الدين والحياة

فى طريق المعرفه ومع الحق فى القرآن الكريم ” الجزء العاشر “

فى طريق المعرفه ومع الحق فى القرآن الكريم ” الجزء العاشر “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء العاشر مع الحق فى القرآن الكريم، إن الناس عرفوا الإسلام وأنه هو الحق الذى غاب بل وغيّب عنهم كثيرا، وإن وصل إليهم شيء عنه فى صورة مشوهة، فالإسلام شرع يتغلغل في أعماق دول الكفر، ويسيح فيها سيحان النهر الجارى الذى لا يصده شيء، ويسرع إسراع الغيث استدبرته الريح، ولو اشتدت وطأة المحاربين عليه فهى فى الحقيقة نشر لنوره وليست حجابا أمام ضوئه المتشعشع، وعذبه الدفاق، فإذا قلنا واثقين بأنه لا خطر على الإسلام، فنقول بلا تردد إنما الخطر على المسلمين الذين يضيّعون دينهم بقلة فهمه ومعرفته، وضعف تطبيقه والعمل بشرائعه، وضآلة الاهتمام بالدعوة إليه وتبليغه إلى من لا يعرفه بطريقة صحيحة بالكلمة الطيبة والأسلوب الحسن الناجح، إذن بعد هذا ما واجبنا ونحن نرى العالم اليوم يضطرب ويعيش أزمات حقيقية على الأصعدة كافة، ونحن على دراية لا تتزحزح أنه لن يستقر إلا على سفينة الإسلام، ولن يحل مشكلاته إلا هذا الدين؟ وما واجبنا ونحن نشاهد الواقع الحديث يحيا معركة فكرية وثقافية تنتج عنها المعارك السياسية والاقتصادية والعسكرية؟ وما وجبنا ونحن نلاحظ أن من أسباب صد بعض الكافرين عن الإسلام انحطاط المسلمين السحيق في جميع الجوانب، حتى لقد قال بعض الغربيين الذين أسلموا حديثا الحمد لله أني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين، فالمطلوب منا أولا أن نعرف ما هو الإسلام الذى ندين الله به، وما هي العقائد والشرائع التي تخالف الإسلام، وهذا يكون بتعلم هذا الدين ومعرفة تشريعاته، والسؤال عما يُجهل منه.

وغرس ثقافة الاعتزاز بهذا الدين في النفوس، وتربية الأجيال على ذلك، وأنه لا يكفى أن نبقى مسلمين بالانتساب، بل لابد من إظهار إسلامنا الصادق في واقعنا العام والخاص في أعمالنا وأقوالنا وجميع أحوالنا، وأن نكون حذرين متيقظين من كيد الأعداء، وأن لا نغتر بكلماتهم التي ظاهرها الرحمة والسلام، وفي باطنها العذاب و الحرب الزبون، وأن نهتم بالتقدم المعرفي، والتطور التقني، والنمو الاقتصادى، والبناء الحضارى الشامل لأن تخلف المسلمين الحياتي يمثل عائقا كبيرا أمام من يريد دخول الإسلام، فإذا تقدم المسلمون فى مجالات الحياة المختلفة كان ذلك دعوة صامتة ناجحة للإسلام، وأن يقدم كل مسلم دوره تجاه دينه، فيدعو البعيدين عن هذا الدين بكل وسيلة متاحة بالكلمة الطيبة في كتاب أو منشور، أو صحيفة أو إذاعة، أو قناة أو مساحة الكترونية، أو مكالمة هاتفية أو لقاء في عمل أو مجلس في وسيلة مواصلات، فمن لم يستطع ذلك فليحسن معاملته لمن يعرفه من الكفار، فقد تبلغ الأفعال ما لا تبلغ الأقوال، ورب دعوة صامتة أفصح من دعوة ناطقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ولئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك كن حمر النعم ” وقال صلى الله عليه وسلم أيضا ” من دل على خير فله مثل أجر فاعله” فإن بشائر ظهور الإسلام لتلوح في الأفق متسللة من بين حجب الظلام الكثيفة والآلام المتعددة، وتقول للكون كله إن المستقبل للإسلام، وإن الحق سيعود إلى أهله، وهذا وعد الله لعباده المؤمنين الصادقين، وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ” تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون.

ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت” وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مدينة هرقل تفتح أولا ” يعنى قسطنطينية، وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني رحمه الله بعد ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح، وسيتحقق الفتح الثانى في روما عاصمة الفاتيكان، بإذن الله تعالى ولا بد، فيا أيها المسلمون، اعلموا علم اليقين أنه لن يقف أمام الإسلام شيء، لأنه يسير وعين الله ترعاه، وقوته تحفظه وتدفع عنه كيد الكائدين ومكر الماكرين، فأبشروا وأملوا، ولكن ابذلوا واعملوا، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فيا أيها الناس اتقوا الله والزموا الحق فإن الله تعالى هو الحق، وقوله الحق ودينه الحق، ورسوله حق، ووعده حق، ولقاءه حق، والجنة حق والنار حق، فاثبتوا على الحق فإن الحق وأهله في الجنة، وإن الباطل وأهله في النار، ألا وإن الأعمار منتهية والحياة منقضية، ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون، فإن للثبات على الحق أسبابا وللضلال عنه أبوابا، فاطلبوا أسباب الثبات عليه واحذروا وفروا من أبواب الضلال عنه فإنه من يتحرى الخير يلقه، ومن يتوقى الشر يوقه، ومن لا يتحرى ولا يتوقى فإنه من الأخسرين الهالكين شرعا.

وإن من أسباب الثبات على الدين الحق أن يعترف المرء بمنة الله عليه ويغتبط بالهداية له وفيه، ومن أسباب الثبات على الدين الحق، الاستقامة على ما علم منه بالعمل به بالتقرب إلى الله تعالى بأداء ما افترض الله عليه، والبعد عما نهاه الله عنه وترك الركون إلى الظالمين والفاسقين وترك ما اشتبه عليه حكمه والاستكثار من النوافل، والتوبة إلى الله تعالى من الخطيئة، وإتباع السيئات بالحسنات، وإن من أعظم أسباب الثبات على الدين الحق الإلحاح على الله تعالى بالدعاء مع الضراعة طلبا للثبات عليه والعصمة من الزيغ عنه والبراءة من الحول والقوة إلا بالله تعالى، ويقول النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ” ربي زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب” وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم أن يقول ” اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك ” وقال صلى الله عليه وسلم ” ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة” ومن أعظم أسباب الثبات على الحق دعوة الناس إليه وثبتهم عليه فإنه جهاد، والمجاهد لله وبه مثبت ومهدي ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله، ومن دعى إلى الهدى كان له مثل أجور من تبعه، وقال صلى الله عليه وسلم ” فو الله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم” وإن من موجبات الثبات على الحق والهدى مجالسة أهل الإيمان والتقوى وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم ” لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي” وفيه أيضا يقول صلى الله عليه وسلم ” هم القوم لا يشقى بهم جليسهم”

وذلك لأنهم يدلون على الهدى ويزجرون عن الردى، ويعينون على التقوى، وأيضا من أسباب الثبات على الدين الحق هو الإعراض والفرار عن مجالس الخصومات والجدل في الدين والنأي عن الفتاتين، ولما ذكر النبى صلى الله عليه وسلم الدجال وعظم فتنته وأنه أعظم فتنة منذ خلق الله آدم وإلى أن تقوم الساعة، قال صلى الله عليه وسلم ” فمن سمع به فلا يأتى، ومن حضره فلينأى عنه” وقال صلى الله عليه وسلم ” يا عباد الله اثبتوا” وإن من أسباب الثبات على الدين هو ما قرره علماء الأئمة المهتدون بهدى الكتاب والسنة من وجوب هجر أهل البدع ومقاطعتهم فإن مجالستهم تمرض القلوب وإن توقيرهم سعى في هدي الإسلام، وما ذاك إلا لعظم الفتنة منهم وبهم، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجالس صاحب بدعة ولا يأخذ دينه عن صاحب بدعة فإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإن أهل السنة أخذوا دينهم عن أئمة الهدى وإن أئمة الهدى أخذوا دينهم عن تابعي التابعين وتابعي التابعين أخذوا دينهم عن التابعين والتابعون أخذوا دينهم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم أخذوا دينهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ دينه عن جبرائيل عليه السلام عن الله عز وجل، فتلكم هي السلسلة الذهبية للدين والسند المتين إلى رب العالمين، وإن أهل البدع أخذوا دينهم عن الجهلة الضالين وعن أهل الأهواء المنحرفين وعن الزنادقة المنافقين وعن المغضوب عليهم والضالين، فالحمد لله الذي هدانا لدينه الحق وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

لقد جاءت رسل ربنا بالحق فاغتبطوا بهذا الدين الحق الذي جاءكم من عند ربكم الرحمن، نزل به القرآن وعلمكم إياه نبيكم صلى الله عليه وسلم فعلا وتركا وهديا من الوحي والبيان، فافرحوا بهذين الأمرين أعني القرآن وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم والمكلف بالبيان وبإتباعهم فإن ذلك من الفرح المشروع وإن الاغتباط بهما شأن أهل الإيمان والخشوع، فتذوقوا فأيقنوا أنه الدين الحق، فإنه ينتاب الإنسان شعوران وهو يُنبّأ بخبر إسلام شخصيٍة مشهورة، فالأول هو الفرح لها لانتمائها إلى هذا الدين، والثاني الحزن على أنفسنا لأننا فقدنا تذوق كثير من معاني هذا الدين العظيم إذ إننا نرى أن إسلام كثيرين نبع عن تأثر بشيء بسيط يرتبط بتعاليم هذا الدين العظيم تلقته نفوسهم بشغف بل باندهاش، أمّا نفوسنا التي نخشى أن يكون قد طال عليها الأمد فنراها لا تأبه بأعظم من هذه المعاني البسيطة التي دفعت من هم فى ذروة الشهرة إلى ترك كل هذه الظلال الزائلة والدخول فى حديقة الإسلام العطرة، وهكذا فإن هذا الدين يسير بأمر الذات الإلهية، فلا يرتبط بأشخاص ولا يعتمد على قوة بشرية، ويتجلى سر هذا المعنى في أنه لو كان الإسلام مرتبطا بالمسلمين فإن حالهم لا يغري أحدا بالانضمام إليهم، لكن هذا الدين دين يخاطب الإنسان يخاطب روحه وعقله وقلبه، إنه يجيب عن أهم سؤال وهو لم أنا موجود؟ بل ويتعدى هذا إلى الإجابة عن أكثر أسرار الكون غموضا فهو يكشف للإنسان مصيره بعد وفاته ومفارقته لهذه الدنيا، ويفصل له مراحله كلها من المهد إلى اللحد، وإلى ما بعد اللحد، ولقد خاض المسلمون الأوائل حربا قاسية.

في سبيل إعلاء كلمة الحق من عقيدة التوحيد أمام صناديد قوى الشرك والكفر القائمة في ذلك الوقت، فاستطاع أن يغزوها ويزيلها لأن الصدام كان بين عقيدة حق وباطل، وحينما تخلى المسلمون اليوم عن عقيدتهم وغرقوا في ملذاتهم وشهواتهم، وتمسكوا بالباطل، في الوقت الذي أصبح لأعدائهم عقيدة ولو باطلة انتصرت العقيدة الباطلة، فإذا رجع المسلمون إلى عقيدتهم سينتصرون، ولقد أصبح النفاق هو الذى يسود أرجاء المجتمعات الآن، فلا تجد من يصدع بكلمة الحق، لذا فقد غرقت المجتمعات في مستنقع من الكذب والوهم، وليتك تسكت فقط عن قول الحق، بل إنك تزين الباطل في عيون من يفعله، وهكذا يصبح المرتشي مؤديا لعمله بإخلاص، ويصبح السارق بطلا، إلى غير ذلك من النماذج المشوهة التي أصبحت تملأ حياتنا، لتشكل هياكل الطموحات التي يتطلع الناس للوصول إليها، فحينما يهم المرء بقول كلمة الحق تتصاعد إليه عدة جمل تنكر عليه قول الحق وأنا مالي؟ هوه أنا مصلح الكون؟ وغيرها من مثبطات قول الحق، فإذا ما شجعه شخص على التجرؤ لكي يقول الحق، يتخذه الناس عبرة، ويقولون ” أوعى تعمل زى فلان، ده حصل له كذا وكذا” فإن قول الحق والتخلص من الكذب والنفاق، هو طريق المجتمع نحو التقدم، ومن الواجب أن أول من ينطق بكلمة الحق هم الدعاة إلى الله والعلماء والمربون، فعلى الدعاة اليوم العمل على إخراج الناس من هذا المستنقع العفن الذى تردوا فيه من عدم قول كلمة الحق أو الاحتفاء بها، وكأن الأمر لا يعنيهم، ويكون ذلك بطرح النماذج المشرقة لسلف الأمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى