ثقافات

عماد فواز يكتب : «صفرو».. مدينة العلوم

«صفرو».. مدينة العلوم
.
الرباط- عماد فواز
تعد مدينة «صفرو» واحدة من المدن القديمة والعريقة في المملكة المغربية، تأسست خلال فترة هجرة مسلمو الأندلس «المورسكيون» من الأندلس إلى المغرب، بعد سقوطها منتصف القرن السادس عشر الميلادي، وسكنها الأغلبية من المورسكيون، واستصلحوا وديانها وزرعوها بالفواكه والخضر، لكن أغلب بساتينها زرعت بالكرز،
أو كما يطلق عليها أهل المغرب «حب الملوك»، لكونها كانت الفاكهة المحببة لأهل الأندلس آنذاك، وسريعاً ما أصبحت مدينة صفرو حاضرة الدولة «السعدية» التي تأسست في المغرب منتصف القرن السادس عشر الميلادي، وتميزت بالعلوم وسميت بـ«جامعة العلماء»، خاصة حفظ القرآن الكريم، ومازالت منذ ذلك الحين وحتى اليوم تشتهر في المغرب العربي بالكامل بأعلى نسبة من حافظي القرآن الكريم، كما أنها أصبحت مزاراً سياحياً يقبل عليه الأوروبيون للاستمتاع بالطبيعة البكر المتمثلة في الشلالات الطبيعية والوديان الخصبة والجبال الخضراء.
سياحة واستشفاء
مدينة صفرو تتبع إدارياً جهة «فاس»– شمال وسط المغرب-، وتبعد عن العاصمة الرباط بنحو 164 كلم شمالاً، وقد أسس المدينة مئات العائلات الموريسكية– مسلمو الأندلس- فشيدوا فوق قمة «جبل صفرو» مدينتهم الصغيرة المكونة من حوالي 200 دار، وأحاطوها بالأسوار الحصينة، وتميز معمار المدينة بالطابع الأندلسي، ومازالت المدينة القديمة في صفرو محافظة على هذا الطابع حتى الآن،
فجميع المنازل مكونة من طابقين، ومحال تجارية وورش في الطابق الأرضي، والأزقة ضيقة معبدة بصخور البازلت الأسود، وتنتشر «النافورات» الأندلسية في جميع ميادين المدينة القديمة، وواجهات المنازل والغرف في الداخل مزينة جميعها بالفسيفساء الأندلسي الملون، وهو ما جعلها اليوم مدينة سياحية يقصدها ملايين الأوروبيين سنوياً لزيارتها، والتنزه داخل أزقتها التاريخية الساحرة،
كما تطل المدينة على جبل أخضر كبير يحتوى على مئات الدروب الطبيعية السهلة المؤدية إلى أودية وشلالات «صفرو» الساحرة، التي يقصدها آلاف المرضى بالأمراض الجلدية للاستحمام في مياه النبع الطبيعي «سيدي على» الذي يحتوى مياهه على الكثير من العناصر الطبيعية المفيدة للجلد والشافية من أمراض مستعصية مثل الصدفية والإكزيما والبهاق، كما يقطع المدينة نهر صفرو الكبير، الذي يعتمد عليه سكان المدينة في ري بساتينهم.
حفظة القرآن الكريم
مدينة صفرو اشتهرت أيضاً بأعلى عدد حفاظ للقرآن الكريم، بسبب انتشار «الكتاتيب» ومراكز تحفيظ القرآن المعتمد، بالإضافة إلى إقامة مهرجانين سنوياً لتكريم الفائزين في مسابقات حفظ القرآن الكريم التي تقام كل ثلاثة شهور، وبلغ عدد الأطفال من حفظة القرآن حتى يناير الماضي ستة آلاف طفل، بخلاف الشباب والرجال والنساء، حيث يبلغ عدد سكان المدينة حوالي 71 ألف نسمة وفق إحصائيات 2014، وهذه النسبة من حفظة القرآن كبيرة للغاية مقارنة بعدد السكان، ومقارنة بباقي مدن المغرب ودول الجوار المغاربية، كما يقام مهرجان سنوي في موسم جني الكرز، يسمى مهرجان «ملكة جمال الكرز» ويتم اختيار ملكة جمال المدينة في يونيو من كل عام، ويحضر هذه المهرجانات وفود عربية وأجنبية من أغلب دول العالم سواء المشاركين أو المدعوين لهذه المهرجانات.
الطبيعة الساحرة
أهم المزارات السياحية في المدينة هي القصبة «المدينة القديمة» والأسواق الشعبية داخل أسوار المدينة القديمة، حيث يتمركز الحرفيون المتخصصون في صناعة الحلى الذهبية والفضية يدوياً وبالطريقة التقليدية، والنقش على النحاس يدوياً وصناعة الجلود اليدوية، والدباغة، والخياطة التقليدية التراثية، ويقبل السياح الأجانب على هذه الأسواق، كما تصدر أغلبها إلى دول أوروبا، كما توجد قلعة صفرو على أطراف المدينة أعلى جبل صفرو، وهي قلعة بناها المورسكيون من سكان المدينة بالتعاون مع قبيلة من الأمازيغ سكنت الجبل لحماية المدينة من هجمات البرتغاليين والإسبانيين خلال القرن السابع عشر والثامن عشر الميلادي، كما توجد شلالات وينابيع صفرو الطبيعية، والوادي الأخضر الساحر، وجميعها مناظر طبيعية جذبت السياح والفنانين من كل دول العالم، خاصة أوروبا، كما أنها أكثر المدن في المغرب وفي شمال إفريقيا إنتاجاً لفاكهة الكرز، وتنتج مزارعها أجواد الأنواع وهو نوع «حب الملوك» ويصدر إلى دول أوروبا.
مدينة العلماء
مدينة صفرو اشتهرت أيضاً بكونها مدينة العلماء، حيث كان الموريسكيون على قدر كبير جداً من العلم والتحضر عندما جاؤوا إلى المغرب، فشيدوا المدارس في المدينة والمدن المجاورة، ونشروا العلم الديني والدنيوي، واحترفوا صناعة الورق ونسخ الكتب، وتوسعت حلقات العلم في المساجد وأصبحت صفرو منذ منتصف القرن السادس عشر الميلادي وحتى الآن مدينة العلوم والعلماء، وتنتشر المكتبات العامة في مختلف أنحاء المدينة، ومحال بيع الكتب القديمة، ويحتفظ متحف مدينة صفرو بأمهات الكتب لكبار علماء الأندلس من القرن السابع الميلادي وحتى القرن السادس عشر، كما يوجد به مخطوطات وصكوك ملكية أصلية بعقارات وضياع المورسكين في الأندلس، وعشرات الكتب والوثائق القديمة التي تؤرخ لتاريخ دولة الأندلس وسيرة الملوك والأمراء خلال دولة الأندلس الممتد لثمانية قرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى