مفالات واراء حرة

"رِسَالةٌ فِي مياهِ البَحرِ

“رِسَالةٌ فِي مياهِ البَحرِ”

 
الكاتبة إسعاف زكريا المصري
” قَتَلَ العنكبوتُ ذبابةً
قَتَلَ الهرُّ فأرًا
قَتَلَ الذئبُ حملًا
قتلَ الإنسانُ إنسانًا ”
امتد قوس قزح بألوانه الزاهية يضفي روعةً تتمايلُ لها الأغصان تيهًا، ترتعش لها أعضائي سعادةً، تتنشط خلاياي، ويراوح ساعدي كراقصة باليه تستعدُ للقاء الحبيب بعد طول فراق.
تبدأ الحياة في رسم ابتسامة على شفتي ولكن -ويالقسوة ولكن أحيانًا- يمتدّ نظري إلى أعلى قليلًا فألمح أفعى سوداء ضخمة تلتف حول جذع شجرة الصنوبر الأم، فتموت الإبتسامة ويطلّ من خلفها رعبًا وقرفًا.
أتراجع بضعَ خطواتٍ وسؤال يقفزُ في أعماقي: كيف ترضى هذه الشجرة الأزليّة الضاربة جذورها في جذور الأرض أن تعتصرها أفعى سوداء شرسة؟!
لعلّي كنت منعدم الحيلة فتخلّيت وبعدتُ وأنا أرقب الجّسد المتطاول الغليظ الملتف ينأى رويدًا رويدًا…
رحتُ أبحثُ عن إنسانٍ آخر يساعدني في عمل ما للقضاء على الأفعى، لكنني ماكدت أرفع يدي لأدعمها بصوتي مستدعيًا، حتى كان الناس وراء الأشجار المسطحة القصيرة غير عابئين بندائي.
أشجار الغابة موزعة بانتظام تمتد بينها مسافات من الرمال الجافة، كان كل رجل يختبئ خلف جذع مفلطح فيقلّص نفسه ويتكوّم ويفعل أشياء غريبة، لا أزال أدير وجهي عنه فيسقط نظري على آخر، فأضطر أن أستدير مرة أخرى.
أحاول الهروب من رؤية مايفعلون، وأفشل! فأجد أن لا ملجأ لي إلا إطباق جفني.
أسمع الهمهمات عندئذٍ كمن سكن قاع الجحيم ليتعذب لا من لسعِ النّار لكن من وقع عذابات الآخرين.
أتساءل دائمًا لماذا يختبِئ الرّجال خلف الجذوع المهترئة ليقوموا بأفعالٍ يتنصّلون منها أثناء عبورهم من جذع إلى آخر؛ ويظل التساؤل مخنوقًا بداخلي.
شجرة الصنوبر تتعالى إلى السماء وسط الغابة مطلّة على كل الأطراف، ينتفض جناحها في القمة انتفاضة هستيرية، ذلك بأنها -لاشك- ترى ماوراء الجذوع المهترئة.
أود لو أعتلي قمتها فأرى ماتراه، أوليست معرفة ما يعمل الناس خلف الجذوع ويخجلون من إظهاره بلذّةٍ عظيمةٍ؟
لكنّ الأفعى الرّهيبة تلتفّ على السّاق وتمنعني من التّسلّق.
أعود لأبحث عن شَخصي..
يلتهب عظم ساقي ألمًا وأنا أبحث، يطلّ رأس طفل من بعيد صارخًا، فأهرع نحوه لكنّ رأسَ رجل ضخم يطلّ بجانبه حاقدًا فأتراجع.
في أعلى شجرة الصنوبر ترتفع الطّيور وتغرّد، وأنا في القاع أرقى بنظري ولا للمكان نوالًا، لا أستطيع القفز، لا أستطيع الطيران.
ينتقل رجل من خلف جذع إلى خلف آخر بخفة ورشاقة حاملًا بندقية صغيرة بطول السّاعد، إنه يتابع رجلًا آخرًا علهما يتصيّدان مقتلًا من الأفعى ليمهدا الطريق لصعود الرجال شجرة الصنوبر.
كان أملي يزداد مع كل خطوة يخطوانها، لا شك أنهما قد اخترعا تلك البندقيّة لقتل الأفعى وهما يضعان الخطة لذلك.
كان وقع الخطوات يغيب ويظهر، ينأى ويقترب، والبندقية تلمع كلما اتجهت نحو الأفعى، لكنها لاتلبث أن تستدير ويأفل لمعانها.
كان الذي في المقدمة يركض مثقلًا بجذب يشدّه إلى الأرض رغم صغر حجمه، يلتفت إلى الخلف نحو الذي يتبعه، عيناه تطغيان على صفحة وجهه وهما تجحظان كلما التفتتا إلى الأفعى، أو إلى الرجل الذي يلحق به.
يتعثّر حامل البندقيّة، فيهدأ الثاني لحظة، وما إن ينهض حتى يتابع اللحاق به فيضطر هذا إلى استئناف الجري..
لو أنهما يقتلان الأفعى، لاستطعت تسلّق شجرة الصنوبر العظيمة، وشدوت مع عصافيرها ناسيًا رمال الأرض الرمادية، ولاستطاع بقيّة الرجال رؤية ماخلف الجذوع البالية.
يهرع الأعزل إلى خلف صخرة منفردة ضخمة ويغيب، إلا أنّ بضعة شعيرات من رأسه كانت تلعبُ بها نسمةّ تتّجه نحو قوس القزح الذي يندثر.
يكمن حامل البندقية خلف جذع مكوّر هرم ويسدد؛ حينما !
اندثرت الصخرة والرجل الذي خلفها، وغطّى النّظر سديم قاتم.
توقف شعوري تمامًا، لم أستطع البكاء أو الضحك بدأ السديم ينقشع لكن الضجيج ظل يخرس العالم بينما اندثر قوس قزح وسكتت الطيور.
كان قلمي جافًّا فغرسته في دمي وكتبت رسالة على قطعة من جلدي وألقيت بها في مياه البحر
وعشت أرقب الأمواج أملًا بأن القابِع وراء الجذوع المهترئة سيحلّل في يومٍ من الأيام مياه البحر ويكتشفُ ماكتِب في تلكَ الرّسالة.
عند ذلكَ فقط أصعد شجرة الصّنوبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى