مفالات واراء حرة

شريف روما " بقلم الأديبة رولا حسينات‏ ‏(كاتبة أردنية)‏"

شريف روما
في حين كان المنجّمون المتكلّمون في قرانات العُلويّين يترقّبون القران العاشر في المثلّثة الهوائية (قراءة النجوم والطوالع).
كان ابن خلدون في مقدمته يتنبأ بشكل جديد للدولة بعيد كل البعد عن الدولة العصبية؛ والتي تعتبر في مراحل أطوار الدولة الخمس الجيل الأول، الذي يقيم دعائم السلطان، لأنه ما زال على خلق البداوة، والعصبية ولكنه ما يلبث أن ينتهي في الطور الثالث حين ينسى منشئوا الدولة ما كان في عهد البداوة والخشونة، وكأنها لم تكن، ولكن سرعان ما يشعر صاحب الدولة بوجود فجوة أمنية وخوفاً على ضياع كل شيء، فيقع أمام خيار صعب؛ وهو العودة إلى العصبية باعتبارها المساند والداعم ثانية، وهو يمثل بالضرورة القبائل والعشائر، وهو يعني خوفاً أكبر باعتبارهم في هذه المرحلة ليسوا مجرد داعم بقدر ما هم أصحاب أرض؛ فيكون لجوء صاحب الدولة هنا يحتاج إلى من يدافع عن دولته وعنه؛ حيث فصل بينه وما حققه بملكه وما للآخرين، فيستعين بالموالي لأن من فيها لن يسعفوه وتظل هكذا الأمور حتى يأذن الله بالنّهاية. المرحلة بين الطور الأول والثالث هو الطور الذي تنسلخ فيه الأغلبية عن أصولهم فيكون التعلق بالترف والشهوة واللذات فتستبدل العصبية بالمهانة والخضوع فيكون شكل الدولة الأقوى عند ابن خلدون هو: الدولة الوطنية أو القومية التي لا تتأسس على علاقات الانتماء القبلية الضيقة، وإنما تسودها علاقات الانتماء الوطنية والقومية التي تعتبر الأكثر شمولية، ويمكن القول أنّ الأساس الوطني لا يعتمد بالأساس على الشعارات الرنانة، ولا المزايدة الوطنية ولا يستند بحد ذاته على التقسيم الطبقي في تولي المناصب أو حتى توريثها، ولكن أساس الدولة الوطنية في زمننا هذا مغاير تماماً للمنظومة القيمية الاجتماعية التي يتصورها ابن خلدون أو يصورها، فكان بيع المناصب، وعلم المزايدة في توليها…
حيث يكون للرويبضة شأن وقرار…ويكون أصحاب القرار من ذوي الأصول المختلفة تشتيتاً للحق والعمل على ضياعه، فيكون هؤلاء كتكوين عصب جديد بديل ليضمن الاستمرارية ولكن وصولها القائم على الفساد والوصولية ومعايير أخرى لا ترتبط بأي شكل من الأشكال المتعارف على اعتبارها نهجاً سليماً فهي لا تتفق مع المفهوم الأوسع للوطنية بالأساس الوطني؛ الذي اعتبره ابن خلدون أقوى وأمتن؛ لأنه بحد ذاته يمثل عقداً اجتماعياً متشابكاً، ورغم اختلافه الذي يضمن استمراريته وتميزه إلا أنه يضمن ثبات مبادئه وانتماء أفراده واتفاقهم على وحدة الهدف…
ويمكن القول أن امثال هؤلاء هم أساس الفساد ولا يمكن اجتثاثه ومحاربته إلا باجتثاثهم، ورغم سيطرتهم وعنجهيتهم التي تعتبر سياسة لضمان إلا أنهم مثل شريف روما في مسرحية يوليوس قيصر التي قدمها رائد المسرح العربي
جورج أبيض الذي ولد في (5 مايو 1880 – 12 فبراير 1959)، ممثل لبناني. وقد قدم أول فيلم غنائي مصري ولما تميز بإبداعه ورؤيته الفنية فقد كان أول نقيب للممثلين في مصر عام 1943…لقد استطاع حدود وأن يوحد برسالته بين البلدان، كان لتميزه في اللغة العربية أثره في أن يقدم المسرح المترجم بدقة متناهية… لبراعته أعجب به 1904 شاهده الخديوي عباس في مسرحية سياسية مترجمة تحت عنوان “برج نيل” فأعجب به وأرسله إلى باريس لدراسة الفن، وعاد لمصر عام 1910، ومعه فرقة فرنسية تحمل اسمه وبدأ بعرض مسرحيات باللغة الفرنسية.
طوال عشرين عاماً كانت له أزيد من 130 مسرحية، رغم ضيق الحال لكنه استمر …لإيمانه بأن له رسالة.
من الغريب أن تعلق بذاكرة المواطن العربي مسرحية “يوليوس قيصر” وشريف روما التي قام أبيض بعرضها على المسرح العراقي، بالطبع ككل المخرجين المتمكنين يتم الاستعانة بممثلين ثانويين وكما تقول الحكاية: بأنّ يستعين بالكمبارس المحلي…ولكن من أين؟
فكان الاستعانة بهم محلياً لخفض التكلفة واختيرت منطقة الميدان في بغداد كمنطقة لانتقاء الكومبارس لتواجد ( النشالين والعصاة والمطيرجية والشاذين).
كل من الطرفين يحقق المصلحة المنشودة…في حين يحصل أبيض على ممثلين بدراهم معدودة يقلل فيها التكلفة ويقيم أود العمل المسرحي بأدوار يمكن عدها ثانوية .فيما ينال هؤلاء أجراً على عمل لم يحلموا به من الاحترام.
فكان ما أطلقه العراقيون على (الفاسد )الذي يدعي الشرف بـ”شريف روما”..
مربط الفرس في المسرحية والتصاقها بأذهان العراقيين وأبناء الوطن العربي…هو شريف روما…
ربما استطاع أبيض تدريبهم وتغيير قشورهم لكنه لم يستطع أن يغير حقيقتهم التي يعرفها الناس…
وحينما أعلن الحاجب قدوم وفد “أشراف روما” للسلام على صاحب الفخامه يوليوس قيصر، كان مشهد ظهور الوفد…الذي أثار دهشة الجمهور فلم يكن أمامه سوى الضحك والتعليق..:عبود النشال ، وخضير ابن الـــ”…” ، ونصار الـ”…”..هم أشراف روما!
الجميع يعرفون الممثلين الكومبارس ودورهم المسرحي حتى لو كان ذلك دون ضحك وكان بدور درامي…
ربما هذا الواقع السياسي العربي الذي يبتعد كل البعد عن مفهوم الدولة الوطنية لتلك الدولة التي يتمكن أمثال فيها أمثال ساكني الميدان إلى خشبة المسرح ليتقلدوا زمام الأمر والمسؤولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى