مفالات واراء حرة

ربيع عِشتُه

ربيع عِشتُه

بقلم/ حنان العجمي

بدايةً أود الحديث عن فصول حياة الإنسان
يمر الإنسان بمراحل عدة في حياته
أشبِّهها بفصول السنة في شكلها ومعناها وتتقلب حياة الإنسان وعالمه منذ الولادة وحتى ذهاب روحه لخالقها كما تتقلب فصول سنة بين صيف وشتاء وخريف وربيع.

يا لها من حياة ثرية، تتشبع بالفرح والسعادة والأمل ويشوبها بعض من الألم والحزن والتجارب.

التي لا تنتهي فنشأة الإنسان ليست بالشئ السهل ومروره بمرحلة الطفولة ثم الشباب والتي أشبهها هنا بفصل الربيع في جماله وألوان زهوره والتي يجب أن يستغل فيها هذه المرحلة فيما يفيد نفسه ومجتمعه ويعود عليه بالسعادة هي مرحلة لا تعوض من حياته تتلون الدنيا حوله إذا أحسن التعامل مع كل يملك من موارد للسير برحلة حياته إلى حيث يريد ويتطلع ويطمح ومن ذكرياتي والتي أجدها أسعد أيام حياتي حيث الدلال بداخل عائلتي والإحتفال بالربيع وروائح الحلويات وأشهى المأكولات التي تنبع من مطبخ منزلنا والتي كانت تعدها أمي بمنتهى الحب والسعادة وتتفنن في تقديمها لنا وأذكر ذلك النسيم وعبقه
الذي يملأ غرفتي ويدخلني بحالة من حالات السعادة لا تضاهيها سعادة حيث تجتمع عائلتي وتعلو الضحكات ويليها الترتيب والإعداد لنزهات خارجية لاستنشاق نسيم البحر وعطر زهور الحدائق حيث مدينتي الجميلة التي أحبها الإسكندرية وأتذكر زيارتنا لحدائق وقصر المنتزة يا لها من ذكريات لا تُنسَى
من طفولتي وشبابي لهذا.

أهواك يا فصل الربيع لأنك كنت ربيع حياتي الذي لم يتكرر ولن يتكرر وكم كنت أمارس أجمل هواياتي من رسم وكتابة مقارنة بعصر السرعة وحياة أولادنا الآن وانشغالهم بالدراسة ووسائل الترفيه الحديثة ولعبة الببچي التي تضيع أوقاتهم عندما أقارن أجدني عِشتُ ربيعاً لم يعشه أولادي ما زِلْتُ إلى الآن أجدني أعيش
على ذكريات ربيعي وأتمنى عودته.

وأرجو المعذرة ممن يقرأ سطوري المفعمة بالمشاعر التلقائية وإن أتيحت لي الفرصة والوقت والمساحة الكافية لسردت قصصاً عشتها بربيعي المشرق حيث كانت الإبتسامات الصافية والقلوب النقية
والتي نحن بأمَسِّ الحاجة إليها الآن
لا أنكر وجود بعض القلوب النقية
و التي لا تحمل إلا الخير في حياتنا
ولكن ما أجملها قلوب الماضي حيث عاش الأنقياء وامتلأت صدورهم بالمحبة والإخلاص وفضيلة الوفاء لبعضهم البعض.

ومن ذكرياتي التي أذكرها ولا تروح عن بالي بفصل الربيع ذلك الحفل المهيب بعيني حينما كنت طفلة صغيرة والذي كان يقام بحضور المحافظ بمدينتي حيث معرض الزهور بحديقة أنتنيادس.

حيث كنت ألبس فستاني الأبيض كعروس والذي قامت بحياكته لي لأرتديه بالحفل أمي على أحدث طراز للموضة متزينةً بتاج من الورود على رأسي كسندريلا القصص والحكايات وقصتها المشهورة
وكان استقبال المحافظ بحفلات تقيمها وتشترك فيها المدارس وتتبارى في تحضير فقراتها وكانت مدرستي من ضمن هذه المدارس المُشاركة وكُنت حينها طفلة موهوبة بالإلقاء الصوتي للكلمات والأشعار
كنا بذلك المشهد نصطف كصفين متناسقين على جانبي مدخل الإستقبال.

والذي يزدان بأقواس من الزهور الملونة المختلفة الأشكال ذات الرائحة العَطِرة.

وما يزال يعلق بذاكرة حاسة الشم لدَيَّ رائحة الفل والياسمين وأذكر وقوفنا حاملين بأيدينا سلات يملؤها الزهور وكانت مزينةً بشرائط الحرير الملون وكنا كلما مر ضيف من المدخل نسرع ونقوم بنثر أوراق الزهور بالهواء بفرحة وسعادة وأتذكر حين حضر المحافظ ومد يده ليسلم علينا جميعاً دون استثناء سعيداً بحفاوة استقبالنا له وبتلك البراعم الموهوبة التي يتزين وجهها بتلك الإبتسامة البريئة كم كانت أسعد أيام لطفولتي وأتذكر إلقائي تلك الكلمات الشهيرة لأغنية السيدة العظيمة أم كلثوم.

“وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبني قواعد المجد وحدي”وكنت بقمة فخري وسعادتي لتكريمي بالحفل
أتمنى لكل إنسان على وجه الأرض أن يعيش ربيعاً كما عشته بتفاصيله السعيدة المليئة بالحياة لقد وصفت جزءاً من حكاياته صغيراً ولكنه حقاً ملئ بذكريات لا تنسى أبداً مهما مر عليها الزمن كان أحلى ما فيه مَنْ عاشوا فيه أتمنى لأولادي وأحفادي عيش ربيع
لا ينتهي حيث الأمل ومواجهة صعاب الحياة والتغلب عليها حيث ينمو الخضار بقلوبهم حيث ينتهي الصراع على المادة بهذا العالم ويسود العدل والأمان
هذا أملي حتى لو كان صعب التحقيق
حتى لو كان حُلماً صعب المنال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى