مفالات واراء حرة

فى طريق الايمان ومع مفهوم التنمية الشاملة ” الجزء التاسع عشر “

فى طريق الايمان ومع مفهوم التنمية الشاملة ” الجزء التاسع عشر “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء التاسع عشر مع مفهوم التنمية الشامله، وقد توقفنا مع أن هناك مواقف تستدعي أحيانا، نمطا معينا من السلوك، وهذا شيء يعني أنه طبيعي، ولكن في قضايا القيم وفي قضايا المثل وفي قضايا المبادئ يجب أن نعامل الناس جميعا على أساس قيم واحدة وعلى أساس مبادئ واحدة، في نقطة أخيرة هي أن مصالحنا لن تتطابق دائما مع مصالح الآخرين حتى الزوجان مصلحتهما ليست متطابقة بشكل كامل فإن الأب والابن مصالحهما ليست متطابقة بشكل كامل وكذلك الشركاء والأصدقاء هناك دائما مراتبية أو فى هناك نوع من التراتبية في المصلحة لهذا لن تستقم حياتنا الاجتماعية إلا بالتضحية حتى تستقيم هذه الحياة فعلينا أن نضحي ولذلك شيء أساسي في التربية الأسرية وشيء أساسي فى التربية المدرسية وشيء أساسي في التربية المسجدية وهو أن نعلم الإنسان كيف يضحي وكيف يتنازل عن بعض ما هو له من أجل غيره ومن أجل إسعاد غيره وهذه التضحية عليها ثواب كبير من الله تبارك وتعالى وهذه الحقيقة قضية التضحية.

وهي يعني المعنى العميق للإنسان الكريم الكرم والذاتى الكرم الشخصي هو دائما يعني عطاءا مجانيا هو دائما يعني تضحية التنازل عن مصلحة في سبيل تحقيق مصلحة الآخرين وكثير الآن من التوترات التي تحدث في حياتنا حدثت بسبب أن جانب الأنانية أو الحرص على المصلحة الشخصية زاد عن الحدود الطبيعية ولذلك قل جانب التضحية وجانب العطاء المجانى، فاتقوا الله واعلموا أن على كل امرئ أن يكون ذا بصيرة وتمحيص، فلا يرضى بكل فكرة بحجة أن قومه عليها، أو بكل سلوك بذريعة أن الكل صانعه، كما عليه ألا يسمح لمن حوله أن يملكوا زمام توجيهه، ولا لعادات مجتمعه أن تقيد سيره في الخير والرقي، أو تغطي عينيه عن رؤية النور والحقيقة، وليكن من شعارنا في مسير هذه الحياة، فى قوله تعالى ” وعجلت إليك رب لترضى” وأن الفرد كما أنه مسؤول عن صلاح نفسه وتقويمها، فإنه مدعو إلى تطويرها وتعزيز قدراتها، فترك تزكيتها وإصلاحها عقباه خسران الدنيا والآخرة، وإهمال تطويرها عقباه الضعف والوهن

وإن المؤمن العاق. لا ينتظر من أهله ومجتمعه أن يأخذوا بيده إلى الرقي والتقدم، أو يدفعوه إلى استغلال مواهبه، وإبراز ملكاته، وتنمية قدراته، بل يسعى بنفسه إلى بناء ذاته، ويحرص على تكوينها وتطويرها علميا، وعمليا، ومهنيا ونحن نجد في كتاب الله عز وجل وفى سنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ما يستثير النفوس إلى ذلك، وما يدفع بالهمم إلى تحقيقه، أوليس مما يحث النفس على طلب العلم وفتح خزائن المعارف فى قوله تعالى ” قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب” أو لا يدفع إلى ذلك قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ” إن الملائكة لتضع أجـنحتها لطالب العلم رضا لما يطلب” وقوله صلى الله عليه وسلم ” من سلك طريقا يطلب فيه علما، سهـل الله له طريقا إلى الجنة ” وإن العقل البشرى هبة كبرى من الله تبارك وتعالى ولكن هذا العقل هو أشبه بالحاسب الآلي فإذا زودناه بطريقة صحيحة عمل بطريقة صحيحة إذا زودناه بمعلومات خاطئة فإنه يعمل بطريقة خاطئة.

ولو أنك فى برنامج طبى وضعته على حاسب آلى وذكرت فى هذا البرنامج أن نسبة الحريرات فى الماء عالية أو قلت أن السكر يرفع الضغط مثلا وهذه معلومات طبعا خاطئة فإن الحاسب الآلى سيعطيك نتائج خاطئة بناء على هذا الذى تعطيه إياه، أيضا العقل البشرى حينما نزوده بمعارف خاطئة، بخبرات خاطئة أو مشوهة أو ناقصة فإنه فى النهاية سوف يعطينا مخرجات مشوهة وسوف نحصل منه على نتائج مشوهة، وإن الآن المعرفة فى العالم كله تتقدم وتتسع وتتناسخ متوقع أنه مابين عشر إلى خمسة عشر سنة يتم تجديد كثير من المعارف الموجودة والآن يدخل عليها تجديدات وتعديلات وهذا العقل البشرى لا يستطيع أن يعمل من غير معرفة، فإن المعرفة هي الأداة التى يشتغل عليها ما لدينا من أفكار ما لدينا من مفاهيم ما لدينا ومن معلومات وما لدينا من صور ذهنية وهذه كلها تغذى العقل وبناء عليها يشتغل العقل، ومثال فى هذا وهو مفهوم التدين فإن كثير من المسلمين يفهم التدين فهما محدودا أو فهما جزئيا، وقيل أن الدين المعاملة فإذا كانت معاملتك مع الناس.

معاملة جيدة فأنت متدين، ومن المسلمين من يقول التدين، فإن الحقيقى هو صفاء القلب فإذا كان قلبك صافيا فلا تشغل بالك بأشياء أخرى، ومن المسلمين من يقول التدين الحقيقى هو الخلق الحسن فإذا كانت أخلاقك حسنة فإذا أنت متدين حقيقى، ولا شك أن للتعامل المالى المستقيم والنظيف مع الناس قيمة فى الإسلام، ولا شك أن لصفاء القلوب قيمة فى الإسلام، ولا شك أيضا أن للخلق الحسن قيمة فى الإسلام، ولكن هذا ليس هو كل الإسلام فإن هناك صوم وهناك صلاة وهناك حج وهناك زكاة وهناك بر للوالدين وهناك صدقة وهناك حلم وهناك أشياء كثيرة وهذه كلها تشكل أجزاءا من التدين ويقول الله تعالى ” أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله” وسقاية الحجاج وعمارة المسجد أو المساجد هذا جزء من التدين ولكنه لا يعدل الإيمان ولا يعدل الجهاد في سبيل الله، وهناك مثالا آخر وهو قضية التربية فإن كثير من المسلمين الآن يعتقد أن رسالته الأساسية أن يؤمن لأطفاله.

ما يحتاجونه من مطعم ومن ملبس ومن مسكن وأن هذه هى مهمته الأساسية وهو لا يوبخ نفسه أو لا يؤنبه ضميره أو لا يشعر أنه مقصر إذا لم يهتم بتعلم أولاده أو بكتابتهم لواجباتهم أو بمطالعتهم بتهذيبهم بهدايتهم فهو لا يشعر أنه مقصر فى هذا لأن مفهومه عن التربية قاصر ولذلك سلوكه قاصر، فإن عقولنا وتفكيرنا حينما نزوده بمعرفة ناقصة أو بمعرفة مشوهة فإن نظرته للحياة بعد ذلك تصبح نظرة مشوهة وناقصة، فإنه يولد الإنسان فى هذه الحياة صفحة بيضاء نقية، الفطرة صبغته، والطهارة طبيعته، فتستقبله الحياة بطبيعتها وبيئتها، وتساهم في تكوينه بسلوكيات تجمعاتها، وأفكار مجتمعاتها وأول محطة له في حياته أسرته التي ولد فيها، وبيته الذي احتضنه، فيكون أول ما تسود به صحيفته، ويبنى عليه فكره، ما يستقبله من أبويه، وما يجد عليه أهله، وبعد الأسرة، ويأتى المجتمع الذى يمد يديه إلى عجينة هذا الناشئ، فيشارك بقدر ما فى تشكيله وتكوينه فيكون الإنسان ابنا لبيئته، وغصنا فى شجرة مجتمعه، متطبعا بطبائع من حوله، وهنا يأتى سؤال شائك.

زلت عنده أقدام، وضلت به أفهام، وهو أيؤاخذ الإنسان على أخطاء بيئته ومجتمعه إن نشأ فيها، وغذى بلبانها، فسار على مناهجها؟ وهل من مقتضيات العدل أن يحاسب المرء على الأفكار الزائفة والمعتقدات الباطلة والسلوكيات المنحرفة التي ربى عليها منذ نعومة أظفاره إن هو اتبعها أو أخذ بها؟ فإننا نجد الجواب على هذا السؤال أنه سيحاسب المرء على ما اعتقد واكتسب، فلقد أودع الله عز وجل فى نفوس كل خلقه جذوة الفطرة، وداعى الخير، ونور العقل، فلا عذر لمن بلغ سن الرشد منهم من إجابة داعي الخير فيه، واتباع نداء فطرته، والسير بنور عقله، فالحق دائما أبلج، والباطل دائما لجلج، وجاء عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال “البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس” فهؤلاء صحابة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، كان لكل فرد منهم عالمه المستقل من الهموم والآمال، والمعتقدات والأفكار، والمسؤوليات والالتزامات التي بنيت على أساس تنشئتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى