مفالات واراء حرة

“طريق الموت” بقلم/حنان العجمي

طريق الموت
بقلم/حنان العجمي
يُحكَى أنه بيومٍ من الأيام طريق أُطلِقَ عليه طريق الموت !!
تُرَى ما حكاية هذا الطريق ولماذا سُمِّيَ بهذا الإسم الغريب؟
تبدأ الحكاية بسائقٍ يقود عربة وأرواح داخلها تريد الوصول دون الذهاب بطريقٍ
لا عودة منه ولكن لا مَفَر من الركوب بِنفس العربة إنها الوحيدة بطريق واحد
سَلَّموا أمرهم لله بدأ السائق الرحلة سالكاً طريق الموت ولكن النجاة بِيَدِ الله
السائق بطل قصتنا رجل طبيعي لا توجد عليه أي مظاهر تدعو للشك به فهو مُنتَبِه تماماً ولقد تَحَمَّل مسئولية توصيل هؤلاء الغرباء مُتَوَكِّلاً على الله وبدأت الرحلة بسلام
تناول طعامه وأخذ دواءه المُعتاد الذي صُرِفَ له بِروشِتة معتمدة وموثقة بختم رسمي من طبيب مُختص
استمر في قيادة العربة والناس لاهين
كُل بحاله وعلى أحد المقاعد جلس طالب جامعي يريد الوصول لجامعته مبكراً لأداء اختباراته وحضور محاضراته اليومية فتح الطالب كتابه ليقرأ ويُذاكر عِلم التشريح
وأخذ يحلم متى يحين الوقت ليتَخَرَّج ويصبح طبيباً ناجحاً وهي أحلام مشروعة
بجانبه جلست سيدة واضعة بين أرجلها على أرض العربة صندوق صغير ملئ بالجبن والبيض والفطائر التي أَعَدَّتها لتبيعها بالسوق الذي تذهب إليه يومياً بهذه الرحلة الشاقة سالكة نفس الطريق راكبة بنفس العربة مُتَمَنِّيَةً أن تحصل على ربح وفير وتعود بالصندوق فارغاً ويدها مُحَمَّلة ببعض الجنيهات فهي أرملة توفي زوجها وتُعِيل صغارها منذ سنوات وتنفق عليهم من كَدِّها وتَعَبِها فزوجها كان عاملاً بسيطاً
بأجرٍ زهيد ولم يترك لها ولأبنائها شئ تستند عليه لتعيش مرتاحة البال دون عناء
نظرت السيدة البسيطة نحو النافذة وأخذت ترسم حياة أبنائها متى ستتزوج ابنتها الصغيرة ذات العشر سنوات “خديجة” وكيف تستطيع تأمين احتياجات ابنتها وتجهيزها بما هو ملائم لِعروس وأخذت تُفكر كيف سَتَدَّخِر كل عام مبلغ صغير من المال تضعه بعيداً عن نفقات البيت حتى تبلغ ابنتها”خديجة” عامها العشرين إنها عشر سنوات كاملة وبهذا الوقت يكون قد تَخَرَّج من الجامعة إبنها الكبير “محمد” وقد تحدثت مع المهندس الزراعي بقريتها وهو رجل له شأن كبير ولديه العديد من المعارف رُبَّما يستطيع
أن يُدَبِّر عملاً لإبنها “محمد” حتى يساعدها في نفقات المنزل وشَرَدَت السيدة بذهنها تتخيل كيف تمر السنوات العشر ومتى سترتاح من هذا الطريق الذي تسلكه يومياً وهذا العناء لتوفير لُقمة العيش لها ولأبنائها
ثم راحت في نوم عميق من التعب
على الجانب الآخر رجل طاعن بالسن بالمقعد المقابل يتراءى لك هذا الرجل بوجه يملأه التجاعيد والخطوط كل خط بوجهه هو سنة مَرَّت من عُمْره حاملاً الهم فيها فقد أُحِيل للمعاش مبكراً من عمله بالمصنع بعد حادثة أفقدته إحدى ذراعيه تحت سنون ماكينة كان يعمل عليها
لم يستطع المسكين الحصول على معاشه منذ شهرين وركب هذه العربة الوحيدة بهذا الطريق الواحد ليتحقق من إدارة المعاشات عن سبب انقطاع معاشه وإلا ماذا سوف يفعل؟ وكيف يمكنه أن ينفق على أسرته
بجانبه جلست شابة صغيرة في هدوء تبدو بالثامنة عشرة من عمرها ترتدي ملابس خفيفة وتكاد ترتجف أمام من يُدَقِّق النظر بملامحها من شدة البرودة التي انتابتها
من كثرة الخوف الذي يسكنها ولتفكيرها بمجهول ينتظرها بنهاية الطريق ركبت العربة راغبةً الذهاب للعمل بأحد منازل الأثرياء لتساعد أبيها وتعينه على الإنفاق على إخوتها الصغار …يبدو أن لكل راكب بهذه العربة قصة مختبئة وراء ملامحه
لا نعلمها ولكلٍ عالمه الذي يسرح بملكوته
وكل قصة تَقبع برأس صاحبها وما زال سائق العربة يمسك بالمقود جيداً ويُنَبِّه نفسه كل لحظة بتناول كوب من الشاي الذي يهتز من حين لآخر طوال الطريق ليتناثر هنا وهناك على ملابس السائق
الذي يلتفت يميناً فجأة ليحضر تلك المنشفة ليمسح ما وقع على ملابسه
من الشاي وبلحظة غير متوقعة شعر بالدوار الذي انتابه كثيراً في السابق بجميع رحلاته ولكنه سرعان ما يعود لحالته الطبيعية
لقد تناول دواء الصداع النصفي للقضاء على ذلك الألم والنوبات المتتالية
التي لا يوجد حل لها وهو دواء مخدر
لا يُصرف إلا بمعرفة طبيب التفت السائق يساراً ليحضر منديلاً يمسح به عرقه المتساقط على جبينه من شدة الألم بنفس اللحظة بدت أمامنا سيدة في منتصف العمر ترتدي ملابس أنيقة يظهر عليها الوقار وهي من الركاب وسط المقاعد مشاركة بتلك الرحلة تريد الذهاب إلى ابنها لتقضي معه أول أسبوع بشهر رمضان لتحتفل بالشهر الكريم مع أحفادها الصغار الذين ينتظرونها بفارغ الصبر ويوجد بجانبها حقيبة صغيرة نستطيع أن نلمح ما بداخلها إنها فوانيس رمضان الملونة التي أحضرتها لأحفادها وتراها وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة تدعو الله أن تصل بسرعة متشوقة لرؤية ابنها وصغاره فلم تراهم
من بداية فصل الشتاء…
ما زالت العربة مستمرة في سيرها والسائق أَحَسَّ بالإعياءِ الشديد فنادى مُساعدَه لِيُكمل مكانه قيادة العربة ليرتاح قليلاً تولى المساعد المهمة ولكن يبدو عليه النعاس الشديد لم ينم منذ البارحة بسبب تواجده مع ابنته التي أُجرِيَ لها عملية قلب مفتوح بالمستشفى وقد تركها مع والدتها للذهاب لعمله ومصدر رزقه وبصعوبة بالغة كان يفتح جفنيه وبدأ تركيزه يقل تدريجياً وتقع يده من على المقود وبهذه الأثناء أخذ يتحدث مع السائق الذي أصابه الإعياء ودار الحديث حول العربات التي أصبحت متهالكة وتحتاج لصيانة فهم يحملون أرواح الناس على أَكُفِّهم ولابد من اتخاذ الإجراءات اللازمة من قِبَل المختصين
ولكن السائق المريض اشتد عليه الألم برأسه وطلب من مساعده أن يتركه لينام دقائق قليلة ويتولى هو مسئولية القيادة …نام السائق المريض
وغطَّ في ثبات ونوم عميق من أثر جرعة الدواء المُسَكِّنة التي أخذها ولم يجد مساعد السائق الذي يشعر بالنعاس مَنْ يتحدث معه طوال الطريق ليظل مستيقظاً
ولكنه كان يسمع صوتاً غريباً صاعداً
من داخل العربة تُرَى ما السبب؟لا يعلم!
قال مُحدِّثاً نفسه الله ستَّار يعلم بحالنا
إن شاء الله سنصل سالمين …تثاقل جفناه حتى انغلقا تماماً وهنا حدث ما لم يكن بالحسبان انحرفت العربة عن مسارها خرجت عن القضبان صوت صرير شرر يتطاير من احتكاك العجلات وخروجها
إلي طريق الموت أصوات صراخ وبكاء تعالت بالسماء انقلبت العربة وتوالى انقلاب عربات قطار الفزع جثث تناثرت بالهواء أشلاء هنا وهناك أنين لبعض المصابين ما يزالون على قيد الحياة مأساة وكارثة بكل المقاييس …تُرَى ماذا حدث؟
مَنْ المُتسبب بالحادثة ؟
هل هو الطريق المسمى بطريق الموت؟
هل كانت العربات متهالكة وتحتاج لصيانة؟
هل السبب نوم السائق المريض؟
هل تسبب مساعد السائق المُتعب من عدم النوم بتلك الحادثة المُرَوِّعة؟
ما ذنب أرواح بريئة كان هدفها الوصول لكل منها مقصده ووجهته؟؟
من المُقَصِّر والمسؤول؟
هل كان يجب منذ البداية عدم ذهاب هذا القطار بهذه الرحلة قبل صيانته ؟
من الذي على عاتقه تقع المسئولية؟
ما السبب؟عُطل مفاجئ أدى لإنقلاب العربات؟ هل هو عيب بالقضبان؟
هل السبب يكمن في عدم وجود منظومة للكشف الدوري من قِبَل أطباء متخصصين على السائقين قبل استلامهم العمل لتحديد مدى صلاحيتهم للقيادة من عدمه وتحمل مسئولية أرواح البشر وأناس أبرياء؟
هل كان يجب إعطاء مساعد السائق إجازة لظروفه الشخصية التي لا يد له فيها حتى يستعيد عافيته ويعود لعمله مطمئناً
أنه لن يتم الإستغناء عنه وسيفقد راتبه
أو يقتطع منه إذا أخذ إجازة ؟
من الجاني؟؟ لانقرأ سوى لافتة كُتب عليها
“لاتقترب إنه طريق الموت “!!
بقلم /حنان العجمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى