تقارير وتحقيقات

في ذكرى استشهاد علي بن ابي طالب "٢١ رمضان " والمجتمع اسئلة على التاريخ اجابتها

في ذكرى استشهاد علي بن ابي طالب “٢١ رمضان ” والمجتمع اسئلة على التاريخ اجابتها
سيدمحمد الياسري
من أغرب ما يثار ان في هذا الزمان يوجد من يبغضه ، والغريب في انك تسأله فيقول : لا أبغضه ، هذه النقطة اردت ان اثيرها في البداية أمنية مني ان لا يصل بالمبغضين حظري هذا العام من بعض الصحف ، ومازلت اكرر بعض الصحف ولا اذكر أسماء هذه او تلك الصحيفة ولاسيما فيهن مشهورات، ففي كل عام احظر من بعض الصحف والمجلات بسبب كتابة ( مقال ) او كلمة في يوم استشهاده نشرتها بكروب صحيفة او مجلة ( أعظم الله لكم الاجر باستشهاد امير المؤمنين )، حيث لم يأت بعده اميرا للمؤمنين !
السؤال : هل للعرب عقل في عهد علي بن ابي طالب اومنطق او استدالال معرفي؟
من الغريب في ذكرى استشهاده ، الاستدلال العقلي للمجتمع العربي حينها ، وتدل عليها سابقة ان العرب أصحاب فلسفة واستدلال ( استقراء ) ويحكّمون عقلهم لذا نرى ان علي بن ابي طالب خاطبهم بالعقل ، والاعجاز البلاغي في خطابه لهم كما ان في القرآن الكريم اعجاز في عصر الرسالة ، ولم نر أي تناقض في كلام علي بن ابي طالب الى يومنا هذا من حيث اللغة والمضمون والاستقراء والمنطق والفلسفة … الخ من العلوم ، وهم في كل الأحوال قوم ليس فيهم جهل ( بالمعنى عدم المعرفة ) والدليل ظهر منذ عصر النبوة فلو كانوا جهلاء ما استدلوا ببيضة وعش حمامة وخيط عنكبوت ، فلو كانوا جهلة لاقتحموا المكان ولم ينتبهوا الى هذه الأشياء او يبصروا فيها تبصر العاقل المستدل المستقريء ، الا ان الله أراد ان يثبت للأجيال ان اباءكم عقلاء واختاروا الدنيا لا اكثر ، وهنا ان الذين خالفوا علي بن ابي طالب عقلاء واختاروا الدنيا لا اكثر ودليل عقلهم ليس بيضة وخيط عنكبوت بل اعمق حين لبسوا الحق بالباطل ليس لانهم لم يروا الحق كما يصورهم بعض الكتاب بل لانهم أرادوا ان يتخذوا الدنيا ويبعيوا الاخرة ، فلهذا نرى ان الخلاف اليوم بالامة على فروع بسيطة وليس بالاصول، كما انه عميق جدا ، وكلما تعمق وابتعدوا عن الإسلام اتخذ مطية للحاكم والدين طينة ينشأها حسب مايراه في حكمه … وهذا ما قاتل عليه علي بن ابي طالب مكرها ، وتكلم عنه للبيان ، ولكن لابيان لمن كان البيان عنده واختار الضلال .
من سنة ١١ هجرية الى سنة ٣٦ هجرية أي ٢٥ سنة ، اين علي بن ابي طالب ؟
يرى بعض المؤرخون انه وزيرا رائدا او قائد الدولة من خفية ، في الشرع والاستشارة ، لكن السؤال لمن ذهب بهذا الرأي : لماذا لم يستلم قيادة الجيش وهو شاب يافع اذ يمكن ان يقدر بعمر ٢٩ الى ٣٢ عاما باستلام ابوبكر الخلافة ؟ هل كان علي طيلة ٢٥ عاما معزولا سياسيا وعسكريا وهو القائد الذي لم يهزم بحياته يوما ما في معركة ، وهو قائد الانتصارات في عهد الرسول ص ولايشك في ذلك احد ؟
علي بن ابي طالب الخليفة الوحيد الذي قاد جيوشه بنفسه والخليفة الوحيد الذي يبارز على مدى تاريخ الدولة الإسلامية ولم نجد خليفة في مقدمة الجنود ومعهم في نفس الصف بل امامهم الا علي بن ابي طالب ، فاذا كان خليفة وهو رأس هرم الدولة وهو يقاتل بالمقدمة ، فلماذا لم يقاتل في أي معركة كقائد او كجندي في ٢٥ عاما التي سبقت خلافته ؟
ما لم يجبه لنا التاريخ عن ٢٥ سنة ، لم يجب عن ( محيط ) هذه الشخصية العظيمة والاسطورة الحقيقية ، الا بما علق من مشاكل ، وانا أقول هنا التاريخ ليس ما يكتبه أصحابه وان كان ماكتبوه فهو في عداد الضحالة امام شخص ولد اعجازا ومات اعجازا وتكلم اعجازا ، واثار على مدى الأجيال نقطة مفصلية : علي مع الحق ! في ذات الوقت تفرقت الامة عن علي ونهشتها الأحزاب ، واصبح الدين لعبة من اجل كرسي ، حاول ان يعيده الا ان الحكم قصير وعلى الرغم من قصره اثار أسئلة على التاريخ ان يجيبها ولايصمت !
مما يثير العجب ، لماذا كانت معركة الجمل يقودها إمرأة ؟ هل أرادوا القادة المعارضين لعلي بن ابي طالب ، تسليم الخلافة لإمرأة : السيدة عائشة ( ام المؤمنين ) لم يكن فقها ولا شريعة ولايوجد استدلال واحد من جميع الصحابة ان الخلافة يمكن ان تكون لإمرأة ، فهل كانت عائشة مجبرة على ذلك ؟ ام كانت مقتنعة ان تقود تمردا على خليفة مبايع من جميع الناس وتمت له البيعة حتى من قادة التمرد ؟ فقد ذكر لنا التاريخ انها ترددت حينما سمعت باسم الجمل ! ثم غيروا اسمه تكذيبا عليها ، وتضليل ، ثم ترددت حين سمعت كلاب تنبح ، فضللوا عليها المكان ! هذا التردد جاء بصيص ام ان الحقيقة مختلفة وقد غطت الحياة السياسية التي تلت حكم علي بن ابي طالب وطمرت لنا حقائق حول السيدة عائشة !
من الغريب ان سيرة علي بن ابي طالب بعد استشهاده (تموع )كما تموع المادة ثم تدفن ، مع ان الجميع كان يشهد له ذلك فلماذا يسمعوا بعد رحيله انه يسب من حكم معاوية وحتى بداية حكم عمر بن عبدالعزيز ؟ والاغرب هل ان معاوية ومن بعده غايتهم بالشتم علي بن ابي طالب ام المجتمع ؟ نعم علي استشهد وانتهى امره وصار الحكم لبني أمية فلماذا الشتم ؟ وكيف يشتم صحابي وزوج ابنة رسول الله ص وقائده الذي لم يفارقه الى حين وفاته ؟ عجيب امر هذه الامة التي سكتت ؟ يظهر ان معاوية وغيره لم يقصد ( مع كرهه لعلي بن ابي طالب ) بالذات ان يذل هذه الشخصية لانه ادرى ان مثل علي لايذل بالشتيمة ، لكن الغاية هو ذل المجتمع الذي يسمع على مضض ويسكت ، انه اعلام للجبروت اعلام ان اعظم شخصية بعد رسول الله ص اسبها والا فاسكت أيها المجتمع الذليل .
بغض النظر عن الثورات التي قامت فانها كلها علوية او تنهض باسم علي بن ابي طالب ، لم تكن فاشلة فقد انتصرت اذ بقي هناك خطا ثاني يوضح ان ماهو قائم من حكم وقضاء مغاير للاسلام والحق .
الغريب من الأمر ان السلطة صارت في عهد علي بن ابي طالب مطمعا ومربحا ، لايمكن ان تكون في خارج اطار الإسلام فان فشل مسليمة وبعض المرتدين أعطت ارشادا للطامعين عليهم ان يلبسوا لباسا جديدا ، فلم يجدوا غير ان من كان مع علي يختلف عن من كان مع أبو بكر وعمر وعثمان ، وظل عثمان الشريان النابض الى السلطة حتى تمكن به الامويين ، وهنا بدأت مسيرة السنة والشيعة بصورة واضحة وجلية وكلما تعمق الطامعين تعمقت الفجوة واظهرت خيوط غير خيوط الإسلام في الحكم ، حتى ملأ نقائض ، وبقت شخصية علي تتلألأ كلما تعمق السلاطين في الحكم واخذوا يضيفوا على الخلفاء قوانين لم يكن يعرفها المجتمع من قبل ، وبالطبع مجتمع اذل بسب علي لايقوى على شيء الا ان يتبع مصلحته ويختار الدنيا لا اكثر ، والغريب ان أبو بكر أوصى بعمر وعلي بن ابي طالب أوصى بالحسن ، وعمر طلب الشورى ولاتوريث لابناء الخلافة وبات على مقتله عثمان من دون وصية للخلافة ، لكن الغريب ان بعد علي اتخذ الحكم شكلا ثاني لم ينطبق على جميع ما مشى الخلفاء( أبو بكر وعمروعثمان) عليه من ادعى انه يتبعهم ، واتخذهم خطا إسلاميا جديدا ارتكز عليه في بناء دولة ظالمة قهرت المجتمع من ٤١ هـ الى ١٣٢ هجرية بعدها استلمها العباسيون وجدوا ان الدين اصبح جاهزا ان يكون ظهيرا على الناس لا ظهر لهم .
الغريب ان علي بن ابي طالب يترك المدينة ويذهب الى الكوفة كعاصمة للدولة الإسلامية ، مع تناقضات المجتمع لم يكن المجتمع الكوفي مواليا لعلي كما يتصوره البعض ، بل كان مجتمع خليط من هذا وذاك الا ان الاختيار كان ابعد من طينة ذلك المجتمع او جدران تلك المدينة ! والدليل كانوا في كل خطبة يقطعونها بالقرآن ، يعلمون قاعدة مهمة عند علي لامداهنة في الدين فكانت تلك هي الحرب ، فهل هذا مجتمع جاهل ؟ مجتمع يرى كيف علي بن ابي طالب واضحا ويحاربه بوضوحه كي يظلل الناس فمن وراء هذا الانحراف السلطة ؟ ام شيء يدير الامة الإسلامية ويحرف مسارها الإنساني ؟
في الصلاة يقتل علي بن ابي طالب ، اغتيال بين الجميع ، لم يذكر لنا التاريخ ماهي المسافة بين عبدالرحمن بن ملجم وعلي بن ابي طالب ، فمن الاستحالة انه في الصف الأول كما ذكره التاريخ ، لكن اذا كانت هذه الاستحالة كيف عبر هذه الصفوف ليصل في حالة الركوع ؟ وكيف تكون الضربة على الهامة الشريفة ومنتصفة والامام في حالة الركوع ؟ هل يمكن ان تكون من الخلف او الامام ؟ ولو كانت من الامام اين الصحابة والقادة الذين معه ؟
علي بن ابي طالب بعلمه الواسع باعتراف النبي ص انه مدينة علم ، استدعى طبيبا ليقول ان المخ قطعه السيف وبلغه ، وعلي في يوم ١٩ رمضان في صلاة الصبح اغتيل ، واستشهد ليلة القدر ٢١ أي يوم ١٩ وليلة ٢٠ ويوم ٢٠ وليلة ٢١ فارق الحياة مع ان الرأس مشطور قدم للمجتمع أطول وابلغ وانصع وانصح وصية بكامل العقل والروية كيف ذلك ؟ مع ان الضربة علميا من مركز البصر والبصيرة والحافظة والفهم والادراك والنطق ! ماذا يريد علي بن ابي طالب من مجتمع مستقريء لكنه طافي الايمان في آخر حياته بهذه الوصية ؟
تركزت الوصية على الشريعة ، الا انها كانت أسسها وبيانها بيان انساني ، بدأ من المساواة باتخاذ القرار في حكم ابن ملجم لعنه الله ، وفي حق بقت الامة الإسلامية الى يومنا هذا يكثر فيها الايتام حتى انه كادت نياط قلبه تقطع عليهم ، لماذا ركز علي بن ابي طالب على الإنسانية ؟ هل ان ضياعه إيذانا لضياع الإنسانية وان المستقبل مظلم الى حد كبير في المستقبل ؟
حتى في طريقة دفنه ، يثار هنا سؤال حوله ، حتى في بناء قبره من قبل الد اعدائه على بعد مئات السنين ، ظل مثار سؤال ؟ والسؤال الأكثر تعجبا : لماذا يبغضك ياعلي كل حاكم يريد السلطة ؟ هل لانه لايمكن تزوير مسيرته الصادقة ؟ هل لانه ترك في مسيرته حكما واضحا ؟ ولماذا عبر هذا التاريخ الموغل وعلى جمال نفس علي لايزال من يبغضه ويحب عدوه ، لماذا المجتمع مازال يبرر لاعداء علي ؟
علي بن ابي طالب شخصية عند القراءة عنها كانك تقرأ عن اسطورة في مخيلة الناس من اجل الكمال ، فصار هو الكمال الإنساني الذي عاش في مجتمع يبحث عن الماديات ، وتخلى عن الإنسانية ، هكذا رآهم فاعطاهم آخر ما عنده وصية دستورا رائعا ومثالا للإنسانية !
لا ينتهي الحديث حول علي بن ابي طالب لانه علي ولم يأتِ بعده ، …، علي انسانا ، وشجاعا ، ومؤمنا ، واخ لرسول الله ص ، لم يعد هناك مثله حاكما ابدا ، ظلت الوصية منارا للقائد المنتظر الذي بشر به الرسول ص واختلفت عليه الامة من جديد كاختلافهم في علي ، لكن معطيات الاحاديث انه ينهي الاختلاف ويقضي على طريق العوج وان تكالبت الدنيا عليه سينتصر بوصية جده علي بن ابي طالب .
الصورة : عمامة علي بن ابي طالب عليه السلام في المتحف العثماني / تركيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى