مفالات واراء حرة

“بلاد لاما وليما” بقلم / مروةالحمامصي

“بلاد لاما وليما”

بقلم / مروةالحمامصي

هي بيرو أو البيرو أو جمهورية بيرو , دولة من دول أمريكا الجنوبية لها مذاق خاص , اشتق اسمها من  اسم حاكم محلي عاش بالقرب من خليج ” سان ميغيل”  في “بنما” في أوائل القرن السادس عشر.  عندما زار المستكشفون الإسبان ممتلكاته عام “1522” م كانت أقصى جنوب العالم الجديد المعروف حينها لهم .

 

وعندما استكشف “فرانسيسكو بيزارو” المناطق الأبعد إلى الجنوب أصبحت تعرف باسم  “بيرو”ثم.  أضاف التاج الإسباني الصفة الرسمية للتسمية في إعلان توليدو عام 1529 والذي أطلق اسم مقاطعة بيرو على أراضي إمبراطورية الإنكا.  وأصبحت تحت الحكم الإسباني تعرف باسم ولاية بيرو والتي أصبحت جمهورية بيرو بعد حرب الاستقلال البيروفية.

تبلغ مساحتها حوالي 1.2 مليون كم مربع . يحدها من الشمال كل من الإكوادور وكولومبيا ومن الشرق البرازيل و من الجنوب الشرقي بوليفيا وتشيلي من الجنوب والمحيط الهادئ من الغربوالعاصمة  ليما .

تشتهر بجبال الأنديز التي تحاذي المحيط الهادي وتقسمها لثلاث مناطق جغرافية . فالساحل يقع إلى الغرب و يتصف بكونه ضيق وقاحل الأودية الناجمة عن الأنهار الموسمية. ثم جبال الأنديز وبها أعلى قمة في البلد “هوسكاران” بارتفاع 6768  م. ثم  منطقة الغابات وتمثل حوالي 60% من مساحة البلاد,  وبيرو  رابع أكبر مساحة من الغابات المدارية في العالم بعد البرازيل وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإندونيسيا.

و تنبع معظم أنهار بيرو من قمم جبال الأنديز , ومن أطول أنهارها :” أوكايالي” و”مارانيون “و”بوتومايو” و”الأمازون”. و برغم من أنها دولة استوائية إلا أن جبال الأنديز وتيار “همبولت” جعلوا المناخ متنوعاً فالساحل معتدل الحرارة وذو أمطار منخفضة ورطوبة عالية باستثناء المناطق الشمالية الأكثر دفئاً ورطوبة .

 

والمرتفعات مطرها صيفي ,  وتقل درجات الحرارة والرطوبة مع الارتفاع وصولاً إلى قمم جبال الأنديز المجمدة. تتميز مناطق الغابات بهطول الأمطار الغزيرة وارتفاع درجات الحرارة عدا جانبها الجنوبي البارد شتاء وذو الأمطار الموسمية. وبسبب التنوع في الجغرافية والمناخ ظهره أثره في زراعتها فهي تزرع البطاطس , الكوسا , والفول السوداني , والقطن منذ آلاف السنين وتزرع الآن الذرة , الأرز , والبن و بجانب الزراعة كنشاط اقتصادي  هناك ايضا  صيد الأسماك والتعدين والصناعات الخفيفة التقليدية كالنسيج .

و بسبب هذا التنوع أيضا  كان هناك  تنوعاً حيوياً كبيراً أوجدت من أجله العديد من المحميات الطبيعية . وشمل هذا التنوع كذلك  السكان والثقافات فعدد سكانها حوالي 30 مليون نسمة متعددي الأعراق فخلال الخمس قرون الأخيرة حدث تغيرات على خريطة السكان فقد دخل الأسبان في القرن السادس عشر البلاد ووجدوا سكانها الأصليين عددهم حوالي 9 مليون نسمة تناقصوا إلى حوالي 600 ألف نسمة بسبب الأمراض المعدية القادمة مع الغزاة وكانت غريبة عنهم  .

و السكان الموجودون الآن حوالي 45 % منهم من السكان الأصليين , و حوالي الثلث من المستيزو وهم نتاج زواج السكان الأصليين و الأسبان , و قد جلب الأسبان بالأفارقة كرقيق بداية من القرن السادس عشر , ثم بدأت الهجرات الأوروبية من انجلترا و فرنسا وألمانيا وايطاليا و اسبانيا فشكلوا الآن 15 %, ثم جاء الصينيون في خمسينات القرن التاسع عشر و استبدلوا مكان العمال الرقيق ,

ثم جاءت هجرات العرب واليابانيين , ليشكل كل هؤلاء 3 % . يتحدث أغلبهم الأسبانية وإن احتفظ السكان المحليون بلغاتهم الأصلية . وأغلب السكان من المسيحيين الكاثوليك والتي غلبت على ديانة السكان الأصليين الذي كانوا يعبدون الشمس وعناصر الطبيعة , ويعاني معظم سكان بيرو من الأمية وسوء التغذية وارتفاع الوفيات بين المواليد .

والتنوع السكاني في بيرو خلف تنوعا ايضا في الفن نراه واضحا وإن ظل تأثير حضارة الإنكا ظاهرا في الخزف والنحت والمنسوجات والمجوهرات و العمارة , مع وجود تأثير واضح للفن الباروكي في العمارة خاصة في الكنائس والأديرة . و الموسيقى في بيرو متأثرة بالفن الأسباني و الأفريقي بجانب موسيقى سكان الانديز .

ولتاريخ بيرو أثر عميق على مختلف نواحي الحياة , والذي يمتد لأكثر من عشرة آلاف سنة قبل الميلاد , ثم  تميزت حضارة نورتي شيكو، على ساحل المحيط الهادي في ما بين 3000 و1800 قبل الميلاد.  تبع ذلك حضارات تاريخية مثل” الكابيسينك” و “الشافيين” و” الباراكاس” – من 800 إلى 100 ق.م وتميزت بنظم الري والتقدم في النسيج –

و” الموشيكا “و”النازكا “- في الساحل الجنوبي  بين أعوام 200 ق. م – 600 م ذات مستوطنات صغيرة الحجم نظرا للبيئة الجافة جدا على نمو السكان، وهي تتميز بالفخار والملون بألوان متدرجة . ثم تميزت في القرن الخامس عشر حضارة “الإنكا ” أو إمبراطورية “إنكا” (1438–1527) م ,

كامبراطورية قوية غنية شملت مجتمعات اعتمدت على الزراعة وتربية ورعي اللاما و أشباهها  وصيد الأسماك واستخراج المعادن خاصة الذهب و الفضة وصناعة النسيج  وتبادلت منتجات تلك الأنشطة فيما بينها . وكانت الانكا مقرها الاداري والعسكري هو  “كوسكو” ومقر عبادة الشمس و قد اكتشف حديثا أنها أكثر بقعة على كوكب الأرض تتعرض للأشعة فوق البنفسجية , وتقع على جبال الانديز

وترتفع أكثر من 3000 متر عن سطح البحر وقد بلغ عدد سكانها أكثر من ربع مليون نسمة , أصبحت من المزارات السياحية الهامة نظرا للكنائس و الأديرة والقصور التي بناها “فرانسيسكو بيزاو” على أنقاضها عندما استعمر امبراطورية “إنكا “وكذلك لأنها تحتوي على المطاعم التي تقدم أنواع البطاطس الأصلية بالطرق التقليدية .

وامبراطورية “انكا” تحتوي ايضا على أعجوبة من عجائب الدنيا السبع الجديدة أو المدينة المفقودة أو “ماتشو بيتشو”  وتعني “قمة الجبل القديمة”  وعثر عليها الصدفة عام “1911م “المستكشف الأمريكي “هيرام بينغهام ” , وكانت مغطاة بالغابات الاستوائية الكثيفة , وهي في نطاق إقليم “كوسكو ” على ارتفاع أكثر من 2250 متر عن سطح البحر , على جانبيها هاوية سحيقة ارتفاعها حوالى 600 متر ,

تحتوي على الكثير من الحدائق والأروقة والبنايات والقصور الفخمة والترع وقنوات الري وبرك الاستحمام . وتربط السلالم الحجرية بين الحدائق والشوارع المختلفة الارتفاع . ويعتقد أنها لم تكن للمعيشة وإنما كانت لتقديم القرابين ، حيث وجدت أعداد كبيرة من جثث للنساء في هذه المدينة. لاعتقاد  شعب “الإنكا “أن النساء بنات الشمس المقدسة.

وظلت امبراطورية “انكا” في ازدهار حتى وطأ المستعمر الأسباني أرض الامريكتين ومعه الأمراض المعدية من العالم القديم ففي الفترة ما بين “1524_1526″م اكتسح مرض الجدري حضارة “الإنكا “بعد انتقاله من” بنما “.مما أدى لموت حاكم “الإنكا ” وأغلب عائلته و وريثه , وهو ما أدى إلى انهيار نظام “الإنكا” السياسي واندلاع الحرب الأهلية بين الأخوين” أتوالبا “و “واسكار”.

وشجع ذلك الصراع القائد الأسباني “بيزارو” فهزم “أتاوالبا” أخيه “واسكار”, ثم هزم” بيزارو” “أتاولبا ” الذي افتدى نفسه بغرفة من الذهب وغرفتين من الفضة , ومع ذلك نكث وعده “بيزارو” وقتله وقضى على أي معارضة من السكان الأصليين للحكم الأسباني

لتظل “بيرو” تحت الحكم الأسباني بخيراتها الوفيرة وكنوز الذهب والفضة , حتى أن ممثل التاج الأسباني “فرانسيسكو توليدو” اجبر السكان الأصليين في استخراج الفضة وذلك في سبعينات القرن السادس عشر ليشكل ذلك نشاطا اقتصاديا للبلاد .

ومع زيادة الضرائب من اسبانيا على سكان “بيرو” قامت العديد من الثورات مثل ثورة ” توباك أمارو الثاني” , وظل الحال كذلك حتى جاء القائدان “خوسيه دي سان مارتان” و” سيمون بوليفار” واشتركا في حرب ضد اسبانيا  , حيث ارادا الاستقلال عن اسبانيا وتشكيل اتحاد جنوب أمريكي , و أصبح خوسيه دي سان مارتن الأرجنتيني أول رئيس لبيرو  في 28 يوليو 1821 م , إلا أن الصراع بين القادة أدى لفشل الاتحاد وانهيار الوحدة ما بين “بوليفيا” و”بيرو” – تلك الدول الوليدة والتي نالت استقلالها – بعد إنشائها بفترة قصيرة , ثم دخول “بيرو” الحرب مع “تشيلي” ما بين “1879- 1883” م ، وهو ما أدى إلى خسارة “بيرو” لمقاطعتي “تاراباكا “و”أريكا” وفقا لمعاهدة “ليما” ومعاهدة “أريكا” , وعلى الرغم من كل تلك الصراعات مع الجيران , ألا أن كل هؤلاء الدول جمعهم في يوم من الأيام نفس المعاناة من المستعمر الأسباني الذي أتي من وراء المحيط و أخذ خيراتهم لبلاده وحارب ثقافتهم واختلط بهم وسكن مكانهم وتزوج منهم , لتنشأ دول جديدة تتضافر فيها حضارة المستعمر مع حضارتهم .

وإذا تناولنا معالم “بيرو” المختلفة , يجب ألا ننسى  اللاما ذلك الحيوان الذي يقطن أمريكا الجنوبية هو رفيق كفاح الانسان قاطن تلك البلاد في المناطق المرتفعة والجيلية ولا يعرفه مواطنوا الغابات والمناطق الاستوائية بأمريكا الجنوبية , وقد اتخذته بيرو شعارا لها , فقد قدم لمواطن تلك المناطق وخاصة في دولة بيرو خدمات جليلة , فهو كالبقرة للمصري القديم , والحصان أو الناقة للعربي شهد على بداية حضارته وسانده فيها بصبر وجلد ,و اعتمد على لحمه كغذاء وصوفه في الملابس والمفروشات

وايضا كوسيلة نقل وكناقل للاحمال عبر الجبال ،  ذلك الحيوان , هو متعدد الأنواع يختلط على البعض في تسميتهم فالبعض يرى أنهم كلهم لاما , فمنهم : “اللاما” , “الفيكونة “, “الغوناق” , “الألباكا “, وكلما تقدمت الأبحاث تثبت اختلاف درجة القرابة بينهم و يجمعهم كلهم انتمائهم لفصيلة الجمليات و تواجدهم بجبال أمريكا الجنوبية ,

وكان العلماء في البداية يرونها أقرب للأغنام لكنها وضعت تحت جنس الجمليات وقد اثبتت الحفريات أنها كانت تعيش في العصور الجليدية في أمريكا الوسطى وإذا تحدثنا عن أقرب الحيوانات  شبهاً ويعتبر صنفا فرعيا من اللاما , كان ” الغوناق “ولكنه  بري لم يستطع الإنسان استئناسه ربما لأن “اللاما” هناك عوضته عن ذلك , ويتميز عن “اللاما” بأذنه الصغيرة , ووزنه يصل إلى  75 كجم للإناث , 100 كجم للذكور , وارتفاع من 100سم  إلى حوالي 120 سم .

وهناك “الفيكونيا” يعتمد عليها السكان المحليين في جز فروها وبيعه كنشاط اقتصادي , حيث يخرج السكان من مختلفي الاعمار في رحلة أشبه برحلات الصيد ولكنهم يتركون “الفيكونيا” بعد أن يأخذوا مايحتاجونه من الفرو ويتركوا على جسمها مايسمح لها بالتدفئة ولا يؤخذ من نفس الحيوان فروه بعد الجز إلا بعد مرور سنتين  .

والنوع الثالث هو “ألباكا” ,  وينحدر من “الفيكونيا “, وهو يشبه الخروف طويل الرقبة أو اللاما الصغيرة , وهو شبه مستأنس , ويربى على مرتفعات الانديز على ارتفاع يتراوح 3500 إلى 5000 متر , ويستفاد من صوفها الذي يصنع منه الملابس الثقيلة و المفروشات , و ارتبطت “ألباكا” بشعب “الموش “في بيرو منذ الاف السنين , حيث سجلت صورها في فنونهم , فقد اعتمد عليها منذ ذلك الوقت وحتى الآن في استخدام  اللحوم والصوف ,  وتربى “الالباكا “في قطعان تصدر اصوات صاخبة عن طريق الاستنشاق للتحذير من اقتراب الخطر , وتستطيع أن تدافع عن نفسها بالركل بقدميها الأماميتين أو البصق .  و”الألباكا ” يكون البصق عندها قذيفة من الهواء والقليل من اللعاب الذي يحتوي على طعامها العشبي , وللألباكا سلوك في التخلص من الفضلات يحد من انتشار الطفيليات الداخلية حيث يصطف القطيع في مكان واحد تتكون بعدها كومة من الفضلات .

ثم يأتي “اللاما” الحيوان الأهم في جبال الانديز , صاحب الصوف الكثيف الذي يدخل في صناعة الملابس والمفروشات وجلده في صناعة الصنادل , ويتغذى السكان الأصليين على لحوم صغارها , ونظراً لأن “اللاما” أكبر أنواع عائلة الجمال  حجماً في أمريكا الجنوبية حيث يصل طوله إلى حوالي 119 سم إلى مستوى الظهر و حوالي 225 سم إلى فوق الرأس , ويتراوح وزنها  بين 130 إلى 155 كجم ، ويبلغ ارتفاعها عند الأكتاف حوالي 1,2م , فتلك المواصفات الجسدية , جعلت السكان منذ تاريخ قديم يستخدمونها في الحمل والنقل

حيث تستطيع أن تحمل حتى 90كجم، وتسير بأقدام ثابتة في الممرات الجبلية، لمسافة أكثر من 30كم في اليوم الواحد. وإذا تعب “اللاما” ، فإنه يستلقي على الأرض ويرفض التحرّك. وعند الغضب أو التعرض للهجوم فإنه يبصق بلعاب كريه الرائحة في وجه عدوه ومايبصقه عبارة عن خليط من الطعام غير المهضوم من معدته، له حموضة عالية نسبيًا لأن مصدرها المعدة. وهذه المادة الهضمية الخارجة من معدة “اللاما” هي نفسها المادة التي يخرجها الجمل عندما يعطش وهو يخزنها في سنامه،

أما “اللاما” ليس له سنام لذا فهو يخرجها من معدته .  وعند قدم مجيء الأسبان لبيرو في القرن السادس عشر الميلادي استخدموا حوالي 300,000 من حيوانات “اللاما “لنقل الفضة من المناجم. وللأسباب السابقة كانت “اللاما” شريك في بناء حضارة” بيرو” وايضا كانت تربيتها غير مكلف، فهي شديدة التحمل، تعيش على الشجيرات القصيرة ونباتات “الأُشنة “وغيرها من النباتات التي تنمو في الجبال المرتفعة. كما تتحمل البقاء لعدة أسابيع بدون ماء، وتستعيض عنه بالنباتات الخضراء الرطبة .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى