تقارير وتحقيقات

( في رمضان ) .. تقديم : حجاج عبدالصمد

( في رمضان ) .. تقديم : حجاج عبدالصمد

تعرفوا على حكاية المسحراتي قديماً وحديثاً
ارتبطت هذه المهنة بالشهر الكريم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكان بلال بن رباح رضي الله عنه هو أول “مسحراتي” في التاريخ الإسلامي .. حيث كان يجوب الشوارع والطرقات لإيقاظ الناس للسحور بصوته العذب الذي كان يشدو طوال الليل وكان النبي يقول ” إن بلالًا ينادي بليل.. فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم “.
وكان ابن أم مكتوم هو الذي يتولى أذان الفجر ومنذ ذلك التاريخ أصبح المسحراتي مهنة رمضانية خالصة مرتبطة بالشهر الكريم . ولو انتقلنا إلي كتب التاريخ نجد روايات عدة عن المسحراتي .. والذي يُرجح البعض أنه بدأ يعرف طريقه إلى شوارع مصر في رمضان من عام 238 هجرية .. وأن أول من صاح به هو والي مصر أيامها عتبة بن اسحق .
وقد استهوت هذه الشخصية أحد المستشرقين وهو المستشرق الإنجليزي إدوارد لين الذي زار مصر مرتين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي .. وشغف شغفًا كبيرًا بعادات المصريين وتقاليدهم ودون ملاحظاته في كتابه المعروف باسم “المصريون المحدثون.. شمائلهم وعاداتهم”.

● المسحراتي في العصر الفاطمي :
كما ظهر دور ” المسحراتي” مرة أخرى فى العصر الفاطمي وذلك بأمر رسمي من الحاكم بأمر الله.. ولكن بشكل آخر.. حيث أمر جنوده بالذهاب إلى المنازل وإيقاظ الناس.. وذلك بعد أمرهم بالنوم مبكرا بعد صلاة التراويح .

● المسحراتي في عصر الدولة العباسية :
اما ” المسحراتي ” فى عصر الدولة العباسية يعتبر عتبة بن إسحاق أول الولاة وكان واليا على مصر.. أول من كانوا يسحرون الناس.. فكان يخرج بنفسه سيرا على قدميه لإيقاظ الناس مرددا ” يا عباد الله تسحروا فإن فى السحور بركة ” . ، ويخبط على أبوابهم بالعصا.. بينما كان أهل الشام.. يطفون المنازل ويعزفون الأناشيد وينشدون الأناشيد الخاصة برمضان لإيقاظ الناس.
وحكاية ” المسحراتي” وفي العصر العباسي كان المسحراتي ينشد شعرًا شعبيًا يسمى “القوما” طوال ليالي رمضان، وربما كان ذلك عائدًا لازدهار فن الشعر في ذلك العصر. أما بداية ظهور الإيقاع أو الطبلة في يد المسحراتي فكانت في مصر، حيث كان المسحراتي يجوب شوارع القاهرة وأزقتها وهو يحمل طبلة صغيرة ويدق عليها بقطعة من الجلد أو الخشب، وغالبًا ما كان يصاحبه طفل صغير أو طفلة ممسكة بمصباح لتضيء له الطريق وهو يردد نداءاته المميزة “اصحى يا نايم وحد الدايم” أو ينطق بالشهادتين بصوت أقرب الى التنغيم منه إلى الحديث العادي ثم يقول “أسعد الله لياليك يا فلان”.

● المسحراتي في عصر المماليك :
أما “المسحراتي” في عصر المماليك فقد ظهر “ابن نقطة”، شيخ طائفة المسحراتية والمسحراتي الخاص بالسلطان الناصر محمد وهو مخترع فن ” القوما ” .، وهى من أشكال التسابيح ثم انتشرت بعد ذلك مهنة المسحراتي بالطبلة التي كان يُدق عليها دقات منتظمة بدلًا من استخدام العصا.

● المسحراتي في مصر الحديثة :
وحكاية “المسحراتي” وإذا مررنا بمصر الحديثة لا تخفي علينا كلمات الموسيقار الراحل عمار التشريعي في برنامجه “المسحراتي” .، الذي كان يُقدمه في التليفزيون المصري.. وكانت من أبرز المقطوعات التي ارتبطت بمهنة المسحراتي “مسحراتي مصر البهية.. اصحى وصبّح رب البرية.. مشيت أرتّل وأنشد وأجوّد.. وصوتي يجري بين النواصي.. اصحى يا نايم”.
ولا ننسى ان نتكلم عن شخصية “المسحراتي” بشكل أوسع التي ترسخ في الذاكرة صوت الشيخ “سيد مكاوي” الذي أبدع في تقديم المسحراتي مع الشاعر فؤاد حداد الذي صاغها شعرًا.. وظل يقدم المسحراتي بالأسلوب نفسه حتى وفاته.. وهو أسلوب على بساطته الشديدة يعد بصمة فنية مهمة في الكلمات.. كما كان لسيد مكاوي الفضل في وضع أساس لحني خاص لتقديم المسحراتي: “اصحى يا نايم وحد الدايم وقول نويت بكره.. إن حييت الشهر صايم والفجر قايم ..اصحَى يا نايم وحد الرزاق رمضان كريم” .
كما ان رمضان دون فانوس.. كذلك فإنه لا طعم لرمضان دون المسحراتي.. ذلك الرجل الذي يجوب مُختلف أرجاء المحروسة سائرًا على قدميه لتنبيه المسلمين بوقت السحور.. ورغم الحياة العصرية الحديثة من وسائل إعلام وسهر حتى الصباح فإن المسحراتي لا يزال يمر في شوارع وحواري وأزقة القاهرة، يجود عليه المحسنون في نهاية الشهر الفضيل بما تجود به أنفسهم .
ولما انتقل المسحراتي للتليفزيون أصبح هو مسك الختام للإرسال التليفزيوني في رمضان عندما كان الإرسال ينتهي في منتصف الليل.. أما الآن.. ومع امتداد ساعات الإرسال طوال الـ24 ساعة.. وعادة المصريين وحبهم للسهر في ليالي رمضان.. اختفى الدور الحقيقي للمسحراتي في بعض الشوارع .. ولكنه رغم ذلك سيظل مظهرًا رمضانيًا وتقليدًا لا غنى عنه للمصريين في عصر التليفزيون والفضائيات.
ومن المعلوم بانه لم يعاصر الجيل الحالى “المسحراتي”، وهو الرجل الذى يسير فجرا فى الشوارع ويقرع على الطبلة وينادى على الناس .. ولاسيما الأطفال بأسمائهم لإيقاظهم من النوم وتناول السحور فى رمضان.. لذا يحاول العديد من الناس وتحديدًا صغار السن للبقاء مستيقظين لسماع المسحراتي ينادى أسمائهم .. بالإضافة إلى ذلك يؤدى “المسحراتي” التواشيح والأناشيد الدينية .. بينما يجوب الشوارع والحارات ليواصل مسيرته ويلتف حوله الأطفال.

● المسحراتي عادة رمضانية من التراث :
ان هذا المشهد الغائب الآن من مدننا فى الوقت الحالى .. يتواصل ولو على استحياء فى بعض المناطق بالقرى والنجوع فى مصر.. وقد خلد التليفزيون شخصية ” المسحراتى” عن طريق الفنان الراحل سيد مكاوى .. والذى تعاون مع الشاعر الكبير فؤاد حداد لتقديم تلك الشخصية التراثية فى رمضان.. بينما كان المصريون يتناولون السحور على موائدهم على الأشعار والألحان والصوت الجميل .

” المسحراتي” الذي كان يبدأ جولاته عادة بعد منتصف الليل مُمسكًا بشماله بطبلة صغيرة وبيمينه بعصا صغيرة أو قطعة جلد غليظ، وبصحبته غلام صغير يحمل مصباحًا أو قنديلًا يضيء له الطريق.. ويأخذ المسحراتي في الضرب على الطبلة ثلاثًا ثم ينشد أناشيد ينادي فيها صاحب البيت وأفراد أسرته فردًا فردًا ما عدا النساء .. ويردد أيضًا أثناء تجواله على إيقاع الطبلة كثيرًا من القصص والمعجزات والبطولات الإسلامية عبر التاريخ” .

كما استطاعت التقنيات الحديثة بما تحمله في طياتها من ” وسائل إعلام وغيرها من الوسائل التكنولوجية ” أن تجعل من ” المسحراتي ” عادة رمضانية تتوارثها الأجيال ويتعاقب عليها المريدون ممن يجدون فيها رونقًا روحانيًا كبيرًا وشغفًا لا مثيل له.. إلى مُجرد فن ومقطوعات تُذاع سواء على الراديو أو في التليفزيون.. وأصبحت مثل الكثير من مظاهر التراث التي آن لها أن تندثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى