الدين والحياة

“فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ “. بقلم محمد سعيد أبوالنصر .

فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ .
محمد سعيد أبوالنصر .

مازلنا نتابع الحديث في رحاب القرآن الكريم ،يقول تعالى :{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) } .

هَذِهِ كَرَامَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِآدَمَ امْتَنَّ بِهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ، حَيْثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَحَادِيثُ -أَيْضًا-كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَحَدِيثُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: “رَبِّ، أَرِنِي آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا ونفسَه مِنَ الْجَنَّةِ”، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ قَالَ: “أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ”

وقوله {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ} أي اذكر يا محمد لقومك حين قلنا للملائكة و صيغة الجمع {وَإِذْ قُلْنَا} للتعظيم، وهي معطوفة على قوله {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} [البقرة: 30] وفيه التفات من الغائب إلى المتكلم لتربية وإظهار الجلالة.

{اسجدوا لأَدَمَ} قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} فكانت الطاعة لله، والسجدة أكر اللَّهُ آدَمَ بِهَا أَنْ أَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ.

{اسجدوا} أصل السجود: الانحناء لمن يُسجد له والتعظيم، وهو في اللغة: التذلل والخضوع .
وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض .

وكلمة{اسجدوا} أي سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة

وهذا يجعلنا نسأل ؟
كيف يصح السجود لغير الله؟
والجواب أن سجود الملائكة لآدم ،كَانَ سُجُودَ تَحِيَّةٍ وَسَلَامٍ وَإِكْرَامٍ، لا سجود صلاةٍ وعبادة،
قال الزمخشري: السجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت الملائكة لآدم، ويعقوب وأبناؤه ليوسف.

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَانَ هَذَا سُجُودُ تَحِيَّةٍ وَسَلَامٍ وَإِكْرَامٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يُوسُفَ: 100] وَقَدْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَلَكِنَّهُ نُسِخَ فِي مِلَّتِنَا.
قَالَ مُعَاذٌ أومعاوية : قَدِمْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَكَ، فَقَالَ: “لَا لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا” وَرَجَّحَهُ الرَّازِيُّ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَتِ السَّجْدَةُ لِلَّهِ وَآدَمُ قِبْلَةٌ فِيهَا كَمَا قَالَ: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الْإِسْرَاءِ: 78] وَفِي هَذَا التَّنْظِيرِ نَظَرٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَوْلَى، وَالسَّجْدَةَ لِآدَمَ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَسَلَامًا، وَهِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهَا امْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَوَّاهُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَضَعَّفَ مَا عَدَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَهُمَا كَوْنُهُ جُعِلَ قِبْلَةً إِذْ لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَرَفٌ، وَالْآخَرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّجُودِ الْخُضُوعُ لَا الِانْحِنَاءُ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ.

قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: “لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ”
وَقَدْ كَانَ فِي قَلْبِ إِبْلِيسَ مِنَ الْكِبْرِ -وَالْكُفْرِ -وَالْعِنَادِ مَا اقْتَضَى طَرْدَهُ وَإِبْعَادَهُ عَنْ جَنَابِ الرَّحْمَةِ وَحَضْرَةِ الْقُدْسِ؛ قَالَ بَعْضُ الْمُعْرِبِينَ: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ أَيْ: وَصَارَ مِنَ الْكَافِرِينَ بِسَبَبِ امْتِنَاعِهِ، كَمَا قَالَ: {فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هُودٍ: 43] وَقَالَ {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الْبَقَرَةِ: 35] وَقَالَ الشَّاعِرُ:

بِتَيْهَاءَ قَفْرٌ وَالْمَطِيُّ كَأَنَّهَا قَطَا الْحُزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخًا بُيُوضُهَا …
أَيْ: قَدْ صَارَتْ، وَقَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: تَقْدِيرُهُ: وَقَدْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَذَكَرَ هَاهُنَا مَسْأَلَةً فَقَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا مَنْ أَظْهَرَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ كَرَامَاتٍ وَخَوَارِقَ لِلْعَادَاتِ فَلَيْسَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى وِلَايَتِهِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ هَذَا لَفْظُهُ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا قَالَ: بِأَنَّا لَا نَقْطَعُ بِهَذَا الَّذِي جَرَى الْخَارِقُ عَلَى يَدَيْهِ أَنَّهُ يُوَافِي اللَّهَ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ لَا يَقْطَعُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ، يَعْنِي وَالْوَلِيُّ الَّذِي يُقْطَعُ لَهُ بِذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْخَارِقَ قَدْ يَكُونُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِ الْوَلِيِّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ عَلَى يَدِ الْفَاجِرِ وَالْكَافِرِ، أَيْضًا، بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ صَيَّادٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الدُّخُّ حِينَ خَبَّأَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدُّخَانِ: 10] ، وَبِمَا كَانَ يَصْدُرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَمْلَأُ الطَّرِيقَ إِذَا غَضِبَ حَتَّى ضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَبِمَا ثَبَتَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنِ الدَّجَّالِ بِمَا يَكُونُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَوَارِقِ الْكَثِيرَةِ مِنْ أَنَّهُ يَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض

{فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} أي سجدوا جميعاً له غير إبليس و{إِبْلِيسَ} اسم للشيطان وهو أعجمي، وقيل إنه مشتق من الإِبلاس وهو الإياس
{فَسَجَدُواْ} وقد أفادت الفاء في قوله {فَسَجَدُواْ} أنهم سارعوا في الامتثال ولم يتثبطوا فيه، وفي الآية إيجاز بالحذف أي فسجدوا له وكذلك {أبى} مفعوله محذوف أي أبى السجود.
{أبى واستكبر} أي امتنع مما أمر به وتكبر عنه ومعنى {أبى} امتنع، والإِباء: الامتناع مع التمكن من الفعل
{واستكبر} الاستكبار: التكبر والتعاظم في النفس

وَالْغَرَضُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ دَخَلَ إِبْلِيسُ فِي خِطَابِهِمْ؛ لِأَنَّهُ -وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عُنْصرهم -إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ تشَبَّه بِهِمْ وَتَوَسَّمَ بِأَفْعَالِهِمْ؛ فَلِهَذَا دَخَلَ فِي الْخِطَابِ لَهُمْ، وَذُمَّ فِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ.

وقَوْله تَعَالَى: {فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} حَسَدَ عَدُوُّ اللَّهِ إبليسُ آدمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَقَالَ: أَنَا ناريٌّ وَهَذَا طينيٌّ، وَكَانَ بَدْءُ الذُّنُوبِ الْكِبْرَ، اسْتَكْبَرَ عدوُّ اللَّهِ أَنْ يَسْجُدَ لِآدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
{وَكَانَ مِنَ الكافرين} أي صار بإبائه واستكباره من الكافرين حيث استقبح أمر الله بالسجود لآدم
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} مِنَ الَّذِينَ أَبَوْا، فَأَحْرَقَتْهُمُ النَّارُ.
و عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} يَعْنِي: مِنَ الْعَاصِينَ. .. وللحديث بقية.
الأستاذ الشيخ : محمد أبوالنصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى