مفالات واراء حرة

الفارس القعقاع بن عمرو ” الجزء الثانى “

الفارس القعقاع بن عمرو ” الجزء الثانى “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع القائد الشجاع القعقاع بن عمرو، وقد توقفنا عندما استشار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كبار الصحابة معه، وكان رأيهم أن يرجع هو إلى المدينة، ويبعث أحدا مكانه، فقال أشيروا عليّ برجل؟ فأشاروا عليه بسعد بن أبي وقاص فأحضره عمر بن الخطاب وأقرّه على جيش العراق، وقد سار سعد رضى الله عنه بالجيش وتتابعت الإمدادات، حتى صار معه ثلاثون ألف من المجاهدين المؤمنين، فنظم الجيش، وكلف يزدجرد قائده رستم بقيادة الجيش، فسار رستم بجيش يبلغ تعداده مائة وعشرون ألف، ومعه سبعون من الفيلة، وإن من البطولات العجيبة التي حصلت قبل المعركة هو أن دخل طليحة الأسدى معسكر رستم وحده لكي يعرف مقدار قوة جيش العدو، فشعروا به، فخرج يحطم عليهم أعمدة خيامهم، وأخذ أمامه فرسا، فركبوا في طلبه، فلحق به فارس منهم فقتله طليحة، ثم لحق به آخر فقتله أيضا، فلحق به ثالث، فكرّ عليه طليحة وأسره، ودخل به على سعد، وأرسل بعدها رستم إلى سعد أن ابعث إلينا رجلا نكلمه ويكلمنا.

فأرسل إليهم ربعي بن عامر، الذي وقف موقفا عظيما مع رستم وقال كلمات خالدة “إن الله ابتعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه دوننا، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر” ورجع ربعي إلى جيش المسلمين، وترك القوم في حيرة مما قاله لهم، وأوقع فى نفوسهم من الخوف والهلع قبل المعركة، وبعد عدة مراسلات ومحاورات بين رستم وبعض الصحابة، عبر الفرس النهر، وجلس رستم على سريره، وعبأ في قلب الجيش ثمانى عشر فيل، وأما سعد، فقد نظم الجيش، وقال الزموا مكانكم، حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم، فإني مكبر تكبيرة، فكبروا واستعدوا، فإن سمعتم الثانية، فكبروا والبسوا عدتكم، ثم إذا كبرت الثالثة، فكبروا ولينشط فرسانكم الناس، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعا، حتى تخالطوا عدوكم، وقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما كبر سعد الثالثة برز أهل النجدات، فأنشبوا القتال، وخرج إليهم من الفرس أمثالهم.

فتبادلوا الطعن والضرب، ومما أزعج المسلمون الفيلة التي جاء بها رستم لأن الخيول كانت تحجم عنها وتحيد، فاقترح عاصم بن عمرو أن يرموا ركبان الفيلة بالنبل، فشد عليهم الرماة، فما بقى فيل إلا قتل صاحبه، واقتتل الناس ذلك اليوم حتى غروب الشمس، وفى اليوم الثاني قدم القعقاع بن عمرو من دمشق بعد فتحها، ولما كان يعلم عدد جيش المسلمين، وضخامة جيش الفرس، قطع الجيش عشرا عشرا، وكانوا ألف فارس، وجعلهم متباعدين يثيرون الأرض، حتى يصلوا ويلحقوا بالجيش، فبقيت العشرات تتوارد أرض القادسية، حتى المساء، فظن الفرس أن مائة ألف قد وصلوا من الشام، فألقى القعقاع، في قلوبهم الرعب والهلع فلا تدرى من أين جاء هؤلاء الفرسان بفنون الحرب وخططها، وهم حديثو عهد بالحروب، ومن خطط القعقاع أيضا أنه ألبس الإبل البراقع، فجعلت خيل الفرس تفر منها تحسبها فيلة، فلقي الفرس من الإبل أعظم مما لقى المسلمون من الفيلة، فتنشط المسلمون وتقاتل الفريقان ذلك اليوم، حتى منتصف الليل.

وإن من القصص العجيبة التي حصلت في ذلك اليوم، قصة الخنساء وأبنائها الأربعة، فقد جمعت أبناءها في أول الليل، وأوصتهم بالصبر على الجهاد في سبيل الله، فخرج أبناؤها الأربعة، فقاتلوا ببسالة، حتى قتلوا جميعا، فلما بلغها الخبر، قالت “الحمد لله الذى شرّفنى بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته” وقد يتعجب البعض من انتصار المسلمين في القادسية وغيرها من المعارك، وعدد العدو أضعاف أضعاف المسلمين فلما العجب وفي نساء المسلمين من أمثال الخنساء فكيف بالرجال؟ وقد ذكر ابن كثير رحمه الله فى البداية والنهاية قصة امرأة همّام بن الحارث النخعي، قالت “شهدنا القادسية مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فُرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوى، ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيان فنوليهم ذلك تعني استلابهم لئلا يكشفن عورات الرجال” حقا فإنها المرأة المسلمة، لبنة من لبنات المجتمع المسلم تشارك في مجالها.

وتحافظ على حيائها وعفافها فأين هذه الصورة من بعض نساء اليوم ممن يلهثن وراء عروض الأزياء، وبيوتات الموضة، متأثرات بموجات التغريب والعلمنة؟ وكيف لا ينتصر المسلمون، وفيهم رجل عجوز أعمى، مثل ابن أمّ مكتوم رضي الله عنه وأرضاه؟ حيث قال أنس بن مالك رضي الله عنه “رأيت يوم القادسية عبد الله بن أمّ مكتوم، وعليه درع يجر أطرافها، وبيده راية سوداء، فقيل له أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال بلى، ولكني أكثر سواد المسلمين بنفسي، وقال ادفعوا إليّ اللواء، فإني أعمى لا أستطيع أن أفر، فأقيمونى بين الصفين” واستشهد رضي الله عنه وأرضاه يوم القادسية، ودفن هناك ليعطر تلكم البقعة بدمه الطاهر، فإنها الهمم العالية، والبذل العجيب في سبيل هذا الدين رجالا ونساء، وقد أصبح القوم لليوم الثالث على التوالى وبين الصفين من قتلى المسلمين ألفان شهيد، ومن المشركين عشرة آلاف قتيل، فنقل المسلمون قتلاهم إلى المقابر والجرحى إلى النساء، وبات القعقاع ولم ينم تلك الليلة، واستمر القتال حتى الصباح.

فجمع حوله جماعة من الرؤساء وشجعهم، وكان رضي الله عنه هو محور المعركة الفاصلة، فقال لهم “إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة” فقصدوا رستم، وخالطوا جيش العدو، فوصل القعقاع إلى سرير رستم، وقتلوا من دونه، فهرب رستم، ونزل في الماء، فرآه هلال بن علفة، فلحق به، ورمى بنفسه عليه، وتناوله من رجليه، فأخرجه من الماء، ثم ضرب جبينه بالسيف، حتى قتله ثم ألقاه بين أرجل البغال، ثم صعد طرف السرير، وقال قتلت رستم ورب الكعبة، فكبر المسلمون، فلما رأى الفرس ذلك المنظر، وبعد قتال استمر يومين كاملين دون توقف، انهزموا، فتبعهم المسلمون برماحهم وسيوفهم، وهم يقتلون فيهم، ولقد بقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشغول الفكر والقلب بأمر القادسية، وكان يخرج كل يوم خارج المدينة، لعل أحدا يأتي من طرف سعد بالخبر يزف إليه البشرى بالنصر، ولكنه يرجع إلى أهله دون أن يرى أحدا، وفى اليوم الذى ورد فيه البشير، لقيه عمر بن الخطاب رضى الله عنه.

وهو يسرع على ناقته، فسأله عمر من أين؟ قال من قبل سعد، فقال عمر بن الخطاب يا عبد الله حدثني، قال هزم الله العدو، فنادى عمر بن الخطاب الصلاة جامعة، وزفّ بشرى النصر إلى الناس، وقرأ عليهم كتاب سعد بالفتح، وبقي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد النصر شهرين، ثم توجه إلى المدائن ودخلها، واتخذ من إيوان كسرى مصلى ودخله، وهو يقرأ قول الله تعالى كما جاء فى سورة الدخان ” كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين” وصلى فيه صلاة الفتح ثمان ركعات، وبعث بتاج كسرى وثيابه المنسوجة بالذهب، وحليه وسيفه وجواهره إلى عمر بن الخطاب، ليرى ذلك المسلمون، وليوزعها على الأمة، فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه “إن قوما أرسلوا هذا لذو أمانة” فقال الإمام علي رضي الله عنه “إنك عففت، فعفّت رعيتك” وإن من قصص القادسية، والتي تستحق أن نقف عندها هى قصة أبو محجن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى