عاجل

رحيق مختوم (في ذكرى معركة الكرامة الخالدة)

رحيق مختوم (في ذكرى معركة الكرامة الخالدة)

 بقلم الأديبة رولا حسينات

لم يفعل شيئا قبل ثلاثة أيام كل ما هنالك أنه مرَّ في الطريق الذي يقطع قرية السويمة، وهو يسير بتؤدة وكل من في القرية يتلقفه بعينين تقران بأنه غريب؛ رغم أنه قد مرّ في هذه الطريق طيلة عام كامل، ولكنهم في كل مرّة يبقون على أنظارهم على كل سكنة وحركة منه، يسير دون أن ينظر لأحد، بتحية على استحياء …ما يريده هو اعتزال الناس، واعتزال كل مشاهد الحياة من بساطتها إلى تعقيداتها إلى كل شيء فيها …لولا أن استوقفه مشهد هذه الصغيرة ذات الشعر الأحمر، وهي تبكي من أثر جرح غائر أصاب ساقها كان الدم ينزف، وكان الأطفال حولها دون أن يفعلوا شيئا، لقد قطعت الدائرة الأسطوانية ساقها بجرح عميق حين سقطت عليها وهي تحاول الابتعاد مسرعة عن أحد الصبيان الذي أثاره خوف الفتاة، فأخافها أكثر فسقطت عليها… أنينها، وزرقة شفتيها وأبيضاض وجهها دله على خوفها وعمق الألم فيها، وكمية الدماء التي يمكن أن تفقدها، لم يكن منه إلا أن تقدم وقد أفسح الولدان له الطريق… جثى على ركبتيه فالجرح عميق والدم الثخين ملأ البساط العشبي تحت قدمها…قائلا بصوت هادئ: لا تقلقي يا صغيرة؛ إنه جرح سطحي.
على الرغم من أن الجرح لا ينبؤه بذلك، والدم الثخين يسيل بغزارة منه، ما عليه سوى أن يقطع النزف أولًا وهذا ما فعله، لقد تعلم الكثيرعن معالجة الإصابات كهذه…لكنه لم يجربها مع ساق صغيرة…ابتلع ريقه وقد بدأ العرق يتصبب على جبينه فتح حافظة الماء، وأخذ يصبُّ على الجرح ليقوم بتتبع مصدره لم يكن لديه ما يضمد به الجرح، فقام بقطع قماشة طويلة من قميصه الذي كان يرتديه وفوقه سترته البنية، مسح الجرح بهدوء، وقام بصبّ سائل مائل للحمرة عليه، بضع دقائق، وتوقف النزف، وضع كمية أخرى من السائل الأحمر، وفتح علبة صغيرة فيها مرهم يميل لونه للخضرة، رسمه حول الجرح بخط طولي. خلع السترة البنية وما تبقى من قميصه الأبيض، وقد ظهرت شعيرات قليلة فوق صدره وجرح قديم غائر فيه أثر غرز…العضلات الرقيقة، فوق رقعة جسد أبيض، مزقه إلى عدد من القطع المختلفة الأطوال كان يتقن فن القياس بشكل ملفت فقد كان يقيس بكلتا يديه جسد خديجة في أحلامه ليأتيها بأجمل الفساتين.
وضعها بعد أن طواها أربع طيات فوق الجرح ثم ربط فوقها القطع الأخرى، وقد اختفى اللون الأحمر كلياً. قسّم لها قطعة محلاة من حلوة المشمش، ربت على رأسها ارتدى سترته البنية. لم ينظر حوله وقد تأكد أنّ عدداً كبيراً من أناس القرية، وربما القرية كلها قد خرجت لتعرف ما الذي يفعله الغريب…لقد نسي ذلك تماماً وهو يخترقها من جديد؛ بأنه مشرف على أول مسؤولية له وكل منهم قد بدا ودوداً، وهذه الفتاة بدت أفضل حالاً، و مشيتها أفضل بكثير.
على طول نهر الأردن كان يمدّ شباك عينيه، وحبات الملح تتوهج بلمعانها مستلقية على ضفاف البحر الميت، فيأتيه بظلال حارقة مرّة…والحجارة السوداء الرقيقة المرصوفة على مرمى البصر، وهو منتصب على خط النار… ما الذي عليه أن يفعله أكثرولم لا يتحالف مع القدر؟! أين هو اليوم؟؟! فوق عامود بين السماء والأرض! وفي باله الكثير. مهادن صامت أنه لا ينطق سوى أنه راغب في البقاء بعيدا عن كل ما يشترك به البشر، و بقي عالقا بين الرغبة ودمعة أمه الحارقة في أن يتحنى بالحنة…ويتزوج خديجة ابنة أختها وترى أحفادها قبل أن تلفظها الحياة…تأوه وهو يبتلع كومة من الغبار في حنجرته…
-عبد الله…عبد الله أينك يا رجل؟ أيقظته هزة صديقه وهيب له…
-إبق متيقظاً أيها الجندي ولا تفُتك مراقبة اليهود أولاد…ال…
عدل هندامه العسكري قميصه البني ..حزامه الأخضر… وضع على عينه النقطة البيضاء والشعرة مصوبة إلى ما وراء النهر…كل شيء قد تغير أمامه، كل شيء يتحرك في الأودية و غربي النهر كما هو كما طيف خديجة يأتيه مرتعشاً ذابلاً كما تلك الاخيلة في الشعرة الرقيقة وسرعان ما تغيب..لما يقف على رأسه الطير وضربات قلبه تكاد تخرج من جوفه ولا يستطيع ابتلاعها. مرّ يومه كما مرّ كل شيء. الأوراق الخريفية والربيعية والشتوية كما هي …دون أي اختلاف …ما الأمر؟ وما الذي يحدث؟ وكيف سيفرُّ من هذه الرعشة التي لم يتبين لها أصل القشور الرقيقة اللتي تقصف زهرة عمره والتي لا يكاد يمسك بها فتهرب منه…
تقلب في نيمته على جمر وهو يرى الضابط كمال بين عينيه، وهو يتلو إحداثيات موقعه لضابط الرماية…حين كانت المجنزرات اليهودية تدس جيوب سمومها في التراب الأردني، ابتلعتهم المدفعية وكل ما على الرمال بقي كتلا سوداء يسبح دخانها كذيول أفاعي سوداء إلى السماء …كيف يعشق النساء وغيره عشق تراب الأرض ودفن نفسه وكل ما له في قلبها لينبض؟!… لن يرجع إلى أمه ولن يقبل رؤية خديجة، سيصوم والرعشة لم تغفو بعد في جسده…لا يدري أهي الخيط الفاصل بين الرغبة في الحياة والرغبة في الموت؟!…
انسل من فراشه توضأ، وأطلق روحه في صلاة مع الله…ملأ رئتيه بأنفاس الفجر وهو يتأمل كل ما حوله، الرمال، الجبال، الماء الأزرق، الأعشاب الرقيقة التي تتعامد كأسهم ما تلبث أن تنحني …ودعها كما لو أنه القدر الذي سيفارقه… تشابك النور الرقيق مع الوشاح الأسود لما تبقى من ليل…ارتدى بدلته العسكرية، ربط الحذاء الطويل، وضع كابه، وعلق عينيه بالشعرة الرقيقة من بندقيته…
الأخيلة التي امتدت أمامه لم تكن كما اعتادها… الرمال المتحركة، والأنفاس المتصاعدة مع أول بوادر النهار…سليم، عبد الرزاق، محمود، وحسن جميعهم على خط النار، الأوامر جاءت باكراً..
– استعدوا للإلتحام، العدو يقترب.
– وهيب وهيب هناك رمال متحركة وهيب إنه الجراد اليهودي يريد أن يلتهمنا…
الأوامر حازمة، العدو يقترب وألمجنزرات اليهودية بدت كالجراد…صورة الضابط كمال وصورة بطولات ما قبل 68 بدت تتراءى أمام عينيه …كل ما يريده أن ينساه كل شيء وأن يبقى وحيداً دون نار خديجة، وها هو مع قلبها، وجديلتها في قطعة من الورق…هم الدنيا لا يعنيه بقدر ما يعنيه العيش بكرامته فيها..الملاعين دسوا أنوفهم بالتراب بالخسارة تلو الخسارة وهو يستفيق على حلم اللقمة المغمسة بماء الحياة الكريمة…
– التزم مكانك قاتل حتى النهاية …جاءته الأوامر صارمة…وهو يغلي فوق مرجل أمنياته في أن يصنع الفارق …أيقيس الأمتار التي تفصله بين أقرب مجنزرة، قاسها بنظره بدقة خمسة فراسخ ليست بالبعيدة، سينسل كأفعى ليلقم أول مجنزرة قنبلة، ويزرع الرمال المتحركة قنابل. حمل بندقيته… ووثبت أصابعه فوق صمام الأمان…دقات قلبه، حبات العرق الحارق تُعمل حفراً بقنوات ذكرياته المتصلبة….
علت الزغاريد في الدار ذات السقف الذي تظله شجرة الصفصاف الوارفة… خديجة تحمر خديها بيديها، والأم ترتب حاجياتها في الغرفة الصغيرة، الألوان المتنوعة تضفي نوعاً من البهجة على الغرفة الخالية كل ما فيها يغني: ها قد جاء يوم أن تزف خديجة إلى عبد الله…
إنه يوم إجازته قبل الظهر سيكون عند الحلاق، سيوظب له شعره، ويحلق له ذهنه ويرش له الكثير من العطور، وسيلتم الشباب بجلسة مغلقة حتى المساء تكون فيها خديجة قد زينتها نساء القرية، ونسجت لها كل منهن قطعة ذات ألوان تضعها في زوايا الغرفة التي ستظلها وعبد الله ويغلق عليهما بابها…
الزغاريد شقت نهارالقرية… وبين الأعشاب المتسلقة عليها أشواك بلون مائل للحمرة…..
حين جاءه الأمر: إرمِ.
(إذا رمى العدو عليكم طلقة واحدة، ردوا بمئة طلقة، ولا تنتظروا الأوامر) ظل يرمي ويرمي ويصيب بسهمه من رمى… جسر سويمة اختنق بنيران المدفعية وبدويّ قنابله.
اختنقت الزغاريد في حنجرة النسوة ، وكذلك الرقصات للسيقان بخلاخيلها تجمدت في مكانها حين توقف الراديو الصغير عن الغناء، وقد علت الموسيقى الحماسية…الصوت يأتيهن قويا حين أمالت الشمس لهيبها:
-بدأت قواتنا بالتصدي للعدو، والإشتباك معه على الجبهات كافة باستخدام أنواع الأسلحة المتوفرة لديه، من مدفعية، ودبابات، وأسلحة مقاومة ميدان…وقد سقط الشهداء ليحنوا تراب الوطن.
شهدت البلاد حزنا دفينا وقد أغلقت النوافذ والأبواب وطليت بالسواد، وكل ما من تبقى فيها خرج معصوبا رأسه بعصبة سوداء، وقد نكست الأعلام وبقيت الديدان هي من تسير حافية القدمين فوق جثث اليهود. فوق الطرقات التي تكومت فيها كل عدتهم وعتادهم ما فوق الأرض.
…الخطاب الناري للملك حسين كان يشعل الحماسة في صدورهم، وهم لا يكادون يسمعون صوت تفتت الحصى تحت أقدامهم .
-“في فجر ذلك اليوم مشى الصلف والغرور في ألويةٍ من الحديد ومواكب من النار … وكانت الأسود تربض في الجلبات ، على أكتاف السفوح وفوق القمم بيدها القليل من السلاح والكثير من العزم وفي قلوبها العميق من الإيمان بالله والوطن…وتفجر زئير الأسود في وجه المد الأسود…الله أكبر.”
-المنية يا إخوان ولا الدنية …
امتدت يدا وهيب وهو يقلب الجثث الممتدة أمامه والدموع تطفر من عينيه…
– عبد الله..عبد الله أفق يا رجل. كان يهز بكلتا يديه ذلك الجسد الغارق في دماءه…لا تضحك عليّ يا رجل، نومك ثقيل كالعادة أفق…أمسك قبضته، كان يمسك ورقة فتحها كانت لقلب امتلأ باللون الأحمر، وجديلة شقراء اكتست بالدم اللزج…انحنى وهو يبكي، قبله بين عينيه، ومضى إلى حيث يحمل بندقيته إلى قلب النار…
الرقصات للسيقان بخلاخيلها تجمدت في مكانها حين توقف الراديو الصغير عن الغناء وقد علا خطاب الملك حسين في يومِ الكرامة …
الذهول ما أصاب خديجة التي أيقظتها صوت زغاريد النسوة اللاتي مددن أيديهن للحناء، وقد أطلقن سرب الحمام المطوق …دموعها التي طفرت من عينيها؛ كانت تتمنى لو امتلأ بطنها ببذرة من عبد الله، لكنها مدت يديها للحناء وقد زفت له وهو في الجنة …
النهاية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى