الدين والحياة

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ بقلم محمد_أبوالنصر

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
بقلم محمد_أبوالنصر
قال تعالى {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } سورة البقرة الآيات (151-157)
جاءت هذه الآيات لتذكير المؤمنين بالنعم الجليلة والتشريعات الحكيمة التي بها سعادتهم في الدارين. قال تعالى {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ} الكلام متعلق بما سبق في قوله {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي} [البقرة: 150] والمعنى كما اتممت عليكم نعمتي كذلك أرسلت فيكم رسولاً منكم وقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ،
قال الزجاج: «كما» لا تصلح أن تكون جواباً لما قبلها، والأجود أن تكون معلقة بقوله: فَاذْكُرُونِي، وقد روي معناه عن عليّ، وابن عباس، ومجاهد، ومقاتل. والآية خطاب لمشركي العرب.
وبين كلمتي {أَرْسَلْنَا} و {رَسُولاً} جناس الاشتقاق وهو من المحسنات البديعية.{يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} أي يقرأ عليكم القرآن
{وَيُزَكِّيكُمْ} أي يطهركم من الشرك وقبيح الفعال
{وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب والحكمة}{الكتاب} القرآن العظيم {الحكمة} السنّة النبوية أي يعلمكم أحكام الكتاب المجيد، والسنة النبوية المطهرة
{وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} أي يعلمكم من أمور الدنيا والدين الشيء الكثير الذي لم تكونوا تعلمونه {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} جاء بعد قوله {وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب والحكمة} هو من باب ذكر العام بعد الخاص لإِفادة الشمول ويسمى هذا في البلاغة ب (الإِطناب) .
{فاذكروني أَذْكُرْكُمْ}{فاذكروني} أصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور، وسُمّي الذكر باللسان ذكراً لأنه علامة على الذكر القلبي
أي اذكروني بالعبادة والطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة قال ابن عباس، وابن جبير: اذكروني بطاعتي أذكرْكم بمغفرتي. وقال إبراهيم بن السري: كما أنعمت عليكم بالرسالة، فاذكروني بتوحيدي وتصديق نبيي.
قال: فان قيل: كيف يكون جواب: كَما أَرْسَلْنا فَاذْكُرُونِي، فان قوله: فَاذْكُرُونِي أمر، وقوله: أَذْكُرْكُمْ جزاؤه فالجواب: أن المعنى: إن تذكروني أذكركم.
{واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} أي اشكروا نعمتي عليكم ولا تكفروها بالجحود والعصيان، وقوله تعالى: وَاشْكُرُوا لِي، الشكر: الاعتراف بحق المنعم، مع الثناء عليه.
روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: «تذكرني ولا تنساني، فإِذا ذكرتني فقد شكرتني، وإِذا نسيتني فقد كفرتني»
ثم نادى تبارك وتعالى عباده المؤمنين بلفظ الإِيمان ليستنهض هممهم إِلى امتثال الأوامر الإِلهية، وهو النداء الثاني الذي جاء في هذه السورة الكريمة فقال {يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاة} أي استعينوا على أمور دنياكم وآخرتكم بالصبر والصلاة فالبصبر تنالون كل فضيلة، وبالصلاة تنتهون عن كل رذيلة
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ.
قيل في سبب نزولها: أن المشركين قالوا:
سيرجع محمد إلى ديننا، كما رجع إلى قبلتنا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. وقال ابن عباس: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على أداء الفرائض، وبالصّلاة، وقد سبق الكلام في الصبر، وبيان الاستعانة به وبالصّلاة.
{إِنَّ الله مَعَ الصابرين} أي معهم بالنصر والمعونة والحفظ والتأييد
{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ} أي لا تقولوا للشهداء إنهم أموات
سبب نزولها: أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأُحد: مات فلان ببدر، مات فلان بأحد، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس. قال المحقق :ذكره السيوطي في «الدر» 1/ 271 ونسبه للثعلبي من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس، وما قبل ابن عباس سلسلة الكذب.
ورفع الأموات بإضمار مكنى من أسمائهم، أي: لا تقولوا: هم أموات، ذكر نحوه الفراء.
فان قيل: فنحن نراهم موتى، فما وجه النهي؟ فالجواب أن المعنى: لا تقولوا: هم أموات لا تصل أرواحهم إلى الجنات، ولا تنال من تحف الله ما لا يناله الأحياء، بل هم أحياء، أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، فهم أحياء من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتاً من جهة خروج الأرواح ذكره ابن الأنباري.
فان قيل: أليس جميع المؤمنين منعّمين بعد موتهم؟ فلم خصصتم الشهداء؟ فالجواب: أن الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم مرزوقون من مطاعم الجنة ومآكلها، وغيرهم منعم بما دون ذلك، ذكره ابن جرير الطّبريّ.
{بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} أي بل هم أحياءً عند ربهم يرزقون ولكن لا تشعرون بذلك لأنهم في حياةٍ برزخية أسمي من هذه الحياة
{أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} فيه إيجاز بالحذف أي لا تقولوا هم أموات بل هم أحياء (وبينهما طباق)
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات} {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أصل البلاء المحنة، ثم قد يكون بالخير أو بالشر {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير} [الأنبياء: 35] التنكير في قوله {بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف} للتقليل أي بشيء قليل.
أي ولنختبرنكم بشيءٍ يسير من ألوان البلاء مثل الخوف والجوع، وذهاب بعض الأموال، وموت بعض الأحباب، وضياع بعض الزروع والثمار
قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ. [سورة البقرة (2) : الآيات 155) قال الفراء: «من» تدل على أن لكل صنف منها شيئاً مضمراً، فتقديره: بشيء من الخوف، وشيء من الجوع، وشيء من نقص الأموال.
وفيمن أُريد بهذه الآية أربعة أقوال:
أحدها: أنهم أصحاب النبي خاصة، قاله عطاء.
والثاني: أنهم أهل مكة.
والثالث: أن هذا يكون في آخر الزمان. قال كعب: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة.
والرابع: أن الآية على عمومها.
فأما الخوف فقال ابن عباس: وهو الفزع في القتال. والجوع: المجاعة التي أصابت أهل مكة سبع سنين. ونقص من الأموال: ذهاب أموالهم، والأنفس بالموت والقتل الذي نزل بهم، والثمرات لم تخرج كما كانت تخرج. وحكى أبو سليمان الدمشقي عن بعض أهل العلم: أن الخوف في الجهاد والجوع في فرض الصوم،
ونقص الأموال: ما فرض فيها من الزكاة والحج ونحو ذلك. والأنفس: ما يستشهد منها في القتال، والثمرات: ما فرض فيها من الصدقات. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ على هذه البلاوي بالجنة.
واعلم أنه إنما أخبرهم بما سيصيبهم، ليوطنوا أنفسهم على الصبر، فيكون ذلك أبعد لهم من الجزع.
{وَبَشِّرِ الصابرين} أي بشر الصابرين على المصائب والبلايا بجنات النعيم
ثم بيّن تعالى تعريف الصابرين بقوله {الذين إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} أي نزل بهم كرب أو بلاء أو مكروه وكلمة {مُّصِيبَةٌ} المصيبة: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه في نفسه أو ماله أو ولده
روي عن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنه قال: «ما أصابتني مصيبة إِلا وجدتُ فيها ثلاث نعم: الأولى: أنها لم تكن في ديني، الثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة: أن الله يجازي عليها الجزاء الكبير ثم تلا قوله تعالى: {أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون} » .
{قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أي استرجعوا وأقروا بأنهم عبيد الله يفعل بهم ما يشاء قالُوا إِنَّا لِلَّهِ، يريدون: نحن عبيده يفعل بنا ما يشاء،
وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، يريدون: نحن مقرّون بالبعث والجزاء على أعمالنا، والثواب على صبرنا.
قال سعيد بن جبير: لقد أُعطيتْ هذه الأمة عند المصيبة شيئاً لم يعطه الأنبياء قبلهم الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ. ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب، إِذ يقول: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ يوسف: 84..
قال الفراء: وللعرب في المصيبة ثلاث لغات: مصيبة، ومصابة، ومصوبة، زعم الكسائي أنه سمع أعرابياً يقول: جبر الله مصوبتك.
{أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون}{صَلَوَاتٌ} الأصل في الصلاة الدعاء وهي من الله بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار.
أي أولئك الموصوفون بما ذكر لهم ثناء وتمجيد ورحمة من الله، وهم المهتدون إِلى طريق السعادة. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «إِذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون حَمِدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمُّوه بيتَ الحمد» .
و{صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} التنوين فيهما للتفخيم، والتعرض بعنوان الربوبية مع الإِضافة إِلى ضميرهم {رَّبِّهِمْ} لإِظهار مزيد العناية بهم.
قال سعيد بن جبير: الصلوات من الله: المغفرة،
و{هُمُ المهتدون} صيغة قصر وهو من نوع قصر الصفة على الموصوف.
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ بالاسترجاع. وقال عمر بن الخطاب: نعم العدلان، ونعمت العلاوة:
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) .
وللحديث بقية
#محمد_أبوالنصر
#في_رحاب_القرآن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى