مفالات واراء حرة

“صندوقي الخائن “بقلم مناز تيناوي

صندوقي الخائن

بقلم مناز تيناوي

أنجبتُ مئتين وثلاثين ذكرى في ثلاث وعشرين عاماً من عمري، كنتُ أعتبر أن الذكريات خطايا لا يحقُّ لي العبث فيها، دسَّستُهم تحت جلدي، في سراديب عيوني، وعند دهاليز قلبي المظلمة خوفاً من أن تَخدُشَ بشاعتَهم نعومة أحلامي ومضيت صبيَّةً بريئةً تجاهر بأيَّامِها الزهريّة وترتجف رعباً كلَّما تردَّد على مسمعِها ما يداعبُ ذاكرتها السريّة.
كنتُ أتمايل بدلع نساء الأرض وأتحدثُ بغرورٍ ولساعاتٍ طويلة عن سنين رَّفاهيَّتي وغرفتي الدافئة حتى في ذروة يناير، أقلِّبُ صور طفولتي بين أصابعي وأمجِّدُ فساتيني فارهة الثمن وشعري المصفَّف بزيوت الشَّعر الطبيعيَّة التي لا تليقُ سوى بآخر العنقود كما تقول أمي دوماً..
كنتُ مشاكسةً مدلَّلة بارعةً في رسم قوتي كبراعتي في رسم حاجبي الحادّ إلى أن صادفتُكَ..كنتُ أخاف البوح، أرهبُ الضعف، وأرتجفُ ذعراً من سواد ذكرياتي القاسية..
تكوَّرتُ بين يديّكَ أزفر شهيقي الطويل، خدعَتني أصابعكَ التي كانت تغتصب خصلات شَّعري، وغرَّر دفئكَ بلساني فتعرَّى أمامكَ وفضح ذاكرتي التي لا حول لها ولا قوة أمام مَكرِ ثعلبٍ نجسٍ مثلَك..
تخدَّرتُ بنشوة أمانكَ الخدَّاعة تلك، ورميتُ لكَ أولى حبال ذكرياتي، بكيتُ طفولتي المُعذَّبة وشبابي المقيت، نبشتُ كلَّ خوفي وجاهرتُ بأنَّني لم أشعر بالأمان يوماً رغم حنو عائلتي عليّ، مسكتُ يديكَ وجعلتُكَ تتحسَّس برودة كلِّ حائطٍ في غرفتي لأريكَ أنَّها ما كانت يوماً دافئة كما صوَّرتها ودفئها هذا ما هو إلا لهيب حرقة سنيني، أخرجتُ كلَّ فساتين طفولتي التي خبأتُها عمراً وجعلتُكَ ترى كلَّ ثقوبها وما اهترأ منها من شدة اليتم، لم أكبت جماح يتمي أمامكَ بل تلوَّيتُ جانبكَ بكلِّ ما أوتيت من ضعفٍ وسذاجة..
قلتُ لكَ أنَّني لم أعبثُ بذكرياتي يوماً وادَّخرتُ كلَّ سنةٍ من عمري مائةً منها ووأدتها في جوفي، جوفي وحدي.
أذكر تماماً كيف لويت شدقكَ وهمست لي: أنا هنا بئر ذكرياتكِ وأسرارك..
لم يخايل لي أنَّني أرمي قطاف عذابي في نهرٍ ضحلٍ لا يحتضن سوى طحالب اللَّامبالاة، فتنهدتُ كأنَّني ألِد من حنجرتي بعد أيامٍ من المخاض واحتضنتك وغفوت فوق كتفكَ الخائن، شعرتُ أنَّني أنتقم من وسادتي المهترئة التي بكيت فوقها سنيناً طويلة دون أن يكون لها ذراعين تربتان على كتفي الغضّ..
مرَّت الأشهر وأنا أعظِّم شأنكَ، أراكَ صندوقي السريّ الذي لن يخونني مفتاحه يوماً، أضعكَ فوق أعلى رفٍّ من أرفف خزانتي، وأغرقك يوميّاً بعشرات القصص والخبايا الأنثويّة حتى أتى ذاكَ اليوم الذي هرعتُ به مسرعةً بكلِّ ضعفٍ أريد أن أخبىء بكَ غدرَ قابيل وفتنة حواء الذين واجهتُهم وحدي في حضور جسدكَ معي وغياب رجولتكَ عني..
تناولتكُ من فوق الرفّ، كنتَ مفتوحاً على مصراعيّك لكلِّ عابري السبيل، تقيأتَ ذكرياتي دفعةً واحدةً في وجهي وجلستَ تتشمَّتُ بقساوتها وتعيّرني بها كلّها وتتلذَّذ..
ذُهِلتُ، خُذِلتُ، وخِفت، رميتكَ بعيداً عني وجررتُ أذيالَ الخيبة وهربتُ بعد أن علَّمتني أن ذكريات حياتي الأليمة وبكل ما كانت عليه من ظلمٍ لم تكن يوماً خطايا بل وحدك كنتَ خطيئتي الكبرى التي لن تغتفر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى