كاذب والحبيب صار مخادعا يرى في الحب نزوة أو تسليه ولا يتحمل مسؤولياته تجاه من يحب ، فيفرض ذلك صراعا قاسيا على النفس بين رغبته في ترك مشاعره تنمو في حديقة الحب وبين عقله المدرك لفشل تلك التجربة من بدايتها وتتجسد تلك المرحلة في قصائد (الوهم هايم) و (باعوا ص35 و ( كان لازم أحب)ومن الأخيرة نقرأ :-
(زي كل اتنين ضعاف _ كل قوتهم مشاعر _ صدقوها وهي خايفة _ تنكشف يوم الزفاف )

وفي قصيدة (مالكشي حبيب)، تستمر تلك العلاقة المتوترة مع الحبيب الخادع والمخادع :-
مالكشي حبيب طبعك قلبك اللي فاضلك _تجرح بايديك شريان غلاب وكفاية عذاب _ لو كنت هتقدر تنساني أنا هدعيلك الله يعينك _ تبعتلي تقول انك نادم الله يهديك ).

وتستمر أيضا نفس الإشكالية في قصيدة (مهما تبعد) يقول :-
مهما تبعد ولا تعند _ مش راح ارجع الا بيها _ قربت منها وقدرت أقرب _ ماقدرش قلبي يبعد ويهرب .

هذه المعاناة و هذا الصراع المتجسد في هذه القصائد الثلاث يقود شاعرنا إلى طرح رؤيته العامة ونظرته الشاملة للكون والحياة من حوله في رؤية ربما تكون مثقلة بالمواجع والهموم لكنها تحمل قيما سامية ونبلا شامخا وتتجسد تلك الرؤية في قصائده (بصي فيا اتأكدي ) و (اشهد لك ياما ) و ( هلي يا شمس النيل).

والقصيدة الأخيرة تعبر أصدق تعبير عن رؤيتها وفلسفتها للحياة التي لا تخلو من ألم وحيرة لكنها لا تلبث أن تلوذ بإيمانها الراسخ بأننا نسلم الحياة لغيرنا كما تسلمناها ممن قبلنا في واقعية صادمة لعدم تحقيق الأمنيات لسيناء من دخول القطار لها ونهر النيل ، فيقول :-

هلي يا شمس النيل ع الرمل والنخيل _ دي عروسة مالها مثيل وعريسها نهر النيل_ صفر يا قطر بهية جاية المحطة علي _ فوق القنال هدي صفر هنا الكوبري _ خليه يقوم بدري ده حب سينا اصيل …….. _ دي عروسة مالها مثيل وعريسها نهر النيل _ هلي يا شمس النيل ع الرمل والنخيل ) .

لأول مرة عبر قصائد هذا الديوان أقف مشدوها ومنبهرا أمام هذا الحشد من الصور الجديدة والمبتكرة والمعبرة في عمق عن مأساة هذا الإنسان الذي يجسدنا جميعا بأمنيات لم تتحقق بعد لسيناء الحبيبة،
ثم تأتي الخاتمة قوية ومعبرة عن ذات كبيرة وسامقة في اعتداد بذاته الشاعر الذي يكتب بنبض وريده ودمائه الحارة فتكون قصيدة ( لسه ما وصلتش لنفسي فيقول :

كنت حاسس اني راجع قبل ما اوصل _ ماعلش حساب لقمة العيش اللي خافت تتبلع _ لو ايد طالتها _ يمكن لاني كنت خايف _ اكتشف معني الحقيقة _ او تاخدني خطوة _ راجعة من البداية_ يمكن لني في النهاية بسمع كلامي _ زي موج غرقان في صخر _ زي نجمة في عز الضهر) .

هكذا يستمر الشاعر في صنع الدهشة عندما يستخدم سياقا مبتورا أو يستخدم تقنية الإيجاز بالحذف مثل
مثل تسميته للقصيدة لسه موصلتش لنفسي … (لأي شيء هو لم يصل ؟ ) وحينما يجيب يصيبنا بالدهشة أكثر
اكتشفت معني الحقيقة
او تاخدني خطوة
راجعة تاني من البداية

هذه سخرية مريرة من رؤية الشاعر للأدب بأنه كلام ثمين بالنسبة له لكن لمن لا يتذوقه فهو لا يشتمل على ثمار نشوتهم التي لا تبرح أن تكون زلات ونزوات واحتمالات . هكذا أبدع الشاعر (أشرف حسونة)، في حشد الصور الرائعة المبتكرة في هذه القصيدة والتي تسبقها.

وطرح رؤية مغايرة لواقعنا لا تخلو من سخرية حكيمة وبناءة في محاولة منه لحثنا على إعادة قراءة مشاهد حياتنا اليومية بشكل يتناسب مع احترامنا لقيمنا وثوابتنا ومقدساتنا العقلية والروحية.

ولا يسعني إلا أن أقدم للشاعر (أشرف حسونة) باقة ورد عطرة على هذه التجربة الثرية وأمنيات خالصة بمزيد من الإبداع والتميز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى