ثقافات

قراءة في فيلم "دم النخيل" بقلم المخرج محمد شامية

قراءة في فيلم “دم النخيل” بقلم المخرج محمد شامية

حادثة تدمر الشنيعة لا يمكن تجاهلها فعلا، وما جرى هناك على أيدي التنظيم الارهابي داعش يجب ان يوثق وخاصة اذا كانت الضحية قامة كخالد الأسعد فكان فلم دم النخيل فاضحا لما جرى هناك من سعي للاستيلاء على الاثار لجلب التمويل لتلك التنظيمات ومسطرا لملاحم البطولة والتضحيات للجنود البواسل الذين قضوا دفاعا عن نقاط تمركزهم .
_ بطء وارتباك وتيرة الايقاع لأحداث الحكاية، والتي تعاني أصلا من شح كمي نسبيا، أثر على عملية الدفع للامام والتطور، بوصفها عملية تتابعية تسير بسمت ومسافة مدروسين، وخاصة تلك المشاهد المرتبطة منها ارتباط وثيق بالمغزى، فسعت اللعبة الفنية المرئية لتسد مسده بذكاء،
والمتمثلة باقحام شخصية زنوبيا بين الفينة والأخرى بالموازاة، وبعض اللمسات هنا وهناك .. كظهور ظل انهيار هيكل سليمان على الجدار بين الأمير الداعشي وخالد الأسعد بعد خوضهما حوار أقرب منه للخطاب، وبالرغم من ذلك لم يرتقي هذا المعادل الذكي، والجميل الآسر لمستوى الاستحواذ على انتباه المشاهد،
بحيث لا يغلب لديه الظاهري على الجوهري بالاستناد على ما يراه، دون ان يقوده لتأويل معين . _ تستخدم الحوارات بالفلم لغة الاسقاط التاريخي، والسياسي والايديولوجي المناطقي وحتى المرحلي، لكنها تفتقر الى التكثيف اللازم بما يترك مساحة للسؤال والتأمل، وحتى فسحة لاستكمال اللغة السينمائية المطلوبة المستخدمة باللقطة،
فمثلت باستمرار فجوة بمنطقها التلقيمي المطول، مما يضيق أمام الصورة حيز الامتزاج بها واستنطاق صمتها، لانتاج كل إبداعي معقد يتجنب الخطابة والرتابة، ويعول من جهة على فطنة المشاهد . _تقديم الشخصيات لم يكن يراعي الصفة الابرز بكل شخصية أساسية، لجعلها مثبتة ومحط ترقب من قبل المشاهد، او على الاقل محط اقناع ! ..
من خلال التمهيد السليم لها، حيث ذهب الفيلم في مرحلة التمهيد الى التركيز، على مدى عمق الصداقة بين الجنود الذين تفرقوا منذ المشاهد الاولى، ولم تعد قصصهم مترابطة لاحقا باي شكل من الأشكال، ولا لهذه الصداقة فيما بينهم أصلا، اي انعكاس درامي يتداخل بشكل بحت مع اي حدث لاحقا،
على خلاف علاقات الجنود بآبائهم التي كانت أجدر للتوقف عندها، كونها المهيمن على محرك الحدث طيلة الفيلم، علما أن شخصنة حدث كهذا وصهره بالبوتقة الأسروية يحجم من قيمة العمل على مستويات معنوية أخرى، وعوضا عن ذلك تم هدر ذاك الوقت الثمين في مواقف كوميدية مقحمة، بغرض تقريب الشخصية من قلب المشاهد بأستسهال الادوات اللازمة لذلك .. فعلى سبيل المثال الشهامة التي يجب البرهنة عنها، وتعزيزها من خلال موقف ما بشخصية الجندي التدمري مثلا، لم يتم التنويه عنها كليا ..
بل ذهبنا للحديث عن بساطة وسذاجة هذا الجندي، الذي وجدناه لاحقا يدفن الاثار بعد ان تقطعت به السبل بالصحراء، ويواجه وحوش البراري ليلا بصدر مفتوح متمتما القصائد البطولية .. كونه جندي سوري لا يعني ذلك أنه بالمفهوم الجمعي بطل اسطوري او سوبر هيرو سلوكه مبرر اوتوماتيكيا !.. وكذلك شخصية الشيخ التدمري الواشي، شخصية غير واضحة أصلا بل وغير منطقية ! .. فهل هي شخصية تؤمن بالتنظيم الارهابي داعش فكرا وتوجها وعلى أساسه تم التعاون بينهما قبل دخولهم لتدمر؟! ام انه مجرد أب يضحي بسمعته وهيبته حفاظا على عرض بناته؟!
وحياة عائلته كما يثبت النص دائما من خلال حواراته، ثم نجده بين الفينة والأخرى يرتكب الخيانة وبيع الاثار للتنظيم وافعال الوشاية بحق الجميع طوعا وبدون ان يطلب احد منه ذلك . _ المساحة بين الوهمي والواقعي تشبه تماما المساحة بين السوريالي والمنطقي .. يمكنك في السينما استخدام الاثنين في مادة فلمية واحدة بلا شك لتحقق غرض جمالي معين، لكن لا يمكنك ان تمزج فيما بينها عبثا ! ..
ودون أدنى ضوابط تراعي السياق السردي المنتهج بالفلم ومستوى الاقناع الواجب الالتزام به، فعندما تجد الجندي الذي كان طيف زنوبيا من يعالجه ومن يتكئ عليه و .. و .. يوصي الجنود الذين وجدوه وحيدا ملقى في الصحراء، ألا يتركو المراة وحيدة هناك فيجزمون له بان ما من امراة أصلا !
وعندما يطرح جندي آخر سؤال فج على الشخص الذي آواه حول الشابة التي انزلت له طعاما لذيذا وأكل منه حتى شبع وهي امراة بالمواصفات الفلانية، والتبس عليه الامر ان كانت ابنته ام لا فينكر الرجل، ويقسم بانه اختلف مع عائلته في ذاك اليوم لانهم لم يطعمونه جيدا، فضلا عن فك زنوبيا لوثاق خالد الاسعد بالأسر للتخفيف عنه فيجده الارهابيين في اليوم التالي، ويصرخ احدهم :
فكيت حالك يا ختيار الجن ! لست أدري لماذا لم تفتح له باب الأسر طالما هي ماثلة وتحاول ان تكون فاعلة ماديا وكأننا امام محاولة مستميتة للنيل من هيبة اللعبة الفنية، ودون اي مبرر نقع فريسة الخلط المتنافر والغير مسؤول، فيسلب من قيمة الصورة لحساب معالجة نصية تنحى للكشف الاعتباطي لتسبيب ابهار ساذج وليس الدفع للاكتشاف والتأويل .
_ان نجحت بايصال المشاهد الى مرحلة التعاطف مع شخصياتك فقد اجتزت أكثر المهام تعقيدا وقوة بحكايتك، ويمكنك اعتبار ذلك مؤشر نجاح للطريقة التي أسست بها عتبتك، اما اللجوء الى استدرار العطف فهو ارخص واسهل ما يمكنك فعله، في سبيل اكساء النص جملة من المشاعر اللحظية التي تتلاشى بانتهاء المشهد،
كأن تستعرض مشهدا لجندي مطارد يكتب رسالة مطولة يتحدث فيه عن ذكريات الطفولة وعن رغبته بالموت بشرف ومفاخرته بأبيه و .. و .. ففي المشهد العظيم الذي يعثر به العقيد بالحوامة على الجندي المبتور الذراع في الصحراء، سترى بعيدا عن استخدام اي كلمة، دفق من العاطفة والمشاعر الجياشة جراء رحلة البحث المرير، امام خطورة الاصابة وخطر القبض عليه من قبل الارهابيين من جهة، وخطر سقوط الحوامة الغير مضمونة ميكانيكيا والتي يقودها العقيد الآمل بالعثور على ابنه ايضا، لكن الامر ينتهي بلغم يدوس عليه الجندي فينفجر رغم ثبوته وعدم تحركه ..
ان ما يفتقره هذا المشهد الرائع هو السعي لبلوغ الكمال به .. ماذا لو وقف الجندي على اللغم وأصر العقيد الاقتراب منه لكن الجندي يرفض مخاطرته بمساعدته، ويصر ان يبتعد قبل ان ينفجر اللغم ويصاب العقيد ايضا، وتتضرر الطائرة فيصعد العقيد بطائرته واثناء التحليق يحاول الجندي الابتسام له، ثم يحييه بذراعه المبتور فيبكي العقيد ويرد له التحية العسكرية من داخل قمرته،
لينفجر اللغم ونرى انعكاس ذراع الجندي الاخرى على زجاج القمرة، وهي تسبح مع اشلائه في الهواء وكانها تحييه .. ماذا لو أثر ذلك بالعقيد وعاد بمروحيته لموقع الأسر حيث يوجد ابنه، ليصبح شاهدا من الجو على لحظات اعدامه فيفتح النار من مروحيته ثم يسقط نفسه وسط جمع غفير منهم عند انتهاء الذخيرة به الأمير نفسه الذي امر باعدام ابنه ..
أليست هذه الرتوش كفيلة باثراء النص واشباعه بما يكفي ليست مكلفة صدقني مع وجود التقنية الحديثة ومخرج فذ كنجدت أنزور .. حتى المشهد الذي أصر به مساعد الطيار على مرافقة العقيد، ونهى الجدل بجملتين حول استعداده للمحاكمة العسكرية مقابل قراره وكأن العقيد مضطر للمجاملة والانصياع !
ألم يكن الأجدر ان يصدر العقيد امرا عسكريا خارج الطائرة، وعند محاولته الاقلاع يقذف مساعد الطيار بنفسه داخل الطائرة فيعيد العقيد ترديد الأمر ليرد مساعد الطيار عاصيا أمره : عند عودتنا انا مستعد لخوض محكمة عسكرية بتهمة مخالفة الاوامر، بدلا ان يجيبه كنادل في فندق خمس نجوم !
فيضطر العقيد لاصطحابه بسبب ضيق الوقت .. هكذا تنسج المشاهد ولا يجب على السينما السورية ان ترضى باقل من السعي للكمال وخاصة اذا كان هذا السعي ذو تكلفة فكرية فقط لا غير ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى