الدين والحياة

فى طريق الاسلام ومع مسيلمة الكذاب” الجزء الأول “

فى طريق الاسلام ومع مسيلمة الكذاب” الجزء الأول “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

وما زال الحديث موصولا عن مدعى النبوه، وكان أحدهم هو مسيلمة الكذاب، وهو مسلمة بن حبيب الحنفى أو مسيلمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب الحنفى ويلقب بمسيلمة الكذاب وكان أشهر الذين ادعوا النبوة فى زمن النبى الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف فى اسمه، فقالوا هو مسيلمة بن حبيب الحنفى الكذاب، وقالوا مسيلمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب الحنفى، ويكنى أبا ثمامةَ، وقيل أبو هارون، وقيل فى الأمثال “أكذب من مسيلمة” وقد ولد ونشأ فى اليمامة، فى القرية المسماة اليوم بالجبيلة، بقرب العيينة بوادى حنيفة فى نجد، وتذكر الأخبار أن مسيلمة كان قصيرا شديد الصفرة أخنس الأنف أفطس، وكان أكبر عمرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قد تكهن وتنبأ باليمامة ووجد له أتباعا قبل نزول الوحى على النبى الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن أهل مكة كانوا على علم برسالته، ويذكر أهل الأخبار أن مسيلمة كان ابن مائة وخمسين سنة حين قتل فى اليمامة، وكان مسيلمة قبل ادعائه النبوة يتجول فى الطرقات.

يطوف في الأسواق التى كانت بين دور العرب والعجم، مثل الأبلة وبقة وهو موضع قريب من الحيرة، والأنبار والحيرة، يلتمس تعلم الحيل والنيرجات، واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم والخط ومذاهب الكهان والعراف والسحرة، ويتابع أخبار المتنبئين، وفى عام ستمائة واثنين وثلاثين ميلادى ذهب مسيلمة مع عدد من قومه المسلمين من بني حنيفة الذين قدمو إلى المدينة يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم، وبايع المسلمون من بنى حنيفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن مسيلمه لم يبايع معهم بل قال أريد أن يشركني محمد معه في النبوه كما أشرك موسى اخاه هارون، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، فأمسك عرجونا صغيرا من الأرض وقال لمسيلمة والله يا مسيلمة لإن سألتني هذا العرجون ما أعطيته لك، فخرج مسيلمة ولم يبايع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعاد مسيلمة إلى اليمامة وأخبر بعضا من قومه أن محمدا قد يشركه فى النبوة معه، وحاول مرة أخرى وأرسل هذه المرة رسالة إلى النبى صلى الله عليه وسلم.

جاء فيها من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله آلا إنى أوتيت الأمر معك فلك نصف الأرض ولي نصفها ولكن قريشا قوم يظلمون، فرد عليه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، برسالة جاء فيها من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من أتبع الهدى، أما بعد ” إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين” وقد يسأل سائل ما علة التحريم؟ فنقول بأن المؤمن الورع ينصاع لأمر الله تعالى لمجرد أن هذا أمر الله، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعنى كلمة علة أى أمر، وأنه أمر الله تعالى، وإن أسرع طريق لفهم الأوامر بأن هذا أمر الله وكفى، ولكن لو أردنا التحليل، فإن هناك علة اجتماعية، وهناك علة اقتصادية، فالذهب والفضة مثلا جعلهم الله تعالى معادن ثمينة، وجعلهم معادن ليكونوا تقديرا للقيم فى الأرض أى نقدا، لذلك المؤمن كالذهب لا يتغير، والمنافق كالمعادن الخسيسة سريع التغير، والأصح من ذلك لأن الذهب لا يتأثر بالبيئة، أما المعدن الخسيس فيتأثر بالبيئة، فإذا قال إنسان ماذا أفعل بيئتي عاطلة؟

فمعنى هذا أنه خسيس أيضا، فكل إنسان يتأثر بالبيئة معدنه خسيس، ألم يقل النبى الكريم صلى الله عليه وسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال صلى الله عليه وسلم ” الناس معادن” فإن المعدن الثمين لا يتأثر بالبيئة، والمعدن الخسيس يتأثر بالبيئة، فهذه السبائك الذهبية إذا بقيت في البحر ثمانين عاما، وحينما تستخرج منه وتغسل فكأنها صبت لتوها، فإن كذلك العلة الاقتصادية بتحريم الذهب والفضة أن هذين المعدنين جعلهم الله عز وجل نقدين، فإذا كان الإنسان يملك عملة ذهبية وحتى لو ألغيت فإن قيمتها فيها، وأما إذا كان يملك خمسين جنيها مصريا وقد ألغى هذا بقرار ما قيمته؟ فإنها صفر، فالعملة الورقية عبارة عن سندات على المعادن الثمينة من الذهب والفضة، إيصالات فقط، وليس فيها قيمة ذاتية، أما الذهب والفضة ففيها قيمة ذاتية، قدم مسيلمة إلى المدينة في بضعة عشر رجلا من قومه بني حنيفة برئاسة سلمى بن حنظلة وفيهم الرجّال بن عنفوة أحد وجهاء القبيلة لإجراء مباحثات مع النبى صلى الله عليه وسلم وإعلان إسلامهم.

ويبدو أنهم أملوا مقابل دخولهم في الإسلام الحصول على موافقة من النبى صلى الله عليه وسلم لخلافته، ويذكر أن بني حنيفة تعد من أضخم القبائل العربية وأوفرهم حظا بالمنعة والجاه، وقد دفعوا أولا بمسيلمة للوقوف على رأى النبى صلى الله عليه وسلم، فاجتمع به منفردا وطلب منه أن يجعل الأمر له من بعده، فرفض النبى صلى الله عليه وسلم وقال له ” لو سألتنى هذا القضيب “وكان بيده” ما أعطيتكه وإنى لأراك الذى أريت فيه ما رأيت” ثم اجتمع أعضاء الوفد بالنبى صلى الله عليه وسلم فى المسجد دون مسيلمة، والواقع أن ذلك كان متعمدا، ولم تذكر المصادر ما دار في هذا الاجتماع، إنما روت خروج أعضاء الوفد وقد اعتنقوا الإسلام وأعطاهم النبى صلى الله عليه وسلم جوائزهم، غير أنه استنادا إلى تطور الأحداث بعد ذلك يحملنا على الاعتقاد بأنهم كرروا طلب مسيلمة بأن يكون الأمر لهم بعد النبى صلى الله عليه وسلم، وأن النبى صلى الله عليه وسلم رفض طلبهم، ولما قرروا العودة خاطبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين.

“إنا خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا”.وهذا دليل على أن تخلف مسيلمة كان متعمدا وفق خطة مبيتة لعلهم ينتزعون من النبى صلى الله عليه وسلم وعدا أو ما يشبه الوعد بتحقيق هدفهم، ولا شك بأن النبى صلى الله عليه وسلم أدرك فورا هدفهم بأن صاحبهم هذا هو مسيلمة، فلم يميزه وساواه بأصحابه، وقال ” أما إنه ليس بشركم مكانا يحفظ ضيعة أصحابه” فقيل ذلك لمسيلمة، فقال “عرف أن الأمر إليّ من بعده” فلما عادوا إلى ديارهم ادعى النبوة متخذا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد قومه وإخباره أنه ليس بشرهم مكانا دليلا على دعواه، وهذا تفسير أحادى الجانب يتناقض مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الصريح بشأن وضعه، وإنه ليس من السهل القبول بفكرة أن من سمع من النبى صلى الله عليه وسلم أو سمع عن النبى صلى الله عليه وسلم، خلال رحلة دعوته إلى الإسلام أن يرتد عن الدين بهذه السهولة، أو ينافسه فى النبوة، وليس من المنطقى ولا المعقول أن تجمع الصدفة هذا العدد الكبير.

من الأنبياء المزيفين فى اللحظة التاريخية الخاصة التى أعقبت وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، وأن هناك ثمة أسبابا سياسية دفعت إلى هذا التمرد الكبير الذى اجتاح القبائل العربية التى أسلمت وأطاعت النبى صلى الله عليه وسلم، وإن كتب التراث ذاتها تذكر أن هؤلاء المرتدين كانوا يصفون أنفسهم بالمسلمين، ما يعنى أن الصراع فى جوهره شكل امتدادا لأحداث السقيفة التى شهدت صراعا مكيا ومدنيا، على الحكم، والواضح أن الكثير من القبائل العربية لم ترضى عن النتيجة التى تمخضت عنها مفاوضات السقيفة بتولية أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وجعل الحكم حكرا على قريش فاندلع هذا التمرد السياسى الكبير الذى دمغت كتب التراث رموزه بادعاء النبوة، وقال النبى صلى الله عليه وسلم كما فى الصحيحين فضلت على الأنبياء بست، أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى النبيون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى