الدين والحياة

دنيا ودين ومع الصدق وسيلة إلى الرضا” الجزء الثامن”

دنيا ودين ومع الصدق وسيلة إلى الرضا” الجزء الثامن”

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

 

ونكمل الجزء الثامن مع الصدق وسيلة إلى الرضا، وإن من الصدق هو طمأنينة النفس وراحة الضمير، ومنها أيضا أن الصادق يفوز بسعادة العاجل والآجل في الدارين الدنيا والآخرة، فيقول أبو حاتم أن الصدق يرفع المرء في الدارين، كما أن الكذب يهوى به في الحالين، ومنها أيضا الفوز بالجنة ومرافقة النبيين والشهداء، فقال النووي في شرحه لهذا الحديث أنه قال العلماء هذا فيه حث على تحري الصدق، وهو قصده والاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه؛ فإنه إذا تساهل فيه كثر منه، فعرف به، وكتبه الله لمبالغته صديقا إن اعتاده، أو كذابا إن اعتاده، ومعنى يكتب هنا يحكم له بذلك، ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم، أو صفة الكذابين وعقابهم، والمراد إظهار ذلك للمخلوقين، إما بأن يكتبه في ذلك ليشتهر بحظه من الصفتين في الملأ الأعلى، وإما بأن يلقي ذلك في قلوب الناس وألسنتهم، وكما يوضع له القبول والبغضاء، وإلا فقدر الله تعالى وكتابه السابق بكل ذلك، ومنها أيضا قبول الأعمال.

 

فالصادق في تجاراته وتعاملاته يقبل منه عمله بخلاف الكذاب حيث قال بعضهم ” من لم يؤدّ الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت، قيل وما الفرض الدائم؟ قال الصدق، وإن من ينظر إلى واقعنا المعاصر يجد أن الناس استهانوا بخطورة اللسان وخروج الكلمة ويظنون أنهم لن يحاسبوا على كل ما يخرج ويكثرون من النكت والضحك وتقسيم الكذب إلى أبيض وأسود وغير ذلك وإنه مما ينبغي التنبيه عليه أن النكت وهي قصص مكذوبة يقصد بها إضحاك الآخرين داخلة في الكذب المنهي عنه فكثير من الناس يؤلف نكت مكذوبة على رجال معينين أو فئة أو صاحب مهنة ليسخر منهم ويُضحك الآخرين، ويظنون أن هذا مباح، وحسبك أن الله توعدهم هو ورسوله صلى الله عليه وسلم بالويل، فعن معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه قال، قال رسول اله صلى الله عليه وسلم” ويل للذي يحدث بالحديث ليُضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له” رواه أبو داود والترمذي، وليس معنى ذلك أن الإسلام يدعوك إلى العبوس والكآبة.

 

كلا إن الإسلام أباح المزاح شريطة أن يقول حقا وصدقا وكان صلى الله عليه وسلم يمزح مع أصحابه ويداعبهم ولا يقول إلا حقا وشواهد ذلك كثيرة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال” أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله احملني ، قال النبي صلى الله عليه وسلم إنا حاملوك على ولد ناقة، قال وما أصنع بولد الناقة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهل تلد الإبل إلا النوق؟ رواه الترمذي، فكان قوله صلى الله عليه وسلم، مداعبة للرجل ومزاحا معه، وهو حق لا باطل فيه، وروى الترمذي عن الحسن قال أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز، قال فولت تبكي، فقال صلى الله عليه وسلم أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول ” إنا أنشأناهن إنشاء، فجعلناهن أبكارا ” وقد يتساءل الصحابة عن ذلك مخافة وقوعهم في الكذب؟ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا؟

 

قال صلى الله عليه وسلم نعم، غير أني لا أقول إلا حقا” رواه الترمذى، وأن كثيرا، من الناس يعتقد أن في الإسلام كذبا أبيضا وآخر أسودا، أي كذبة بيضة وكذبة سودة وهذا ليس من الشرع في شيء، فالكذب كله محرم، صغيره وكبيره قليله وكثيره إلا ما رخص فيه الشرع الحكيم من أجل المصلحة وذلك في ثلاث حالات فعن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها قالت” رخّص النبِي صلى الله عليه وسلم من الكذب في ثلاث، في الحرب، و في الإصلاح بين الناسِ، و قول الرجل لامرأتة” وفي رواية أخرى” وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأَة زوجها ” رواه أحمد ومسلم، وكذلك فإن الإسلام حرم الكذب حتى على الحيوانات التي لا تعقل فلا يجوز لك أن تكذب عليها وإليكم قصة في هذا الشأن، فقد روى العلامة المعلمي اليماني في كتابه الأنوار الكاشفة أن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه فوجدوه خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها البغلة ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها.

 

فلاحظوا أن المخلاة فارغة فتركوا الشيخ وذهبوا وقالوا أنه كذاب، كذب على البغلة بإيهامها أن في المخلاة شعيرا، والواقع أنه ليس فيها شيء، فرجعوا ولم يسمعوا منه وقالوا هذا يكذب على البغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث” وهكذا اعلموا أن قوام المجتمع في التعامل بصدق في جميع مجالات الحياة، فكيف يكون لمجتمع ما كيان متماسك، وأفراده لا يتعاملون فيما بينهم بالصدق؟ وكيف يكون لمثل هذا المجتمع رصيد من ثقافة أو تاريخ أو حضارة وأفراده يكذبون ويرجون للكذب؟ وكيف يوثق بنقل المعارف والعلوم إذا لم يكن الصدق أحد الأسس الحضارية التي يقوم عليها بناء المجتمع الإنساني؟ وكيف يوثق بنقل الأخبار والتواريخ إذا لم يكن الصدق أحد الأسس الحضارية التي يقوم عليها بناء المجتمع؟ وكيف يوثق بالوعود والعهود ما لم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس؟ وكيف يوثق بالدعاوى والشهادات مالم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس؟ ألا فلنعد إلى ما كان عليه سلفنا الصالح من صدق في المعاملات والبيع والشراء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى