الدين والحياة

“النيـــــروز” أول أيام السنة القبطيــــة:

“النيـــــروز” أول أيام السنة القبطيــــة:

( 11 سبتمبــر 2021 م . 1738 للشهداء )

خميس حبيب . القاهرة

والمعروف بعيد النيروز أو عيد اكتمال فيضان النيل، باعتبار أن التقويم المصرى يرتبط بالأساس بالزراعة والحصاد وفيضان النيل، فكلمة “نيروز” قبطية وتعني ميعاد اكتمال موسم فيضان النيل..

“الدكتور وسيم السيسي الباحث في المصريات” يقول: ان الأصول الأولى لهذا التقويم يرجع إلى العصر الفرعونى وبالتحديد إلى الإله “تحوت Thot” وهو إله الحكمة ورب القلم ومخترع الكتابة ومقسم الزمن، وكان رمزه الطائر إيبيس IBIS المعروف عند المصريين باسم “أبو منجل”، ولذلك كانوا يحنطونه بعد موته تكريما كرمز للمعانى التى يمثلها عندهم..

أما عن الأصل اللغوى لكلمة نيروز، فهناك رأيان، الرأى الأول يرجعه إلى أصل فارسى ومعناه “اليوم الجديد ” باللغة الفارسية، أما الرأى الآخر فيرجعه إلى أصل قبطى مستوحى من كلمة “نياروو” ومعناها أنهار باللغة القبطية، ولما كان هذا هو موسم الاحتفال باكتمال فيضان نهر النيل لذا نظم المصرى القديم هذه الاحتفال كرمز للوفاء للنيل، وعندما دخل اليونانين مصر أضافوا اليها حرف السين علامة أسم الفاعل فى اللغة اليونانية فأصبحت “نياروو –س” وحرفت مع الزمن إلى النيروز..

ويؤكد علماء المصريات أن المصرى القديم هو الذى قام بوضع هذا التقويم، وكان ذلك حوالى عام 4242 ق.م عندما لاحظوا أن ظاهرة الفيضان السنوية تتكرر بانتظام وأن نجمة الشعرى اليمانية -أسطع النجوم فى السماء ليلاً- والمعروفة فى اللغة اليونانية باسم “سيروس SIRIUS” وكان المصريون يسمونها “سبدت” تظهر فى الأفق مع شروق الشمس فى نفس اليوم الذى يصل فيه الفيضان إلى مدينة منف فى مصر القديمة من كل عام، وعلى هذا الأساس رتبوا العمليات الرزاعية، وتم تقسيم السنة 365 يوم واثنى عشرة شهرا، والشهر ثلاثون يوما، وهو ما يمثل أول تاريخ البشرية، وقد قسموا السنة إلى ثلاثة فصول كبيرة هى: ( فصل الفيضان “آخت” – فصل البذر والزرع “برت”- فصل الحصاد “شمو” )..

( وقسموا السنة إلى 12 شهرا على أن كل شهر منها مكون من ثلاثون يوما، وجعلوا المدة الباقية وهى خمسة أيام وربع شهر بذاته، أسموه بالشهر الصغير أو “لنسىء” )..

وسواء‏ ‏كان‏ المقصود‏ ‏هو‏ اكتمال‏ ‏الفيضان‏ ‏أو‏ ‏أول أيام ذلك التقويم الاقرب الي التقويم الزراعي الذي يعتمد عليه الفلاح فى مواسم الزراعة منذ آلاف السنين وحتى الآن..

‏فإن‏ “النيروز” يظل عيدا مصريا خالصا..

وبداية أول أيام “السنة المصرية القديمة”..

•كما‏ ‏أنه‏ ‏يوافق‏ ‏”عيد‏ ‏الشهداء” وفق تقويم “الكنيسة القبطية” واستخدامه كتقويم كنسي، حيث ارتبط عيد النيروز عند الأقباط والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بعصر الشهداء، وذلك بالتزامن مع عصر الإمبراطور الروماني دقلديانوس، الذي يعد أقسى عصور الاضطهاد ضد المسيحية، وفي هذا العصر احتفظ المصريون بمواقيت وشهور سنينهم التي يعتمد الفلاح عليها في الزراعة، مع تغيير عداد السنين وتصفيره وجعله السنة الأولى لحكم دقلديانوس، والذي يوافق عام 284 ميلادية مقابل العام القبطي الأول..

وشهور السنة القبطية تبدأ بتوت، ثم بابه، هاتور، كيهك، طوبة، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرى، والأصل في غالبية تلك الأسماء هو أصل فرعوني تم تحويرها قليلا بمرور الوقت، هي أسماء فى الأساس لآلهة عند قدماء المصريين فشهر “توت” هو فى الأصل “تحوت” اسم إله الحكمة والمعرفة عند الفراعنة، و”بابه” هو تحريف لأسم الإله “حابى” إله النيل، و”هاتور” هو فى الأصل “حتحور” إلهة الجمال..

وتمثل أهمية شهور هذا التقويم في ترتيب الاحتفال بالأعياد المسيحية المختلفة، كذلك يستخدمه الفلاحون المصريون في حياتهم لارتباطه بالزراعة من فيضان النيل وجفافه إلى زراعة المحاصيل وحصاده..

وترتبط الشهور القبطية بتراث من أشهر الأمثلة الشعبية المصرية التي بشكل أو باخر تنظم حياة وعمل المصري خاصة الفلاح ويقول “الدكتور عادل سالم..المهتم بالتراث الشعبي”: على سبيل المثال يقال عن شهر “توت” ( إروي ولا تفوت ) أي أن الري ولو كان كثيرا لا يضر الأرض، وعن شهر “بابه” ( خش واقفل الدرابة) أي أغلق الأبواب والمنافذ جيدا استعدادا للبرد مع قدوم الخريف..

وفي هذه المناسبه ولأن الأقباط ربطوا هذا اليوم بالشهداء، فقد اعتادوا تناول البلح الأحمر في عيد النيروز لأن لونه يرمز إلى دماء الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن المسيحية ومذاقه يشبه جمال الاستقامة والإيمان أما النواة داخله فترمز لصلابة التمسك بالدين حتى الموت، كما يتناول الأقباط أيضًا الجوافه في عيد السنة القبطية لأنها ناصعة البياض من الداخل رمز لطهاره قلب الشهداء وبها بذور كثيره كرمز كثرة عددهم..

ولقد أستمرت الحكومة المصرية تتبع هذا التقويم كالتقويم الرسمى للدولة حتى ألغاه الخديوى إسماعيل عام 1875 م وكان يقابلها عام 1539 للشهداء، وأستبدله بالتقويم الميلادى الذى مازال متبعا حتى الآن كالتقويم الرسمى للدولة..

المهم أنه في تلك الأيام الخمسة المنسية من العام لم يتخلى المصريين عن طقوسهم المتوارثة منذ أيام الفراعنة حيث جعلوها أيام للأعياد..

وكما يقول “الدكتور أحمد مرسي..أستاذ الأدب الشعبى والفولكلور بجامعة القاهرة”: ومن التقاليد الإنسانية التي سنّها المصريون القدماء خلال “الأيام المنسية ” أن ينسى الناس خلافاتهم وضغائنهم ومنازعاتهم، فتقام مجالس المصالحات بين المتخاصمين ، وتحل المشاكل بالصلح، وكانت تدخل ضمن شرائع العقيدة، حيث يطلب الإله من الناس أن ينسوا ما بينهم من ضغائن في عيده المقدس، عيد رأس السنة التي يجب أن تبدأ بالصفاء والإخاء بين الناس..

كما كانوا يستعدون قبل العيد بصناعة الكعك المزين بالنقوش والطلاسم والتعاويذ الدينية، قبل ان يقضوا اول يوم في زيارة المقابر حاملين معهم سلال الرحمة “طلعة القرافة” كتعبير عن إحياء ذكرى موتاهم كلما انقضى عام، و رمز لعقيدة الخلود التي آمن بها المصريون القدماء ، كما كانوا يقدمون القرابين للآلهة والمعبودات في نفس اليوم لتحمل نفس المعنى..

و من أكلاتهم المفضلة في عيد رأس السنة “بط الصيد” و”الأوز” الذي يشوونه في المزارع والأسماك المجففة التي كانوا يعدون أنواعاً خاصة منها للعيد، أما مشروباتهم المفضلة في عيد رأس السنة فكانت “عصير العنب” أو “النبيذ الطازج” حيث كانت أعياد العصير تتفق مع أعياد رأس السنة ، و من العادات التي كانت متبعة – وخاصة في الدولة الحديثة – الاحتفال بعقد القران مع الاحتفال بعيد رأس السنة حتى تكون بداية العام بداية حياة زوجية سعيدة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى