مفالات واراء حرة

دنيا ودين ومع شهر رمضان ” الجزء العاشر “

دنيا ودين ومع شهر رمضان ” الجزء العاشر “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

نكمل الجزء العاشر مع شهر رمضان، وقد توقفنا عند، فإن أول هذه الثمرات هو الإحساس بجوع الفقير، فإذا ذاق الصائم تعبدا و اختيارا ألم الجوع فلقد ذاقه الفقراء عجزا واضطرارا، وإن الصائم يجوع طبعا لكن هذا الجوع باختياره، فقد اختار أن يجوع تقربا إلى الله عز وجل، وهو يذوق طعم الجوع تعبدا واختيارا، ولكن الفقير يذوق طعم الجوع عجزا واضطرارا، ولأنه عاناه الصائم وقتا محدودا فهو عند الفقراء عناء ممدود، تصوم الصيام لوقت محدود، لكنه عند الفقراء عناء ممدود، لذلك كان الإنفاق في رمضان زكاة الفطر، هذه الزكاة لها أحكام خاصة، من ملك قوت يومه وجب عليه زكاة الفطر، فقير جدا يملك وجبة طعام واحدة عليه زكاة الفطر، أى أن الله أراد أن يذوق الفقير في العام مرة واحدة طعم الإنفاق، كأن الفقير مأمور أن ينفق، و الذى ينفق يمكن أن يأخذ الزكاة أيضا، لكن أراد الله أن نذوق طعم الإنفاق، إذا أنت حينما تجوع يجب أن تذكر أنك تجوع اختيارا وتعبدا، لكن الفقير حينما يجوع يجوع اضطرارا، وأنت حينما تجوع تجوع لوقت محدود.

ولكن الفقير يجوع لوقت ممدود، لذلك ينبغى أن يثمر الصيام معاونة الآخرين، وأداء الزكاة والصلاة، وأيضا من ثمرات الصيام هو كف النفس عن حماقاتها، فإنه يتجلى الصوم بالإمساك بزمام النفس عن اندفاعاتها وحماقاتها، فالصائم مقيد بشعور دائم يحمله على الكف عما لا يجمل، ولا يليق، تصور إنسانا يدع المباحات، فهل يعقل أن يرتكب الموبقات ؟ يختل توازنه، تدع من هو مباح لكل البشر، فهل يعقل أن تغتاب فى رمضان ؟ وهل يعقل أن تطلق البصر في رمضان ؟ وهل يعقل أن تكذب في رمضان ؟ فأنت مأمور عن ترك الطعام والشراب، و هو مباح، فلأن تترك المحرمات من باب أولى، وكأن الله يقوى إرادتك فى هذا الشهر على أن تكون ملتزما بأوامر الدين، فإن للإمام الشافعى رحمه الله تعالى مقولة رائعة، يقول ” العبادات في الإسلام معللة بمصالح الخلق ” ونحن نسمع في بعض الأديان الوضعية الأرضية الوثنية أن هناك عبادات أيضا لكنها حركات وسكنات، وتمتمات وإيماءات، وإشارات ما أنزل الله بها من سلطان.

ولا معنى لها إطلاقا، حركات لا معنى لها، ولكن العبادات في الإسلام معللة بمصالح الخلق، أى للتنوير، فإن بالنسبة للصلاة يقول تعالى كما جاء فى سورة العنكبوت ” إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر” وبالنسبة للحج يقول تعالى كما جاء فى سورة المائدة ” جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما فى السماوات وما فى الأرض وأن الله بكل شئ عليم” وكذلك فإن غاية الصيام هو تحقيق التقوى، فقال تعالى كما جاء فى سورة البقرة ” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كتب كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون” وإن من ثمرات التقوى، هو التوفيق فيقول الله عز وجل، كما جاء فى سورة الطلاق ” ومن يتق الله يجعل له مخرجا” وقال أبو ذر الغفارى رضي الله عنه ” جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية من سورة الطلاق” ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ” قال فجعل يرددها حتى نعست فقال يا أبا ذر لو أن الناس أخذوا بها لكفتهم” رواه الحاكم.

فإنه حينما تضيق الأمور كما هى الآن، وتستحكم الحلقات، وتسد المنافذ، وتـنتصب العقبات، ويقنط الإنسان تأتى التقوى تتسع بها المضائق، وتحل بها العقد، وتفتح بها المسالك وتذلل بها العقبات، فمن يتق الله عند نزول المصيبة فيوحد الله، ويصبر لحكمه، ويرض لقضائه ويثبت على مبدئه واستقامته يجعل الله له مخرجا من هذه المصيبة، فيبدل الله ضيقه فرجا، وخوفه أمنا، وعسره يسرا، ومن يتق الله فلا يسمح للأفكار الزائفة أن تأخذ طريقها إلى عقله يجعل الله عز وجل له مخرجا من الضياع، فإن المسلم فى نعمة يصعب أن يتصورها، فما هى هذه النعمة ؟ هى أن له مرجع، وهو القرآن الكريم، فيقول أن هذا العمل لا يرضى الله لا أفعله، لذلك هو في سلام، فى أمن، فحينما يرتكب الناس الحماقات، ولا ينامون الليل، هو ينام مطمئنا، لأن ربه هداه سبل السلام، وهداه السلام مع نفسه، ومع أسرته، وفى عمله، ومع مجتمعه، لأنه طبق منهج الله عز وجل، ومن يتق الله، ولا يسمح للأفكار الزائفة أن تأخذ طريقها إلى عقله يجعل الله له مخرجا.

من الضياع والحيرة، والضلال وخيبة الأمل، ومن يتق الله فيبرأ ممن حوله، ويبرأ من قوته، ومن علمه يجعل الله له مخرجا مما كلفه به بالمعونة عليه، فى أى عمل تقوم به قل اللهم إنى تبرأت من حولي وقوتى وعلمى، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك، فإن هناك درسان لا ينسيان، والدرس الذى ينبغى ألا ننساه هو درس غزوة بدر، و درس عزوة حنين، وفى غزوة بدر قال الصحابة الكرام الله، فتولاهم الله، فيقول تعالى كما جاء فى سورة آل عمران ” ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ” وأما فى غزوة حنين قالوا” لن نغلب من قلة” فيصور لنا المشهد القرآن الكريم فيقول تعالى كما جاء فى سورة التوبة ” ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلن تغنى عنكم من الله شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين” فمن يتق الله فيقف عند حدود الله فلا يقربها، ولا يتعداها يجعل الله له مخرجا مما كلفه به من الحرام إلى الحلال، ومن الضيق إلى السعة، ومن النار إلى الجنة، ومن يتق الله في كسب رزقه فيتحرّى الحلال الذي يرضى الله عز وجل.

يجعل الله له مخرجا من تقتير الرزق بالكفاية، ومن إتلاف المال بحفظه ونمائه، ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل الله له مخرجا من ضلال أهل البدع، ومن يتق الله في اختيار زوجته، وفى التعامل معها يجعل الله له مخرجا من الشقاء الزوجى، ومن يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجا من عقوقهم، وشقاؤه بشقائهم ومن يتق الله في اختيار عمله يختار عملا يرضي الله، ويحسن أداءه يجعل الله مخرجا من إخفاقه فيه، والله هذه آية تسع كل الناس، وتسع كل المشكلات، وكل النشاطات ” ومن يتق الله يجعل له مخرجا” لكن المسلمين الآن قلبوا الوجبات الدسمة من النهار إلى الليل، ما فعلوا شيئا جيدا، والحقيقة أنه يوجد هناك رمضان عند بعض المسلمين وقد يكون عند أكثرهم هو موسم لقاءات، وموسم سهرات، وموسم ولائم، وموسم سهر إلى ساعة متأخرة من الليل، وموسم حديث بلا ضابط، وبلا هدف، فيرتكبون الغيبة والنميمة، ويطلقون أبصارهم، ويتابعون الأفلام إلى ساعة متأخرة من الليل، ويأكلون، وينامون.

ويستيقظون بعد صلاة الفجر، فلقد ابتعد المسلمون أصبح رمضان شهر فلكلورى، لا علاقة له بالدين إطلاقا، فأصبح شهر تراث وعادات وتقاليد، فهذا الذى لا يرى رمضان شهر عبادة، وشهر غض بصر، وشهر ضبط لسان، وشهر تلاوة قرآن، وشهر إنفاق المال، وشهر إحكام الصلة مع الله، وشهر الحب، وشهر القرب، وشهر المغفرة، فإن هذا بعيد عن أن يكون صائما لأن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وصف بعض المنافقين فقال “مثلهم كالناقة عقلها أهلها فلا تدرى لا لِم عقلت و لا لِم أطلقت” فيصوم مع الناس، و يفطر معهم، وهو على ما هو عليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” رواه البخارى وأبو داود والترمذى، ورُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، فإن هناك من يصوم فيدافع التدني، جيد، لكن هناك من يصوم فيتابع الترقي، فرق كبير بين من يدافع التدني، وبين من يتابع الترقى، ولكن هناك من يصوم صيام البهائم جوع وعطش، ولا أجر ولا ثواب، لأنه ما فكر أن يغير من سلوكه، ولا من عبادته، ولا من اتصاله بالله عز وجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى