مفالات واراء حرة

"المرأة في الموروث الثقافي" بقلم الاديبة رولا حسينات‏ ‏

“المرأة في الموروث الثقافي” بقلم الاديبة رولا حسينات‏ ‏

 
يقول كوسدروف: “يتحدد نظام كل ثقافة تبعًا للتصور الذي تكونه لنفسها عن الله والإنسان وللعالم وللعلاقة التي تقيمها بين هذه المستويات الثلاثة من نظام الواقع.”
إن النظام المعرفي وبنية المخزون المعرفي بجملة من المفاهيم والإجراءات والتي تعطي للمغرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية.
هذا يقودنا إلى ما تمَّ تناقله من العصر الجاهلي على سبيل المثال حتى اليوم لم يكن ليتغير، بل زيد عليه على وجه التأكيد من خليط التأثر بالحضارات والأديان والأيدولوجيات الفكرية الموجودة.
لعل الخلط بين الزمن الثقافي والمخزون المعرفي اللاشعوري والتكوين العاطفي. بالمجمل هو تأريخ للاختلاف في الرأي وليس بناء الرأي وهو في الوقع تقليد دون تغيير باكتساب المخزون المعرفي المتناقل والتسليم به على علاته.
إلا أنَّ حقيقة تشويه الموروث الثقافي فرض بيئة غير ناضجة ولا حاضنة لمنح الحقوق بالأصل.
فالبيئة العربيَّة قد حرمتْ المرأة من أبسط حقوقها؛ كحقها في التعلُّم، وإبداء الرأي، واختيار الزوج المناسب، والذي ترتَّب عليه مشكلاتٌ اجتماعية وتربوية؛ فأضحت المرأة كائنًا سلبيًّا بكرامة ممتهنة وبشخصية مقيدة مسوقة لغيره، تعيش في حالة اغتراب لا تستطيع معها أن تقدِّم الأفكار ولا الحلول التي من شأنها أن ترفع من ذاتيتها؛
“أعني من السلطة المرجعية الأولى التي اعتمدوها، سلطة اللغة/ الثقافة العربية في الجاهلية، هذه المبادئ الثلاثة (التجويز، المقاربة والانفصال أخذوها بدون وعي بل استضمروها بصورة لا واعية من خلال ممارستهم في الموروث الثقافي العربي قبل عصر التدوين، واروا على أساسها يشيدون الرؤية البيانية “العالمة” التي جعلوها الرؤية المؤطرة لنوع معين من الفهم للعقيدة الإسلامية ونصوصها .”
“ذلك لأن كل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج في قوامه وفي أن يبلغ أفضل كمالاته، إلى أشياء كثيرة لا يمكن أن يقوم بها وحده بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه وكل واحد من كل واحد بهذه الحال، فلذلك لا يمكن أن يكون الإنسان ينال الكمال…إلا باجتماعات كثيرة متعاونين والخير الأفضل والكمال الأقصى إنما ينال أولاً بالمدنية؛ والمدنية التي يقصد بها بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال فيها السعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلة.”
كيف يمكن أن نخلق مدينة فاضلة كما وصفها الفارابي في وسط مفكك غير متعاضد تحكمه علاقة غرائيبية قائمة على السيادية والتسلطية والمصلحة مع الوصاية على الآخرين دون منحهم حقوقهم. على الرغم من ترابطية الكون بجزيئاته وكليته بعلاقة …
تعاضدية ترابطية تحتمل المتضادات بتوليفة تحكمها قوانين ليصار إلى الاستمرارية والبقاء.
والمرأة العربية لم تراوح مكانها بعد، تحكمها الآلاف من القيود الفكرية والعلاقات المتضادة والمتضاربة خلقت وضعًا مزريًا وحالة من التردي لا تحسد عليها.
في ظل تفكك النظم واختلاط المفاهيم وأزمة العقل العربي الإسلامي، فقد استطاع الإمام الغزالي أن يمارس عملية التفكيك وإعادة توزيع القطاعات المعرفية في الثقافة العربية بوعي وصورة ممنهجة.
فعلم المعاملة جعله الإمام الغزالي علمً يشرح كيفية اداء العبادات أداء روحيًا بحيث يصبح الفقه فقهيين: فقه العبادة الجسمانية وفقه المعاملة الاجتماعية وفقه العبادة الروحية والمعاملة القلبية.
أمام هذا الوضع المُزْرِي والحالة المتردية التي تعيشها المرأة العربية، أقدمت المؤسسات الغربيَّة الناشطة في حقل المرأة لتُقدِّم ما بوُسْعِها من رؤًى وتصورات نظرية وواقعية تُسعِفُ المرأة، ومنحِها الحريةَ الكاملة في التمتُّع بذاتيتها، فأصبحت
المرأة لها الحقُّ في الحياة والتعلم، وإبداء الرأي والمشاركة في كافة الأنشطة التي تقدِّمها المؤسسات العربية في هذه الدولة أو تلك.
أمام هذا الواقعِ الجديد للمرأة العربية، لم يَعُدْ بمقدور المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والمجتمع نفسه والمتدينين والعاقلين وأصحاب الفكر والحكمة أن تقف مكتوفةَ الأيدي حِيالَ الإصلاحات الاجتماعية المطلوبة، والتي تسهم فيه المرأة بفاعليَّة في بناء مجتمعها وبيئتها، بعيدًا عن أي مؤثرات تعكِّر صَفْوَها، أو تحيل تحول دون بناء ذاتيتها؛ فالمرأة بحاجة إلى من يحترمُها ويُقدِّرُها في كافة المواقف
والظروف وليس ذلك في الأطر السياسية وحسب بل بالأطر الاجتماعية، لا أن تكون تمثالاً يُقدِّسه المارة وقتما يشاؤون !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى