مفالات واراء حرة

د. هدى محمد ياسين تكتب : هوامش المأزق اللبناني

هوامش المأزق اللبناني …

بقلم د. هدى محمد ياسين

هوامش المأزق اللبناني … بقلم دكتورة هدى محمد ياسين يشهد لبنان أسواء إنهيار اقتصادي منذ عقود، بالتزامن مع شحّ الدولار وفقدان العملة المحلية أكثر من نصف قيمتها.

عدا عن إرتفاع معدل التضخم، ما جعل قرابة نصف السكان تحت خط الفقر. وتخلّف لبنان في مارس عن تسديد ديونه الخارجية للمرة الأولى في تاريخه وأقرّت الحكومة نهاية أبريل خطة إصلاح اقتصادية طلب لبنان على أساسها المساعدة من صندوق النقد الدولي، ويعقد المسؤولين من الطرفين إجتماعات متلاحقة،

ويتعيّن على الحكومات المقبلة إجراء إصلاحات فعليّة لإعادة النظام المالي والاقتصادي إلى الوضع السليم. فلم يعُدّ الوضع اللبناني المتشعّب، يسر عدو ولا حبيب، فالأزمات تتزايد يوماً بعد يوم بشكل غير مسبوق وسط تهاوي الوضعين الاقتصادي والمالي بشكل دراماتيكي،

تُنذر بعواقب وخيمة قد يشهدها الوطن في المدى المنظور خصوصاً بعد تراجع الدور العربي والدولي فيه. لا يزال “الدلع” اللبناني في ملف تشكيل الحكومة وسط النزاع والكباش العلني الذي يُهيمن على الأطراف لناحية التقاسمات والحصص في ملف التشكيل الحكومي.

وفيما بقي الملف الحكومي في دائرة الجمود والتعقيد بانتظار صيغة حكومية يقدمها الرئيس المكلف سعد الحريري الى رئيس الجمهورية خلال زيارته المرتبة الى بعبدا، تقدّمت إلى واجهة الاهتمام الرسمي والشعبي الملفات المالية والاقتصادية

وسط تحذيرات من انحدار الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمالي إلى الأسوأ نتيجة عجز مصرف لبنان عن الاستمرار بسياسة الدعم للمواد الأولية والسلع الغذائية، ما سيفرض على المصرف المركزي والدولة البحث عن حلول لحماية ما تبقى من احتياطات نقدية بالعملة الأجنبية أطول مدة ممكنة.

فيما كورونا لا يزال يتوسّع والقلق من المزيد مع زحمة الأعياد والتسوّق في موسمها، والإجراءات الحكوميّة التي كان الإقفال آخرها لم تظهر نتائج تُذكر. فاللبنانيون باتوا يتصرفون على قاعدة أن ما باليد حيلة في هذين الملفين، بانتظار اللقاح الموعود من الخارج في كل منهما.

ينصبّ الاهتمام الشعبي على معرفة ما سيلحق بدعم المستوردات الذي يتولاه مصرف لبنان، قالت مصادر مالية في ملف الدعم إن أول ما سيطاله التوقف هو دعم المحروقات، حيث يتوقع زيادة ساعات تقنين الكهرباء بنتيجة تراجع كميات الفيول المستورد، وزيادة سعر تنكة البنزين إلى 50 ألف ليرة كمرحلة أولى ربما تصل الى 100 ألف ليرة لاحقاً.

وأشار خبير اقتصاديّ أن «موضوع رفع الدعم موضوع زاد تعقيداً وحساسية، لأن المسؤولين وضعوا المواطن في وضع لا يُحسد عليه وبات علينا الاختيار بين السيئ والأسوأ، وأي من الخيارات سينعكس سلباً على المواطن وقدرته الشرائية».

فالقرار حسم لجهة اتخاذ قرار نهائي بموضوع رفع الدعم قبل نهاية العام، وأن “رفع الدعم عن مادة المحروقات أصبح في غاية من الجدية، حيث مصرف لبنان لم يعدّ في إستطاعته تأمين الدعم الذي يكلف 5 مليارات دولار سنوياً، أي ما قيمته 400 مليون دولار شهرياً”.

كما حذرت مصادر مطلعة في ما خصّ سعر الدولار من أنه كلما خَفّ الاحتياط كلما ازداد الخطر على ارتفاع الدولار، ورأت أنّ قرار رفع الدعم، وخصوصاً عن المحروقات لأنه هو بيت القصيد بسبب كلفته العالية على المصرف المركزي، سيكون قراراً خطيراً جداً، وسط مخّاوف أنّ “يتحول هذا القرار إلى “واتساب” جديد يمكن أنّ يُشعِل الشارع”.

فالخيارات محدودة بين سيئ وأسوأ: شراء هدوء الشارع باستمرار الدعم، أو رفع الدعم للمحافظة على ما تبقّى من الودائع، فيشتعل الشارع وترتفع الأسعار 200% وتتعمّم حالة الفقر على غالبية المواطنين، وكل الخيارات المتاحة مُرّة. فيما الشعور بألياس بلغ القمة لدى المواطن، وأرقام الهجرة في ذروتها، والانفجار الذي حصل في مرفأ بيروت وأنتجَ كارثة مريعة،

كشفَ انّ اللبنانيين يفتقدون إلى شبكة أمان جدية وحقيقية، فكل المساعدات والأموال التي وصلت إلى لبنان، ذهبت أدراج الرياح ولم يصل منها إلى اللبنانيين شيئاً. ورغم ذلك فإنَّ المسؤولين في وادٍ آخر ولا يهتمون سوى لمصالحهم. بالتالي، لا بد أن تولد حكومة أكثر خضوعاً للمساءلة،

وليس حكومة تعزيز مواقع هذه الفئة السياسية أو تلك… في ظل هذا التأقلم مع الانتظار، عيون اللبنانيين شاخصة إلى باريس التي تشهد إنعقاد مؤتمر الدعم المخصص للمساعدات الإنسانية، بدعوة من الرئيس الفرنسي “امانويل ماكرون” ومشاركة الأمين العام للأمم المتحدة “نيكولاس غوتيريس”، والمؤتمر هو بديل للمؤتمر الذي تم تأجيله، هو تتمة لمؤتمر سابق خاص

بالمساعدات الخارجية لبطء تنفيدها وعبء سدادها.   بينما يضيف آخرون إن السيناريو الأمثل لإنخفاض سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية يكون عبر تزامن ثلاثة عوامل: أجواء سياسية إيجابية، عدد كبير من المُغتربين اللبنانيين الوافدين، وتشدّد في الرقابة على المضاربين…

أما الوضع السياسي المُتأزم، فله تأثير سلبي مُستمر على قيمة الليرة وبغياب أي أفق إيجابية سيُشكّل هذا الوضع عامل ضغط لرفع سعر صرف الدولار في السوق السوداء. فالإصلاحات تعتبر إجراءً ملحاً لفتح باب المساعدة المالية وهذا مالم يحصل ولا يبدو أنه سيحصل من خلال طريقة النزاع والكباش التي تُهيمن على طريقة تشكيل الحكومة.

أمام هذا المشهد المتدحرج نزولاً نحو الهاوية، لم يبقَّ من أمل سوى الصلاة والتضرّع من أجل أن يَرأف الله بشعبه يُجنّب لبنان السقوط والإنهيار الكامل، لإيجاد الحلول لإخراج لبنان من أزمته؟…

الدكتورة هدى محمد ياسين الباحثة في علم الإحتماع السياسي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى