الدين والحياة

شعاع من نور ومع فتاوى الصيام ” الجزء الأول

شعاع من نور ومع فتاوى الصيام ” الجزء الأول ”

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

 

إن المسلم على يقين تام بأن الأمر الذى يأمر به الله تعالى فيه النفع والخير، وإن جهلناه، إذن فالصوم خير لنا في ديننا وخير لنا فى دنيانا، وهو أصلح لقلوبنا وأصح لأبداننا، وهو أشفى لأسقامنا وأنقى لضمائرنا وأكثر لحسناتنا، وأنفى لسيئاتنا وأهذب لأخلاقنا، وقبل ذلك كله فهو أرضى لربنا، وأما عن حكم تناول حبوب منع الحمل في رمضان وإنه يُراد بمنع الحمل فهو اللجوء إلى الطرق والوسائل التى تمنع وتحول بين المرأة والحمل، ومنها العزل، والامتناع عن الجماع وقت الإخصاب، وتناول بعض العقاقير المانعة من الحمل، وغيرها، فإن حكم تناول حبوب منع الحمل لها أقاويل كثيرة، فإن النسل نعمه من نعم الله عز وجل،على الإنسان، وقد حث الإسلام على التناسل والتكاثر، ولذلك يحرم منع الحمل خوفا من الفقر، فقال الله تعالى ” ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا” كما يحرم على المسلم استئصال القدرة على الإنجاب سواء عند الرجل، أو المرأة، إلا إن تحقق ضرر مؤكد بسبب الإنجاب.

 

مع إباحة تناول حبوب منع الحمل لضرر ما، بموافقة الزوج إن كانت الزوجة لا تستطيع الحمل والولادة كل سنة، على أن يكون المنع بوسيلة مشروعة لا يلحق بالزوجة أى ضرر بسببها، وأن يكون بقرار طبيب موثوق، ومن الأحوال التى يجوز للمرأة أن تتناول حبوب منع الحمل فيها تناولها لمدة سنتين لإتمام رضاعة ولدها وبذلك فالإسلام يجيز منع الحمل فى ظروف وأحوال خاصة فيباح في حال كان الرجل كثير الأولاد، أو كانت المرأة ضعيفة، أو كان الرجل غير قادر على تربية أبنائه، وأما عن حكم تناول حبوب منع الحمل بقَصد تأخير الحيض فى رمضان، فإنه تتعدد المقاصد التى يتم تناول حبوب منع الحيض لتحقيقها، ومنها المحافظة على صحة الطفل أو الأم، أو تنظيم الحمل، أو بقصد إتمام مناسك الحج أو العمرة، أو بقصد تحقق الحيض، فإن كان بهدف نزول دم الحيض في رمضان للإفطار فيه، فلا يجوز تناول تلك الحبوب؛ إذ إن في ذلك تحايل على أحكام الشريعة، أما حكم تناول المرأة حبوب منع الحيض فى رمضان.

 

 

 

فإن أهل الفقه فى هذه المسألة على قولين، وبيانهما، أن القول الأول، أنه يجوز تناول حبوب منع الحيض في رمضان، بشرط عدم لحوق أى أذى، أو ضرر بالمرأة بسبب ذلك سواء في شهر رمضان، أو غيره من الأزمان، وقد أفتى بذلك الإمام ابن باز، وعدد من مجامع الإفتاء المعاصرة، وبناء على ما سبق، يجوز للمرأة تناول حبوب تأخير الحيض في شهر رمضان، على ألا يترتب أى ضرر على ذلك لما فيه من مصلحة للمرأة من الصيام مع الناس، وعدم الإفطار ثم القضاء، كما صرح بذلك الإمام ابن باز رحمه الله، ويضاف إلى شرط عدم ترتب أى ضرر على المرأة، أن يتم تناولها بإذن الزوج إن ارتبط الحيض بأى أمر يخصه، ومثال ذلك المرأة التى تعتد بالحيض، فإنه لا يحق لها تناول ذلك الدواء إلا بإذن الزوج فهى لو تناولته، لاستمرت العدة مدة طويلة، مما يرتب على الزوج بذلك السكن، والنفقة مدة أطول، وأما القول الثانى، فإنه يكره للمرأة تناول حبوب تأخير الحيض في رمضان لتصوم مع المسلمين.

 

إذ إن الحيض أمر كتبه الله تعالى على المرأة، وعليها أن ترضى به، كما أخرج الإمام البخارى فى صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت ” خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا نسرف حضت، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أبكى، قال، ما لك أنفست؟ قلت نعم، قال ” إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضى ما يقضى الحاج، غير أن لا تطوفى بالبيت” قالت وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على نسائه بالبقر” كما أن تلك الحبوب قد تؤثر في الحيض في المستقبل، وحال الامتناع عنها بعد مُضى رمضان، ومن القائلين بالكراهة الإمام ابن رشد رحمه الله، إذ كره ذلك خوفا من التسبب بأى ضرر للمرأة، وإن تناولتها، وانقطع الحيض، وصامت، فصيامها صحيح، كما بينت ذلك دائرة الإفتاء الأردنية، مع جواز تناول تلك الحبوب فى الحج لأنه من العبادات التي تؤدى مرة واحدة فى العمر، والحيض يمنعها من الطواف الذى يعد ركنا من أركان الحج، ولا يمكن إجزاؤه بأى طريقة أخرى.

 

أما الإفطار في رمضان بسبب الحيض، فيمكن قضاؤه، كما أنه يتكرر كل عام، وتجدر الإشارة إلى أن المرأة الحائض تنال الأجر إن أفطرت في شهر رمضان بسبب عذر شرعى إذ إنها بفطرها تستجيب لأمر الله تعالى، وما قدَّره عليها، وإن المتأمل فى حِكم الصيام ستقابله حكم جليلة وأسرار شريفة لأجلها أمر المولى عباده أن يمتنعوا عن مأكلهم ومشربهم وشهواتهم، فالصوم في بادئ الأمر عبادة وإنما تنال الجنة بالطاعة وإنما يتمايز الناس بتعبدهم لرب البريات وبكسبهم للحسنات ومع هذا فالصوم مع ما فيه من بعض المشقة والصعوبة إلا أن الله لم يُرد بفرضه على العباد إلا اليسر وليس فى شرع الله عسر، وإن مشقة الصيام محتملة وهي ليست مقصودة لذاتها وإنما هى ثمن قليل يدفعه الصائم لنيل عوض كبير ولن يبلغ المرء جنة ربه إلا على جسر من المشقة وفى هذا يقول ابن القيم “قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب، ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر.

 

وتحمل المشاق، ولذلك حف الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات” ويقول “ولذة الدنيا والآخرة ونعيمها، والفوز والظفر فيهما، لا يصل إليه أحد إلا على جسر الصبر، والسيادة فى الدنيا والسعادة فى العقبى لا يوصل إليها إلا على جسر من التعب فحق للصائم أن يصبر على شدة صومه وليعلم أن الأجر على قدر المشقة والنصب وأن تعب يومه سيذهب عند فطره ومشقة صومه ستزول عند لقاء ربه، فإن من أفضل الأعمال الصالحة وأجلها عند الله تعالى الصيام، فقد رغّب فيه الشرع وحث عليه، وجعله أحد أركان الإِسلام العظام، وأخبر جل وعلا أنه لا تستغنى عنه الأمم لما فيه من تهذيب الأخلاق، وتطهير النفوس، وحملها على الصبر، فالصيام فرض مكتوب وركن من كل مسلم مطلوب والصيام في أصله ليس باليسير وهو فى الصيف أكثر مشقة حيث طول النهار وحرارة الجو ومع هذا فاليقين المستقر لدى كل مسلم أن الله لا يأمر بشيء إلا لحكمة وأنه سبحانه قال في آيات الصيام كما جاء فى سوررة البقرة.

 

” يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر” وكم يجمل بنا ونحن فى زمن النهار الطويل أن نتأمل في حكمة أمر الله بالصيام, لينشط المرء, وينشرح المسلم وهو يؤدي هذه العبادة الجليلة؟ وعبر بوابة الصيام نتعلم الصبر والإرادة, وفي مدرسة رمضان نتربى على الأخلاق والخصال الفاضلة, ننهل من معينها التقوى, نقرب فيها من المولى نتقلب في أبواب خير, وطرق طاعة، فاسعد بصومك, واستبشر أن بلغك ربك شهرك, وافرح حين فطرك, ويعدّ صيام شهر رمضان فرضا على كل مسلم مكلف قادر، وركن من أركان الإسلام الخمس، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” بنى الإسلام على خمس، شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان” ويحرَّم على المسلم الإفطار دون عذر، ويجب فى أعذار أخرى، كالحيض، والنفاس لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أليس إذا حاضت لم تصلى ولم تصم قلن، بلى قال ” فذلك نقصان فى دينها”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى