مفالات واراء حرة

تفشي ظاهرة الإنتحار في المجتمعات العربية بقلم الكاتبة ملكة محمد أكجيل

تفشي ظاهرة الإنتحار في المجتمعات العربية

بقلم الكاتبة ملكة محمد أكجيل

الإنتحار هو أن يقتل الإنسان نفسه بأي طريقة من الطرق التي تفضي للموت الإختياري ، و قد تعددت وسائل الإقدام على الفعل و لا يمكن حصرها نذكر منها الشائع كإطلاق الرصاص على نفسه، و الشنق  أو شرب السمّ و المبيذات ، أو إحراق نفسه أو عملية إغراق نفسه ، أو بالإضراب عن الطعام والشراب حتى الموت، أو قطع الأوردة و النزيف حتى الموت و غير ذلك.

ظاهرة الإنتحار ليست حديثة العهد ؛ فهي متواجدة منذ ما قبل التاريخ مرتبطة بطبيعة الإنسان الإنهزامي و فقدان شهية الإستمرار في الحياة لسبب من الأسباب .             الى وقت قريب كان الإنتحار آفة غربية نادرا مايحصل في البلدان العربية لكن تقارير منظّمة الصحة العالمية والمنظّمات المختصّة بشأن الارتفاع الخطير في معدّلات الانتحار المسجّلة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنذر بخلل تسرب للمجتمعات العربية .

1 – أسباب الإنتحار :
لا يمكن حصر الأسباب في أرقام معينة لأن كل حالة لها خصائصها و دوافعها لكن أغلب الحالات تشترك في إضطراب شخصية المنتحر بحيث يصبح مسلوب الإرادة و ورائي من الإستمرار في الحياة وهذا الشعور هو حالة سيكولوجية خطيرة شاذة لأن الإنسان بطبيعة محب للعيش و متمسك بالإستمرارية .
ومن أهم الأسباب التي تؤدي لارتكاب جرم قتل النفس

▪︎ الكآبة فهي تسيطر غالبا على مشاعر من لديه ميول للانتحار فعدم الشعور بالطمأنينة و الآمان النفسي يدفع بالشخص إلى التفكير بمغادرة عالم يظن أنه غير مرغوب به فيه .
▪︎ مشاعر اليأس لها دور كبير في التفكير في الانتحار.
اليأس من الحصول على وضع أو شيء ما مثلا شخصا محبوبا أو عملا أو اليأس من تحسين الوضع المادي أو الإجتماعي تدفع بالشخص للإحساس أنه فاشل و غير قادر على تحقيق ذاته فتكون النتيجة الإحساس أن محيطه لفظه و يقوم بإنهاء علاقة الإنتماء الإنتحار .

▪︎ضعف الشخصية و الأمراض النفسية كالشيزوفرينية بحيث يستمتع المريض بإلحاق الأذى بنفسه بغير إدراك منه بنتيجة فعله . كذلك الشعور بالعزلة أو العدوانية قد تؤدي إلى التفكير بالانتحار.

▪︎الإدمان على الكحول و المخدرات أيضا لهما نصيب من المنتحرين فحالات السكر و فقدان الوعي تدفع المدمن للقيام بعملية الإنتحار .

▪︎فقدان شخص غالٍ أو خسارة كبيرة مادية أو معنوية ، تدفع بالشخص لرد الفعل ينتهي بالانتحار

▪︎ تكرار محاولات الإنتحار أو التفكير في الإنتحار هي أسباب قوية لتنفيذ هذا الإنتحار فيما بعد فليس كل مرة تسلم الجرة .
▪︎ الفقر و الخيانة و الإضطهاد الأسري العلاقات الإجتماعية الشاذة كلها أسباب شائعة أيضا لعملية الإنتحار بل نجد حتى الرسوب في الدراسة يدفع بالعديد من المتمدرسين و الجامعيين للتفكير في الإنتحار

▪︎الإحتجاج و رفض واقع ما يدفع بعض الأشخاص الإحتجاج بواسطة الإنتحار إيمانا منهم أن قتل النفس هو فعل بطولي يحفظ لهم كرامتهم ودفاع نبيل على حقوقهم كالانتحار بالحرق في ميدان عام أو السقوط من بناية مرتفعة و خير مثال على ذلك   إقدام الشاب التونسي محمد البوعزيزي على إضرام النار في نفسه، في شهر ديسمبر 2011..منتحر تحول إلى أسطورة و شعار ثورة
.
كل هذه الأسباب تظهر أن هناك خللا في شخصية المنتحر. و غياب القدرة على مواجهة تقلبات الحياة و الصمود يرجع لجدور أسرية و مجتمعية تفرعت عبر رفض الحياة .

2- مسؤولية الأسرة

غالبا لا تأخذ الأسرة العربية بجدية الأمراض النفسية التي يعاني منها أحد أفرادها ، بل تزيد الطين بلة بنبذ المريض النفسي كأنه وصمة عار بدل من إحتضانه و متابعته طبيا و تطبيب جروحه النفسية بالإحتواء العاطفي .
فالمكتئب أو المنعزل يوصف بالمجنون لأن إهتماماته خارج إطار الأسرة ، فتصبح العلاقة التشاركية منعدمة ليعيش المريض في عالمه الخيالي الذي يحثه على الإنصراف عبر قطار الموت . الرجال هم أكثر الأشخاص تعاطيا للإنتحار حسب الإحصائيات بسبب الإدمان أو المشاكل المادية و البطالة .
ففقدان الرجل للدخل المادي أو لعمله يدفع بالعديد من الأسر و خصوصا الزوجات لعدم تقبل الوضع مما ينتج عنه صدامات أسرية و أزمة نفسية للرجل تبدأ بالشعور بالنقص و عدم المسؤولية لتصل إلى التخلص من الذات عبر الإنتحار .

كذلك الأسرة لا تهتم بشكل جدي بمحاولات الإنتحار عند الشخص بالإضافة لرفض الطب النفسي و التشخيص على أن الحالة هي مس من الجن أو السحر لهذا يتم اللجوء إلى المشايخ و الرقية.
و أخيرا حالات الإدمان التي تتهاون الأسرة في التعاطي معها بشكل موضوعي مع أخذ بعين الإعتبار أن الشخص المدمن يفقد التركيز و التحليل العقلاني مع تنامي الشعور بالحاجة الملحة للمادة المخدرة . فتصبح قواه الإدراكية تحت سيطرة الغيبوبة الهواجس و فقدان الشعور بالمسؤولية إتجاه نفسه فيستبخس حياته و وجوده .

3- موقف المجتمع من الإنتحار :

المجتمع العربي ينبذ الإنتحار و يرفضه بشكل قاطع رغم تفشي الظاهرة بين الرجال خصوصا .
كما هناك بلدان تعاقب عليه في حالة فشل العملية مثلا القانوني المغربي يجرم الإنتحار ويعاقب كل من يقدم عليه اذا فشل بجريمة محاولة القتل بالإضافة أن مراسيم العزاء تكون بشكل خجول بل هناك من يرفض تقديم واجب العزاء لأسرة المنتحر و يعتبرونه مجرم مصيره جهنم
المجتمع لا يعتبر المنتحر ضحية يجب التعامل مع الظروف المحيطة به أو أسباب الفعل لأنه يحتكم إلى المرجع الديني أولا و البيئة الأسرية ثانيا و ماهو حرام دينيا لا يمكن النقاش فيه فلو تم تبرير الفعل ربما سنتحدث عن تبرير جريمة الزنا أو الخمر .
فالمنتحر قاتل للنفس بغير حق بغض النظر عن أي دوافع .
المجتمع يجب أن يتحمل مسؤوليته في تفشي الظاهرة

يجب إزاحة اللثام على ظاهرة الإنتحار و الإعتراف بتناميها . يجب البحث عن سبل تعالج بعمق الأسباب التي تفضي إلى ارتفاع نسبة المنتحرين وتسارع إلى وضع حدّ لتدهور الأوضاع الإجتماعية والثقافية والإقتصادية و محاربة التهميش في ظل تغير بنية المجتمعات العربية وظهور تباين كبير بين طبقات المجتمع وارتفاع استهلاك المخدرات وفتور الوازع الديني .

4- موقف الدين من الإنتحار

– انعدام الوازع الديني وجهل موقف الدين من الانتحار له دور أساسي تبني فكرة الانتحار، فعند جهل الإنسان بأن الإنتحار محرم في كل الديانات السماوية قد يستسهل هذه العملية.
الشريعة الإسلامية حرمت الفعل جملة و تفصيلا و إعتبرته قتلا للنفس بغير وجه حق
وقال تعالى
وهو كبيرة من الكبائر يأتي بعد الشرك بالله ،  تحريمه  جاء في الكتاب والسنة واضحا بحيت قال الله تعالى:﴿ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما﴾. سورة النساء آية 29
أما في السنة جاء عن أبي هريرة رَضِي اللهُ عَنْه عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «من تردى من جبل، فقتل نفسه فهو في نار جهنَّم يتردى فيها خالدًا مخلدًا أبدًا، ومن تحسى سمًا، فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنَّم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديده في يده يجأ بها بطنه في نار جهنَّم خالدًا مخلدًا أبدًا»
ضعف الإيمان بأحد أهم ركائز الإسلام و هو القدر خيره و شره يدفع الإنسان إلى قتل نفسه و هذا إعتراض صريح على مشيئة الله ، كذلك فقدان الصبر على المصائب الذي يحث عليه الإسلام لتخطي جميع صعاب الحياة .
كما أن الإنسان لا يحق له وضع حدا لحياته
فالنفْس ملك لخالقها وليس ملكًا له؛ ولذلك لا يجوز أن يتصرف في نفسه إلا في حدود ما أذن له الخالق.

إن وصمة العار التي تحيط بالإضطرابات النفسية والإنتحار في المجتمعات العربية تعني أن كثير ممن يفكرون في وضع حدا لحياتهم أو حاولوا الإنتحار سيتعذر عليهم البوح بمكنون صدورهم  ، وبالتالي لن يحصلوا على المساعدة التي هم في  أمس حاجة  إليها
لهذا لسنا بمنأى عن تزايد أعداد المنتحرين

لهذا يجب أن تتحمل الدولة الجزء الأكبر من المسؤولية بالقيام بواجباتها تجاه مجتمعها وأبناءها، وإيجاد الحلول المناسبة لتخفيف معاناتهم، وتوفير الإحتياجات الضرورية التي تكفل للفرد والأسرة حياة كريمة تغنيه عن مد اليد لإستجداء حاجته، وذلك بتوفير فرص العمل للجميع، والتكفل بالمحتاجين، ودعم المواد الأساسية في حياة الفرد من مأكل وملبس و سكن و المتابعة الصحية و النفسية .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى