مفالات واراء حرة

رسالة مفتوحة من الباحثة في علم الإجتماع و المناضلة المغربية سمية نعمان كسوس إلى الرئيس إمانويل ماكرون

رسالة مفتوحة من الباحثة في علم الإجتماع و المناضلة المغربية سمية نعمان كسوس إلى الرئيس إمانويل ماكرون

  سمية نعمان كسوس

 

استقبلت يوم 29 أكتوبر 2004 صحفية هولندية إقترحت علي المشاركة في حملة ضد الزواج بالإكراه مع عرض فيلم قصير من إخراج المخرج “ثيو فإن غوغ ” ثم سافرت بعدها إلى مدينة العيون بالجنوب المغربي بعد اتفاقنا على تنفيذ المشروع .

لما عادت و رأيت الفيلم القصير المشارك في الحملة رفضت المشاركة و قلت لها بالحرف : ” ارفض التعليق على المحتوى و المشاركة و أنصحك أن تبتعدي عن هذا العمل ؛ المخرج يعرض نفسه للقتل ”

ليس أملا مني أن يقتل لكن بعقلانية و الرأي الصائب حول محتوى الفيلم ؛ “ثيو فإن غوغ ” جدلي صاحب أراء متطرفة ضد اليهود و المسلمين .
فبعد إنفجارات 11 سبتمبر بأمريكا أساء للرسول محمد صلى الله عليه وسلم واصفا إياه ب “مغتصب الفتيات الصغار ” و وصف المسلمين ب ” ناكحي المعيز ”

وفي الفيلم القصير الذي رأيته أنا والصحفية بخصوص الحملة تظهر فيه سيدة عارية تماما كتب على جسدها أيات قرآنية في مشهد و هي تعاتب الله على الإنتهاكات التي تعرضت لها بسبب القرآن الكريم حسب مزاعم المخرج
في الثاني من شهر نونبر تعرض المخرج ثيو فإن غوغ للقتل ، حادث مرعب لكن لا احد يتعلم من الدرس .

في يناير 2015 تعرض مقر صحيفة “شارلي ابدو ” لعملية إرهابية خلفت 12 قتيلا و 11 جريحا بسبب نشر الجريدة لصور كاريكاتورية مسيئة للرسول محمد صل الله عليه وسلم

مرة أخرى لا أحد يعتبر و لااحد يفهم الدرس فتوالت الإساءة لتنتج قتلى و ضحايا آخرين ؛ أضيف إليهم الأستاذ “صامويل باتي ” ضحية أخرى للرسومات الكاريكاتورية و العنف .
أمام هذا الرعب و المآسي الدموية سيدي الرئيس تعدون أن الرسومات سيستمر نشرها .

سيدي الرئيس:
أليس هناك ما يكفي من المآسي بإسم الحرية التي تدافع عنها فرنسا ؟
عن أي حرية تتحدثون ؟ هل تلك التي تلتزم بإحترام معتقدات الآخرين ؟
أو تلك الحرية التي تهدم كل إيمان و معتقد ، هل هو إختلاف يصب في القالب الوحيد ؟

أنتم بلد حرية التعبير و الوعي بالطبع ، لكن إسمحوا لي أن أذكركم أن أسبوعية” شارلي إبدو” كان إسمها سابقا “هارا كيري” وتمت مصادرتها و منعها من طرف وزير الداخلية سنة 1970 بدعوى أنها نشرت صور كاريكاتورية مسيئة عن “قداسة شارل ديجول ” أثناء موكب جنازته .
بلد الحرية و الوعي يعطي القدسية لرجل سياسة و يرفضها لنبي !!
جميع الأنبياء يهود أو مسيحي أو مسلم مقدسين عند المسلمين و الإساءة لهم تعتبر إساءة لأسس المعتقد و حقوق الإنسان

أتوجه إليكم بإعتباركم رئيس دولة وشحتني بوسام شرفي ممتاز أن تتوقفوا عن تغدية الكراهية .
فالحرية كما علموني في ثقافتي الأصلية و في الثقافة الفرنسية التي تكونت و درست فيها والتي هي غالية عندي تتجلى في إحترام الآخرين و أن لانجرح كرامتهم و مشاعرهم و معتقداتهم. فقاتل المخرج “ثيو فإن غوغ ” صرح : ” تصرفت عن قناعة و ليس عن كراهية ”

فمن الغباء أن نفكر أن الإساءة ممكن أن تحذف معتقد .بالعكس فهي تشعل عنفا أشجبه قطعا و ليس له أي علاقة بالدين الإسلامي السمح .
لكن لكم سيدي الرئيس الإختيار أن تستمرون في التأجيج أو تهدئة الأوضاع؛ في فرنسا خمس ملايين فرنسي مسلم( و ليس مسلمي فرنسا كما تسمونهم أنتم ) يستحقون الإحترام

أنتم بلد علماني لكن العلمانية لاتبرر الإساءة لقيم الآخر ، منذ بداية سنة 2000 والفرنسيين يعيشون في المآسي و حمامات الدم و فقدان الأقرباء…لو كان فقط يحصل هذا لأجل أهداف نبيلة لكن يحصل فقط لأن حفنة من الصحفيين يريدون أن يمارسوا” المقاومة ” لكن مقاومة ماذا ؟
كيف لصور كاريكاتورية إلحادية أن تساهم في تقدم الحريات ؟
أرفض اي نوع من التطرف و قتل الأبرياء لكن أرفض و أندد أيضا بشكل أخر من التطرف أساسه الإلحاد و الزندقة إتجاه أي دين .

سيدي الرئيس:
اليوم أكثر من أي وقت آخر ، الدول و الشعوب يجب أن تتحد و تتضامن لمواجهة جائحة كورونا ؛ فهي الخطر الذي يهددنا جميعا كيفما كانت معتقداتنا.
و خطابكم يفرق بدل أن يجمع ، هل يحتاج الفرنسيين في الوقت الراهن تحمل أفعال درامية أو مقاطعة منتجاتهم من طرف 1،8 مليار مسلم ؟

من يسيؤون سيواجهون عملية التآمر التي بواسطتها يحاول الغرب القضاء على الإسلام ، حفنة من الصحفيين يغدون التطرف و الراديكالية والمشكل أننا كدول مسلمة من يتحمل تأثيرات هذا التطرف الذي يعزز صفوف الإرهابيين.
لو هذه الحفنة من الصحفيين لم تفهم فلتعطي التقييم الحقيقي للإحتقان المشتعل الذي سببته خطاباتكم على مواقع التواصل الاجتماعي عند الشعوب و الدول التي عبرت عن شجبها و رفضها للإساءة
فلتقيم هذه الحفنة من الصحفيين موقفها من شعور الأمان لدى الفرنسيين و عند الشعوب التي تم إهانتها.
لقد علمت بالعملية الإرهابية في مدينة “نيس ”
ثلاث قتلى ! لا تعليق…

الفرنسيين دخلوا في حظر صحي للمرة الثانية هل يحتاجون أن يتحملوا أيضا هوس عقلي بسبب عناد اولائك الذين لم يفهموا سواء أرادوا أم لا أن الزندقة توقظ غرائز إنتقام لايمكن السيطرة عليه .
سمعت لتوي السيدة “مورانو” النائبة بالبرلمان الأوروبي..كنت أظن أنني أتخيل ! السيدة النائبة تطلب من العاهل المغربي التدخل .. كيف سيتدخل ؟ هل سيتدخل لدى كل مسلم مقتنع أن الصور الكاريكاتورية تسيء و تشتم الرسول ؟
وتقول النائبة أن فرنسا جذورها مسيحية، لا أحد يطالبها أن تبرهن على ذلك ولا يوجد مسلم واحد أساء لمقدسات هذا الدين .
سيدي الرئيس :
من المستعجل وضع حدود للحرية ..أتوسل إليكم أتركوا شعبكم يعيش بأمان ، أتركوا نعيش بسلام جميعا في تجانس . فلنوظف طاقاتنا في البناء معا ، بناء عالم أفضل بلا جائحة ، بلا إقصاء الآخر في إطار القبول و السلام العالمي

سمية نعمان كسوس 30 |10| 2020

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى