مفالات واراء حرة

فى طريق النور ومع الحق فى القرآن الكريم ” الجزء الثانى عشر “

فى طريق النور ومع الحق فى القرآن الكريم ” الجزء الثانى عشر “

إعداد/ محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى عشر مع الحق فى القرآن الكريم، كن شجاعا في قول الحق، وكن شجاعا قوى القلب ، ولا تخف من التوجسات والزوابع، وتوكل على الحى القيوم، واعلم أن الثبات على المبادئ والقيم من أهم الأمور التى تجعلك شخصا قويا في حياتك لا جبانا وخصوصا فى قول الحق، وإن الشجاعة في قول الحق يعني أنك إنسان قوى الإيمان برب العالمين فبالحق قامت السموات والأرض، بالحق ينتشر الخير في البلاد، ويعم الأمن ويسعد العباد، بالحق تصفو النفوس وتسود المحبة وتجَمل الحياة، ويقول عمر بن الخطاب الزم الحق ينزلك الله منازل الحق، يوم لا يقضى إلا بالحق والسلام، فقل الحق ولو على نفسك كى تصل إلى طوق النجاة من هلاك نفسك وهلاك أمتك من قول الباطل، فما أسهل الكلام في حياة الناس اليوم فى الشارع والمنتديات وعلى المنابر وفي وسائل الإعلام وفى الفضائيات, وعبر الإنترنت والصحف وفى الدواوين وفى المناسبات والمحافل والاجتماعات, الكل يتكلم ويتحدث فى كثير من أمور الحياة, ولكننا اليوم وفى كثير من مجالات الحياة أصبحنا نفتقد كلمة الحق, فلا تكاد تجد بين هذا الكم الهائل من الكلام كلمة الحق وقول الحق, وأصبح الكذب والنفاق والمجاملة وطمس للوقائع وتزوير الحقائق وتحريف الكلم عن مواضعه هو لغة العصر وشعار الزمان عند كثير من أبناء هذه الأمة, رجالا ونساء إلا من رحم الله, الأمر الذى أدى إلى ضياع الكثير من القيم والأخلاق, وبسبب ذلك ساءت الكثير من العلاقات الاجتماعية, وضاعت الكثير من الحقوق وحدث الظلم بأبشع صورة.

وتعلمت الأجيال الخوف والجبن وتجرعت ثقافة الخنوع والضعف والاستكانة, وتسلط العدو وغيرها من المساوئ, فأين كلمة الحق على مستوى البيت والوظيفة؟ وأين كلمة الحق فى مؤسساتنا وإعلامنا ؟ لماذا أصبحت كلمة الحق مفقودة فى حياتنا؟ ولماذا أصبح الكثير يتاجر بكلمة الحق ولو على حساب دينه وقيمه وأخلاقه ووطنه وأمته؟ ولقد أمرنا الله تعالى بالحق وقول الحق وبين فى كتابه أن الحق قامت به السموات والأرض وأنه لا ينفع غير الحق وأن الباطل إلى زوال، وكلمة الحق المطلوب قولها هي الكلام الحقيقي الصادق الذي ينفع الله به بلا مجاملة أو نفاق أو رياء, وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كلمة الحق وقول الحق من أعظم الجهاد فى سبيل الله وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم قول كلمة الحق، في الرضا والغضب، فقد ثبت في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم فى دعائه “اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينى ما كانت الحياة خير لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى، اللهم إني أسألك خشيتك فى الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفذ، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين” رواه النسائي، والحاكم، وإن المتاجرة بكلمة الحق والعدول عنها إلى الباطل والنفاق والمجاملة ليست من سلوكيات المسلمين.

ولا من صفاتهم, وإنما هى صفات أمم غضب الله عليها ولعنها من المجرمين, وإن واقعنا اليوم يشهد بأن هناك خلل وضعف وتهرب من قول كلمة الحق, بل هناك من يتاجر بها فسفكت الدماء فى بلاد المسلمين وانتهكت الأموال والأعراض, وحدث الشقاق والنزاع وحدث الخلافات بين أفراد هذه الأمة, واستطال المسلم في عرض أخيه وماله ودمه, وبهذا السلوك تم تبرير ظلم الظلمة وتجبر الطغاة وتغييب الحق والعدل, ولماذا يلجأ المرء إلى المتاجرة بكلمة الحق والسكوت عن قولها, هل خوفا من الموت وطلبا للحياة؟ فأنها بيد الله تعالى, أم من أجل حفنة من المال؟ أم طمع في منصب أو جاه؟ فإن ما عند الله خير وأبقى, ثم إن قول كلمة الحق لا يقرب من أجل ولا يحرم من رزق, فيقول النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ” ألا, لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق، أن يقول بحق، أو يذكر بعظيم ” رواه أحمد، وفي الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم “لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه أو شهده أو سمعه” وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يحقرن أحدكم نفسه، قالوا يارسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه‏‏؟ ‏‏قال صلى الله عليه وسلم يرى أمرا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة ما منعك أن تقول ‏في ‏‏كذا وكذا‏‏ ‏‏فيقول خشية الناس، فيقول فإياى كنت أحق أن تخشى” رواه ابن ماجة، وقد توعد الله تعالى الذين لا يقولون الحق ويعدلون عنه إلى غير بعذاب شديد.

وانظروا إلى هذه الأمة عندما كان الإيمان يملأ قلوب أبنائها وعندما كانت تقول كلمة الحق وتصدع به دون خوف أو وجل، كيف أثرت في الحياة فشيدت حضارة وأورثت عزا وبنت مجدا, وقبل ذلك كله أنها أرضت الخالق سبحانه, وفى كلمة الحق يجب الصبر في ذات الله تعالى فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، في قصة توزيع غنائم هوازن، قال النبى صلى الله عليه وسلم للأنصار آمرا لهم بالصبر”إنكم سترون بعدى أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على الحوض” رواه البخاري ومسلم، ويجب التوكل على الله والاعتماد عليه وإحسان الظن به، فإن بيده سبحانه وتعالى الموت والحياة والرزق والسعادة والشقاء, فلماذا يذل المرء نفسه بسبب متاع زائل ويغضب الخالق ليرضي المخلوق الذى لا يملك ضرا ولا نفعا؟ وكذلك يجب علينا تدبر قصص الأنبياء والصالحين والعظماء ودراستها للتأسي والعمل، وعلى المرء أن يتذكر الأجر الذى سيناله من الله في الدنيا والآخرة أو العذاب والحرمان والطرد من رحمة الله إن خالف أمره، وعلينا أخيرا أن نتذكر المصالح التي ستجنيها الأمة من قول كلمة الحق وعدم المتاجرة بها وتغييبها من مواقع الناس, فكلمة الحق كلمة طيبة كشجرة طيبه أصلها ثابت وفرعها في السماء, بكلمة الحق ينصر المظلوم ويردع الظالم, وتحفظ الدماء وتصان الأعراض, وتؤدى الحقوق ويؤتى بالواجبات وتقوى العلاقات, ويأمن الأنسان على نفسه وماله وعرضه, وبكلمة الحق يقل المنكر ويضعف الفساد وتتلاشى المحسوبية, ويندحر النفاق وتتقن الأعمال.

ويعبد الله حق عبادته، فإن لله سبحانه وتعالى في كونه سننا لا تختلف ولا تتبدل, يجريها الله على العديد من الأمور والأشياء دلالة على مفهوم التماثل الواقع فى النتائج إذا تشابهت المقدمات، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس، واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها، والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة فى القرآن وهي كثيرة، ومن هذه السنن الإلهية سنة عظيمةً قديمة هى صراع الحق والباطل، وإن هذه السنة من أهم السنن الربانية التى يجب الوقوف عندها، وعدم الغفلة عنها، فإن الصراع بين الحق والباطل سنة إلهية ثابتة ودائمة، فمنذ أن تكبر إبليس اللعين على أوامر الله تعالى, ومنذ أن أنزل الله تعالى آدم إلى الأرض بمخالفته لأمر الله بالأكل من الشجرة المحرمة, وإمهال الله تعالى للشيطان إلى يوم القيامة, والصراع بين الحق والباطل لا يتوقف ولن يتوقف، وإن المتتبع لآيات القرآن الكريم, والمدقق في إرساله لأنبيائه ورسله, وما لاقوه من تعنت وتكذيب وتعذيب من قبل أقوامهم, سيلاحظ دون عناء حتمية تلك السنة الإلهية ولزومها، وإن المدقق في الآيات القرآنية الكريمة لا يعجزه أن يقف على حقيقة مفادها أن الصراع بين الحق والباطل هو سنة أقام الله تعالى عليها هذه الحياة، وأن الحياة لا يمكن أن يسودها الخير المطلق، بحيث تخلو من الشر، كما أنها لا يمكن أن تعاني من الشر المطلق بحيث لا يكون فيها قائم بالحق, فمزيج الحق والباطل هو قضاء الله تعالى وقدره في هذه الدنيا.

ولن تجد لسنة الله تبديلا, ولن تجد لسنة الله تحويلا، وإن ميدان الصراع بين الحق والباطل له ميدانان وهو ميدان النفس البشرية, فالإنسان قابل للهدى والضلال، وأيضا الإنسان حين يكون خيّرا لا يعنى أن عناصر الشر زالت منه بالكلية بل النفس الآمرة بالسوء موجودة, وكيد الشيطان موجود ولذلك قد يخطئ المستقيم, أو يضل, أو ينحرف عن هذا الطريق أو يتركه حينا, ثم يعود إليه، وأما الميدان الثانى، فهو الصراع عبر المجتمع , فالجهاد في ميدان النفس لا ينتهي, لكن الذين يجاهدون أنفسهم منهم من ينجح في هذا الجهاد فيكون من أهل الخير, ودعاة الإسلام, ومنهم من يفشل في هذا الجهاد, أو لا يجاهد أصلا، فيكون من أهل الشر الذين عرفوا الحق ورفضوه, أو لم يعرفوه أصلا, وهنا يوجد الصراع بين هؤلاء وهؤلاء في الميدان الكبير, ميدان المجتمع وهذا هو الميدان الأخير للمعركة بين الحق والباطل, وبين الشيطان وأتباعه وبين الرسل وأتباعهم، فلا يكاد يخلو عصر من العصور من ذلك الصراع, كما لا يمكن أن يستثنى زمان منه ومن آثاره، فقد بدأ الصراع بين الحق والباطل بقتل قابيل لأخيه هابيل, وقد مثل أحدهما الحق وهو هابيل، والآخر الباطل، ثم توالت معارك الحق والباطل عبر التاريخ, فكان صراع الخليل إبراهيم عليه السلام مع النمرود، وصراع نبى الله موسى عليه السلام مع فرعون، وصراع نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه من قريش، فكان العداء للإسلام بدأ من أول لحظة، فالعداء للإسلام بدأ قبل أن ينتشر، وسيستمر الصراع ، وفى أيامنا هذه وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها جليا واضحا.

لا يخفى على ذى لبّ، وذلك لأمر هام وحقيقة قد يغفل عنها بعض الناس ألا وهي الحقد على الحق وأهله فهذه الصفة الملازمة لأهل الباطل لذلك فإنهم لن يتركوا عداوتهم أبدا، وقد ورد عن الإمام الشافعي قوله والله الذى لا إله إلا هو لو أن الحق ترك الباطل ما ترك الباطل الحق أبدا, ويؤكده قول الله تعالى في قصة قوم لوط عليه السلام, الذي لم يتجاوز النصح والإرشاد لقومه.

فما كان جوابهم إلا أن قالوا كما جاء فى سورة النمل” فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون” ويقول صلى الله عليه وسلم” والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون” رواه البخارى، وتقرر الآيات أن النصر حليف المؤمنين الصادقين, وذلك مهما حقق الباطل في البداية من انتصارات آنية, أو كسب معارك جانبية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم” لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة” لذلك على المسلم أن يعي هذه السنة الربانية ويفهمها حق فهمها ليواجه فيها مصاعب الأمور والأحداث التي تمر به فلا ييئس ولا يقنط , بل يبقى الأمل رفيقا له , حليفا له , يقارع فيه أهل الباطل والشر وخصوصا مع يمكن أن تسمعه من الناس الذين ذهلوا عن هذه السنة العظيمة هذه الأيام.

وبسبب تكالب أهل الباطل والفجور عليهم فربما قال ما لا ينبغي قوله بل لابد أن يستحضر المسلم “وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا” وهكذا كثر الكلام في زماننا هذا في شتى المواضيع وشتى القضايا المتنوعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى