الشعر

"رسائل ميتافيزيقية" بقلم – الشاعر حسين بدور

رسائل ميتافيزيقية
الشاعر حسين بدور

كل نفس ذائقة الموت…وليست كل نفس ذائقة الحياة….
الموت اجبار… والحياة اختيار…
الموت لا نظام له..والحياة منظومة الوجود…
فإذا ما دخلت في فلكها..أصبحت جزءا منها..عضوا من أعضائها التي لا تنام…
عندها ستصمت أنت..وتنطق الحكمة من كل وجودك..كما تنطق نفسك من لسانك العضلي..دون أن يدري..
الميتافيزيقيا أب الوجود..والحقيقة امه..وما الحكمة الا خلاصة التربية…
التي تتجلى في كل الوجود…
رسائل الميتافيزيقيا لربما تصل إلى من قرر أن يرتفع فوق عتبة العشرين ألف هرتز الصوتي…عندها سيسمع غناء القمر الحزين الوحيد…
أو فرح الزهرة التي تعلم أنها هنا لأجل الوجود…لا كما يعتو الإنسان الحسير النظر ظانا أنه هنا…فقط لأنه ولد من أبوين تزوجا نصيبا.. وحملت أمه به مصادفة…
جربت زيارة التردد العالي ذات انفصال عن جسدي…
فأخبرتني الميتافيزيقيا عن حالي الفيزيقي هنا…من على سطح لسان نفسي…
ثم جائني الصوت اللاسمعي..قائلا:
أيها العاشق الذي انفجر…
أهلا بك …اقترب…
واترك شظاياك خلفك..
فما تأخرك عني…ليس إلا
لنقمة الوهم على وجودك..
ثم ناولتني كأسا..رأيت الوجود كله فيه قد استدار..وهالني انعكاس الآية..كيف راح الكأس يشربني..وحالي يقول:
يا كأس الوجود..خذني إليك
فما عاد الفراغ ..يطيقني
فقالت الميتافيزيقيا:
الغاطس في الماء..يمكن أن يعود ميتا
والغاطس في كأسي..يمكن أن يعود حيا..
فلعلك تحيا…
فنادى الكل مني:
اسكبي علي قطرة من خمرك..
كي يذوب ترابي مني..
فأجابت:
ستخبرك الحقيقة ..عن حالك الترابي…لأن الوجود يريده قائما..لا ليذوب ويفنى…
فإن كانت قيامة أبناء التراب..أن يفنوا..ليقرؤوا صحيفة أعمالهم
فما قيامة أبناء الحقيقة..إلا أن يقرؤوا صحيفة الوجود..ليعملوا لأجل الحياة فوق التراب
فأنطق التعب لسان نفسي قائلا:
لا تتركيني هنا..
كما تتركين الخرافات..
في أي شخص يقرأك..
اتركيني اركض وابكي..قائلا
لا أنا الآن..إلا منها هي
ولا هي..إلا أصلي.. رغم هشاشتها…
فجاء الصوت: من هي؟
قلت: هي..الحقيفة المتعبة منا.. أهل الارض
ثم جاء السؤال: أين هو هنا..الذي لا تريد البقاء فيه؟
قلت: فوق هذا التراب..
فعاتبتني الميتافيزيقيا قائلة:
تذكر أنك الضيف هنا…
وأنك المضيف..
واعتذر لنفسك عما فعلت بها…
وان لم تلق نفسك..
فاعتذر لنفسك على نومها..
واعلم أن مفاتيح غرفة نومها بين يديك…
ولو أيقظتها..لحللت لغزك الترابي…
فأجبتها:
لكن لغزي الترابي..حملني الوجود على كتفي..
فتعبت..
ولم يعد لي إلاك منفى..
فأنا من رعاة الملح..
اسكبه كل يوم على دمي…
ويقتلني صوت مني..
على فمي..
وكثيرا ما أحاول الهرب من كلامي
لتتبادل الأشباح …
أحاديثا عن سلامي…
لهم كلامي…
ولي منك سلامي…
وليتهم يتركون خيولهم..
تحت ظل مائك…
ليرتاحوا من حرب العدم..،
لأقاموا سلاما مع الحقيقة…
عندها غابت الميتافيزيقيا..لأرى الحقيقة في بهائها تقول:
أيها العائد من منفى الطين..،
الطين لك..لا لتكون السجين
بل لتكتب كل أغنياتك..
على لوح وجودك..،
فاللوح السرمدي يقول لك
ارتطم بنجم
ثم اكتب أول اغنياتك…
تكن حرا …
على خشبة مسرح الدنيا
رغم كل المقيدين..بالحوار المكتوب…
فقلت لها:
أقرأ كثيرا..لكني لا أكتب إلا عندما أجد نفسي…
وان كتبت اغنيتي…فلست استطيع غنائها…
فالصوت بين قرع الطبول..يموت..
فقالت:
غني لنفسك..ولا تأبه بالصمم…
كما تأكل طعامك وحدك..غير آبه بمن حولك…
فللقبيلة تفاحة هي أرثهم…
ولو تحرروا من تعريف التفاح .. لتذوقوا طعمه..
فأومأت برأسي موافقا أقول:
من سوء حظ العاقل…أن الخيال هو المسيطر هنا
فقالت الحقيقة:
العاقل..هو فكرة الله
وما صليب هذه الفكرة..إلا ألسن الناس الملوثة بالجهل…
أحرار الروح..يصلبهم سجناء الجسد
فقلت:
على ضفاف نهرك…
كم رصدت سنارتي…
لعلها تأتيني بحوت يبتلعني ..
كيونس
فقالت:
وها قد أتيت…
حمدلله على سلامتك…
قد مرت حادثة العمر بخير إذن…
فقلت:
نعم…
لكن الميتافيزيقيا أخبرتني…أني لا بد أن أعود…لأيقظ نفسي في التراب…
ليحيا التراب…
فقالت:
نعم .. فالزهرة تنمو من عمق التراب..لا من الأثير..عندها يصبح التراب بستانا…
وأبناء الحقيقة..بذورها التي بها تبنت الأرض…
فأجبت:
أيتها الحقيقة..سأحمل عمرك عنك ما استطعت…
رغم أني أعلم أنه عند حفرة جهلهم سأسقط..
وفيها سيكون قبري..،
فقالت:
ابق حيث أنت..واترك لنفسك فسحة…حيث تزورني ليلا..
فالعشاق مأسورون في لقائهم الليلي…
واعلم انك مقتول..،
حين ترفع رأسك فوق غيمة…
لترى الحقيقة فوق الضباب…
وقدرك أيها الانسان….
أنك تتعلم النطق في عامين.،.
لتقضي ما تبقى من عمرك..
في تعلم الصمت…
عد ولا تنتظر من الحياة…
أن تعطيك دلالها فقط..
أنجب منها..فأنت رجل..،
فأجبت سائلا متحسرا:
متى الأرض تصبح مرآة..
كي لا يبقى لخطواتي ظل…
فيصبح الظل عكس الخطوة كما هي…
فقالت:
كن أنت المرآة التي تعكس الحقيقة…
ليصبح ظلك ظلي..ليس ظلك
فقلت:
اهرب إليك..فأراني…
كالعكس في المرآة
كلما دنوت منك.،
ادنو إلى نفسي فيك.،
فما هروبي إلا إلى نفسي
حين أهرب أليك..
فأجابت:
لا تنتظر أن تجدني في نفسك…
بل انتظر أن تجد نفسك في..
ولا تكن كنرسيس..،
تريد أن ترى جمال نفسك في مائي..فتغرق
أنت ملح الأرض…
عد ذائبا في بحر الجمال…
أهبك تعريفك…
فما شكلك الأرضي…
إلا اهتزاز الطبيعة..على حسب تواتر اهتزاز نظر العين…
أما الغياب…هو عين الصواب…
حين تذوب على قدر الجمال…
لا أنت الماء..ولا هو أنت..
لكنك أصبحت فيه ..طعم الملوحة..
وما الملوحة إلا تعريفك أنت في الماء…
وما الماء إلا المرتفع عن الطعم…
أنت ملح الأرض..
وأنا ماؤك..،
فأجبت:
اذن…
انت المبتدأ
وانا الخبر…
كلانا ضم…
وما الفارق الا
انك معرف…
واني نكرة
وما الفارق الا
انك متبوع
وانا التابع….
وقلبي وتر…التلاقي
وانت العازف…
وكل من احبه…
يسمع لحنك على وتر قلبي
فضحكت قائلة:
هو كذلك…
فقلت:
ما أجملك كأم…
تكشف لي كل الفوضى…
لأعيد ترتيبي من جديد..
لا يدرك ضيقي وجرحي..
إلا نفسي وأمي..
لي أمان ..
تتشابهان وتختلفان…
الأم..تلطف في تعليمها…
لكن الحقيقة..تبدل الأرض غير أرضي…
ما أجمل قهرك أيتها الحقيقة…
ثم علا صوت الحقيقة في كل الوجود مرددا:
يا سكان القيامة…
بذاركم قيامة الحياة..
يا سكان القيامة…
لا تفصحوا…
تراكم الغربان فتلتقطكم…
لا تفصحوا…
لإنكم إن أفصحتم…
ستصلبون…
فالصليب ما عاد يحتمل….
تعليق ابنائي..،
وعلا صوتي مخاطبا الحياة:
على مهلك أيتها الحياة..،
أنت التي تسافرين في…
أما أنا ..فعند انتهائك
من سفرك في كياني..
سيموت جسدي…كانتهاء الطريق..
وسيحيا المفترق…
ذاهبة إلى طريق آخر…
أما أنا …
فلعلي أحضر..في حضرة الغياب…
بعدها بدأ التردد الصوتي يعود إلى العشرين ألف هرتز وغاب صوت الحقيقة..لأسمع الضجيج الأرضي ..يقول لي…
أهلا بك في عالم الفوضى..من جديد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رائعة .تحتاج الى جلسات كثيرة لفهمها. ولكن واضح النفس الفلسفي العميق والصادق والذي وصل الى مراتب بعيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى