مفالات واراء حرة

فى طريق المعرفة ومع المواساة فى القرآن الكريم ” جزء 2 “

فى طريق المعرفة ومع المواساة فى القرآن الكريم ” جزء 2 “

بقلم / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع المواساة فى القرآن الكريم، فهذا المبدأ الذي كان من المفترض أن يتعامل به المسلم مع أخيه المسلم مهما ابتعدت بينهما الأجناس والأرحام أصبح وللأسف غائبا حتى بين من تربطهم الرحم والقرابة، فلا يدري بعضهم عن بعض شيئا، بل قد ترى إنسانا يكاد يتفجر من الغنى والأموال وأقرب الناس إليه تحت خط الفقر ولا يشعر نحوه بشيء فالله المستعان، ويتمثل التكافل الاجتماعي في التعاون بين المسلمين وتناصحهم وموالاة بعضهم لبعض، ويتمثل في مساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين بأن يساهم المسلمون في توفير حاجاتهم وتخفيف معاناتهم، ويتمثل أيضا في مساعدة الأيتام وكفالتهم، وفي مساعدة الأرامل وتوفير احتياجتهن إلى غير ذلك.

ولقد أمرنا الله سبحانه وتعالى في الكثير من آيات كتابه بهذا المبدأ العظيم مبدأ التكافل، وحثنا على الإحسان إلى كل من يحتاج إلى ذلك، وهناك الكثير من الآيات الكريمة التي توجهنا إلى هذا المبدأ العظيم وهذا الخلق الكريم الذي يحفظ كيان المجتمع وكرامة أفراده، وحث أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر المهم، وكان أول العاملين به، وأرشد الأمة إلى هذا المبدأ مبينا لمكانته العظيمة من دين الله عز وجل، فعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له” رواه مسلم، وهذا تحريك لشعور المسلمين وأحاسيسهم.

حتى يتضامنوا ويتعاونوا على البر والتقوى، وحتى يحس من عنده شيء من فضل الله بمعاناة وشعور من ليس عنده فيعطيه مما عنده، ويقول النووي في شرح هذا الحديث، في هذا الحديث الحث على الصدقة والجود والمواساة والإحسان إلى الرفقة والأصحاب، والاعتناء بمصالح الأصحاب، ويقول صلى الله عليه وسلم “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة” رواه البخاري، فهذا حث على أن يقف المسلم بجانب أخيه إذا احتاج إليه، وله في ذلك الجزاء الحسن من رب العالمين، ولا يكتفي بهذا.

بل يصور لنا المجتمع الإسلامي الحقيقي المتكافل المتكاتف تصويرا جميلا غاية في التماسك، فيشبهه بالجسد الواحد الذي يربط أعضاءه نسيج واحد، فلا يصاب فيه عضو إلا أحست به سائر الأعضاء وتأثرت بسبب النسيج الذي يربط بينهم، فيقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم عن النعمان بن بشير “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” فالمسلمون أيضا لهم نسيج يربط بينهم ويجعلهم يحسون بمعاناة بعضهم، وهذا النسيج هو وحدة العقيدة وآصرة الأخوة في الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يجمع بيننا هذا النسيج ثم لا يحس بعضنا بمعاناة بعض.

ولا يسعى بعضنا إلى مساعدة بعض، ولا يمكن أن يكون هذا إلا إذا كان في أنفسنا خلل والعياذ بالله، ولقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على من يتصفون بخلق التكافل ويحققون مبدأه ويحرصون عليه، فأثنى عليهم واعتبر نفسه صلى الله عليه وسلم منهم وهم منه، وهؤلاء هم الأشعريون قوم أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل رضي الله عنه، فيقول فيما رواه الشيخان عن أبي موسى “إن الأشعريين إذا أرملوا” أي إذا قارب زادهم على النفاد في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم” فانظروا إلى هذا التوحد في إحساس هؤلاء القوم ببعضهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى