النقد الأدبي

( *عبد الفتاح الأسودي* ) ? *الشاعر المفتون بجمال الوطن، قراءة في ثلاث قصائد*

( *عبد الفتاح الأسودي* )
? *الشاعر المفتون بجمال الوطن، قراءة في ثلاث قصائد*
(الحلقة الأولى )
قراءة / مروان المخلافي .
**توطئة* :
كثيرون هم الشعراء الذين سكنتهم أوجاع أوطانهم ، واستوطنت شعرهم كثير من الإشارات والملامح التي يصوبون بها نحو الواقع المرير الذي تعيشه مجتمعاتهم وأوطانهم ،ثورة على دروب التخلف التي تعيشها ، حتى أصبح هذا الصنف من الشعراء مع الأيام لا يستطيعون الفكاك من سلطة التعريج على مكامن الخلل في نهضة مجتمعاتهم ، وإنه لشيء جميل أن يحز في أنفس الشعراء الواقع المرير التي ضرب بأطنابه عميقا في حياة شعوبهم كنوع من الدعوة إلى نبذ ثقافة اللامسئولية التي قد تعيشها مثل هذه الشعوب التي أودى بها تشربها لمثل هذه الثقافة التي هي وراء كل تخلف
وصنف آخر من هؤلاء الشعراء من آثر التغزل بجمال وطنه بعيدا عما قد يعكر صفو هذا الجمال الخالص ، وهو أسلوب يعد مندحة لحامله عندما يطوع اللغة في خدمة الجمال وأي جمال ، إنه جمال الطبيعة والمكان التي انبثق جماله من جمال هذه الطبيعة ، وشاعرنا الذي نحن بصدد الحديث عنه هو أحد هؤلاء الشعراء الأفذاذ الذين استطاعوا بما حباهم الله من كلمة شاعرة وميزهم بحس مرهف أن يرسموا مثا هذا الجمال من خلال الكلمات ، فقدموا لنا جمال المكان في لوحات زاهية ليس هناك أروع منها نظرا لأنها تستفز القارئ.
* *إبحار وتجديف* .
والشاعر عبد الفتاح الأسودي هو شاعر يمني معاصر و في نفس الوقت هو شاعر يستحق منا أن نضفي عليه صفة المفتون بجمال الوطن ، والمسكون قلبه وعقله وفكره ووجدانه بروائع السعيدة ، نظرا للهامش الكبير الذي أفرده لقصائده التي تغنى من خلالها بالجمال الكامن في ربوع اليمن .وهو شاعر أيضا من توفيقه الشعري أن نظمه لبعض القصائد من روعتها وقوة بيانها ورصانتها وجدت من يشدو بها ،فغنتها الألسن ،وشدت بها الحناجر ، وهفت إليها الأنفس، فأيقظت القلوب بالجمال، وأشعلت الأرواح بحب الوطن، وغدت أغان للوطن الغالي وأبناءه الكرام
وفي شعره سيدرك القارئ كم أن الشاعر قد حاول جاهدا بكل ما أوتي من قوة اللغة ، وفصاحة البيان المعتمد على التركيب المحكم للألفاظ ، وحسن الصياغة للكلمات ، والانتقاء الموفق للمفردات أن يقدم للمتذوق شكلا جميلا من أشكال القصيد الذي يسعى فيما يسعى إليه إلى إبراز الوجه المشرق والمتوهج لجماليات المكان ، وروائعه الزاهية ،
ونحاول في هذا السياق وعبر ثلاث حلقات أن نستكنه مدافن الروح عند هذا الشاعر ، في محاولة منا لقراءة الاسلوب والمنهج الذي استطاع الشاعر أن يصل من خلاله للمتلقي سواء كان عبر السهول الممتنعة التي جعلها الشاعر أرضا يسير عليها من أراد فهم شعره نخبويا كان أو عاديا .
**تأملات جدانية لحالة من الشعور* .
سنقف في هذه الحلقات الثلاث مع ثلاث من قصائده التي سيدرك القارئ من خلالها عبر بسطنا لها كم أن الشاعر صاحب بصمة استطاع أن يتميز بها عن غيره من الشعراء .
في قصيدته مَعْزوفة الزمان التي نتناولها أولا يجدر بنا أن نقول أن الشاعر ذكي في البدايات وهو ما نسميه أدبيا بحسن المطلع التي يبذل فيها الشاعر – تماما كما هو الحال عند شعرنا الأسودي – كثيرا من الجهد الأدبي للإمساك بتلابيب القارئ حتى يقوده بلا زمام نحو قصيدته
أهْواكِ يا مَعْزوفة الزَّمانِ
يا سُوْرَةُ الإيمان والأمانِ
يا ترجماناً باذخَ المعانِي
للكَون يُهدي روْعة اليمانِي
مجرَّةُ الأمْجادِ والأمَاجدْ
وكوْكَبُ الإبداع والفَرَائدْ
إيْمانها للمُؤمنِين رافدْ
على مدى التأريخ والشَّواهِدْ
*نلاحظ أن الشاعر قد بدأ قصيدته بالإفصاح عن محب استعار لاسمه ” يا مَعْزوفة الزَّمانِ، سُوْرَةُ الإيمان والأمانِ، ترجماناً باذخَ المعانِي ” دون أن تخلو بدايتها من أسلوب النداء الذي استخدم له حرف “الياء ” في أسلوب لا يخلو من التحبب الجميل الذي يريد منه الشاعر توصيل ما يريد توصيله من خلال حرارة الشعور التي نجدها في ثنايا شعره فكرة وتجربة وأسلوباً كما سيتبين لنا في بقية أبيات هذه القصيدة التي يعرج فيها على ذكر محبوبه وما يهواه ولكن بطريقة يميل بها للإفصاح أكثر من البدايات عن هذا المحبوب فيقول في المقطعين اللاحقين لهذه البداية*
يا موْطناً من أطيَبِ الطّيُوْبِ
منْ أعَذبِ المُهْجاتِ والقلوبِ
كَمْ حُزْتَ في الإِكْرام من نَصيبِ
عند النَّبيّ المُصْطفى الحَبيبِ
يا مَوْطناً أنقى مِنَ النقاءِ
يَهْنْيكَ ما في الشَّعبِ من صَفاءِ
فلْتحْتَفلْ بالنَّوْر والبَّهاءِ
مادمتَ نبْضَ الأرْض والسَّماءِ
**تكنيك أدائي بروائع لغوية*
ومجمل هذه المفردات التي استطاع الشاعر أن يتلاعب بها بطريقة رائعة جعلت منها مداميك لبناء جميل يتبدى
للقاريء من خلال ما يتذوقه من هذا التلاعب ، الأمر الذي يتأكد لنا بأن الشاعر الأسودي شاعر يحمل فكراً أدبيا راجحا قد مكن للصياغة الشعرية الأصيلة في نفسه، من أجل ذلك وجدنا شعره نقي العبارة، جميل الصورة، فصيح الأسلوب، عذب البيان، قوي النسج ينبض بحرارة الجمال وأصالة الطرح ،أمور مجتمعة جعلت منه سهل ممتنع ، ناهيك عن العاطفة الصادقة التي يمتاز بها شعره ، فحرارة الشعور نجدها في ثنايا شعره طافحة ومفعمة بشكل كبير ، لما يمتاز به من تعبير عن مكنونات الجمال المكاني وخباياه من خلال ذلك الاستعراض الرائع لما يتمتع به المكان ودعوته إلى عودة الروح المحلقة في الجنبات والزوايا والعتبات التي تمثل وجه المكان ،
فالشاعر عموماً يتخذ لنفسه طريقةً في الكتابة هي حصيلةُ ثقافته و فكره و معتقداته و ذائقته الجمالية، تأخذ شكلَها تبعاً لما يملكه من مخزون أدبي
إن مثل هذه الحقائق دامغة في شاعرنا تقوي واقعيتها لدى الشاعر بقية مقاطع القصيدة التي اخترناها بعناية لما تمثله من اسلوب رائع في إبراز الجمال بأروع صورة وابهى حلة فيقول وقد أفصح عن مكنون حبه وأفصح أيضا عن ماهية محبوبه
*أرقى الأغانِي في الهَوى بلادي
يُرْوى بها وجْدانُ كُلِّ صَادِ
لما تَزَلْ فيَّاضَة الفؤادِ
مَبْذولة للحُبِّ والودادِ
فيها مَلاذٌ للَّذي تمَنَّى
رَيْحانَةٌ يحْيا بها ويفنىَ
في ثغْرها الدَّفاق ما تَسنّى
من حكْمَةٍ، منها العُقولُ تَغنىَ
آفاقها بالمَكْرُماتِ تحْفُلْ
والرّوحُ فيها بالبَياض تَرفُلْ
في كل يومٍ تَزْدَهِي وتجْمُلْ
والعزَّةُ الشَّماءُ ليْس تأفُلْ
**بناءآت منتظمة تدفق الشعور* .
أقف عند هذه الثلاثة المقاطع لأسأل هل يتسنى لشاعر ان يؤدي اليك عبارة منظومة تحمل كل اسباب التأثير التي نجدها في هذه الثلاثة المقاطع ؟ كلا. ومع هذا فمعناها الذي تحمله معنى عادي. ولكن اسباب الفتنة التي ابدعها هذا الشاعر تأبى أن تخضع لأي شرود عن المعنى الحقيقي والأصلي لما يريده الشاعر حتى دون أن نتناول هذه المقاطع بالتوضيح لأن شاعرنا كما اسلفنا سهل ممتنع ، يطالع شعره فيلتذ له ويتذوقه من كان نخبويا أو عاديا ، وبحيث إذا أردنا ان ننقل البيت عبر إبراز جمالياته . فإننا لاننقل الى الناس الا معنى عاديا عرفه الادباء قبل المتنبي وابتذلوه وشبعوا منه. وحينئذ فنحن لم نبرز خصائص هذا الشاعر ولم ننصف عبقريته ولم نقدم الى الناس شعره الممتاز، بل قدمنا فكرة من أفكارنا ورأيا من آرائنا ، لتبق القصيدة من وضوحها كأنها الشمس في ضحاها أو القمر إذا تلاها ، فلا أعتقد أن ذلك يصلح مع هكذا قصيدة رائعة .
ثم يمضي الشاعر بكل سهل ويسر وبلا تكلف أو تنطع يقرر بعض الحقائق
برَبِّنا مَحْرُوْسَةٌ بلادي
من القُلوب السُودِ والأعادي
وجْدَانُها للطَّيبيْن حَادي
نحوَ العُلا والمَجْدِ والرَّشادِ
ليعرج بعد ذلك
منْ هاهُنا شَمْسُ الحياةِ هَلَّتْ
بَلْ هاهُنا غاياتُها تَجَلَّتْ
ما منْ نُفُوسٍ عزَّها استَقلتْ
إلا دَنتْ مِنْ رُوْحنَا، وصَلَّت
منْ هاهُنا أطلَّتِ البشارَةْ
بل هاهنا الإنسانُ والحَضَارةْ
ما منْ بلادي أورثتْ نَضَارَةْ
إلا بها منْ اليمن أمارةْ
في الأبيات السابقة يتضح لنا أيضا أن انشداد العواطف والأحاسيس النابعة من الداخل أساسية في تأثيث أي نص لأنها تمنحه بعدا جماليا أكثر وبصمة واضحة من وجدان كاتبه. فيؤثر الشعور الإنساني الصادق في المتلقي وتؤثر عليه لتمنح النص نجاحا كبيرا. وهاذين المقطعين من النص مشبعان بالرقة مما يمنح القارئ مساحة كبيرة من الترقب لما سيأتي بعده من أحداثا ليمنحاه تفاعلا كبيرا يجعله يحلق مع ذات الكاتب الشاعرة .
**عروج يعانق المتلقي بأدآءآت المتعة النشوة* .
ويزيد تحليق القارئ مع الشاعر كثيرا في هذه الابيات
موْطنِي، معزُوفةُ البُنِّ الرًّخيمةْ
بصمةُ الإبداع في صَنْعَا القديْمةْ
مَوْطنِي، منْظوْمَةُ الحُبِّ الحَمِيمةْ
ليْس تحْوي غيْرَ أذوَاق سَليْمةْ
في شبَام الرَّوح مرْآتي الأصيْلةْ
تقرأ الآتيْ بأنفاس طويْلةْ
كلُّ نبْضٍ في زواياها الجَليْلةْ
يقتَدي عيْنيَّ آزال الجمِيْلة
هــاهُنــا رُوْحُ السَّمـاءِ
مهْـرَجَـانٌ منْ ثنـاءِ
يحْتَفِـي بـالأبـْريـَاءِ
أول ما ينتبه إليه القارئ فيما سبق أن عبدالفتاح الاسودي قد تخلى عن القالب التقليدي و أن الصياغة اعتمدت بالأساس على الاحساس لجعل الفكرة شعرية بأسلوبها و ابداعها . فكان نمطا جديدا متجاوزا لكل الأطر التي تعودناها ،و احساسنا به هو الذي خلق هذه اللذة والقشعريرة الجميلة ، و أنت تمارس عليه فعل القراءة ، والمقطعين التاليين يدلانا على هذه الحقيقة فيقول فيهما
مَوْطني ميْقاتُ أشجانيْ الحَيارَى
شُرْفةٌ في الغيْم تَسْتَجْلي الصحارى
مَوْطنِي منْ وجْههِ المجْدُ اسْتَنارا
يُذهلُ الشَّمْسَ ارْتفاعاً واقتِدارا
أنْتَ يا مَنْ بالهوى قلبي يُظلِّهْ
كلُّ يوْمٍ، أنت عُمْرٌ، أستهلَّهْ
ليْسَ وجْدانيْ، ولا قلبيْ يمَلَّهْ
كيفَ لا أروْى وأنْتَ الحُبُّ كُلَّهْ؟
أما إذا وصلنا إلى ختام القصيدة فإن الوضع يختلف ، لأن الشاعر يحاول وقد بدأ قصيدته بمطلع حسن ، ومر من بين ثناياها مرورا اتسم بالسلامة فإنه يحاول قدر المستطاع ان يختمها بختام رائع يتناغم مع المطلع والثنايا
فيختم بقوله وقد وفق لذلك
موْطنـي ذاتـي وظلـي
منتَهى هَجْسِي وشغْلِي
فيه ما يُعنِي ويُعْـلِـي
إن من الروائع التي يتميز بها الشاعر الاسودي أنه ثابت في بناء قصيدته التي لا يحب كسر إيقاعها بملمح لفظي أو معنوي قناعة منه على ما يبدو أن القارئ يشعر معه بتغير اتجاه النص كليا ، حتى لا يستشف القارئ من خلجات الشاعر بأنه يقر بمرارة الحقيقة ويعلن الهزيمة من خلال ما يمكن أن يعكر ذائقة القارئ الذي ما زال يستطرد في تمتعه.
*يتبع* …………..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى