مفالات واراء حرة

الصداقات .. أخطر خياراتنا!!

الصداقات .. أخطر خياراتنا!!

 

سامر خالد منصور

 

هناك أناس يأتون إلى الحياة ويرحلون لا أثر لهم إلاّ ظلالهم تزول مهما تعاظمت خلف الظل الضيّق لشاهدة القبر. وهناك أناس لا نعرف حقا أنهم جاؤوا الى الحياة أو رحلوا. أناس يعيشون في ظلال الآخرين. وهناك أناس كالأشجار يشبكون أصابعهم بأصابع السماء وأثرهم في الأرض أثر النهر في الصخر. هناك أناس أرى الله فيهم، أناس ظلالهم نور وكلماتهم مطر.

علينا التركيز والتأمل جيداً قبل إنشاء علاقاتنا الاجتماعية العميقة، وقد كثرت الشكوى في مجتمعاتنا العربية من قلّة الوفاء وعدم مقابلة الإحسان بالإحسان حدّ أن الأغاني الشعبية وجميع وسائل التعبير الفنية للبسطاء مشحونة بالحزن والمراثي لقيم الصداقة والوفاء. وكي نميّز بين الصديق الحقيقي وما أسميه (الصديق الأداة) يمكن أن نتأمل بعض المناحي. (الصديق الأداة) هي استخدام الصديق للوصول إلى غايات اجتماعية ومكاسب ما، وبالتالي الصداقة هنا وسيلة وليست غاية أو بمعنى أدق ليست قيمة بذاتها. وقد يقول قائل: نحن كعرب بعد سنوات الحروب الطوال أصبحنا في معظمنا فقراء، والفقير لا يصادقه أحدٌ لغاية ومصلحة. لكن هذا في اعتقادي غير صحيح، ذلك أن هناك غايات غير المال أو الارتقاء بالمكانة الاجتماعية …الخ. فالإنسان كائن اجتماعي ويحتاج إلى الصداقات ويهرب من الوحدة ويخنقه الملل، وبعد أن وفّرت الآلات والتكنولوجيا الكثير من وقته وجهده، وأصبحت هناك أعمال كان إنجازها يحتاج إلى ساعات تُنجز الآن بضغطة زر أو لمسة، أضحى لدى الإنسان حيّز أكبر من الوقت يمضي الكثير منه في التواصل الاجتماعي. ولا بدّ لكل إنسان من صديق أو مجموعة أصدقاء.

وبناء على ما سبق، يستعمل كثير من الناس الآخرين كأداة لإزاحة الملل وتلميع أيامهم، ثم يتخلون عنهم بمجرد أن تتغيّر ظروفهم الاجتماعية وينتقلون إلى مستوى اجتماعي أعلى. ومن الأمثلة التي مررت بها في حياتي وكنت أجسّد دور (الصديق الأداة) هو حين كنت طفلاً فقد استغنى أحد أصدقائي المقربين عن صداقتي حين اشترى له والده (بلي ستيشن) جهاز ألعاب فيديو حديث، وعندما تعطّل الجهاز بعد فترة من الزمن توقف عن تجاهلي والتهرّب مني وأعادني صديقا له. لذا بإمكانك أن تعرف مصداقية صداقتك بأحدهم عبر عدم تأثر صداقتكما بشكل كبير وعميق بالمتغيّرات الاجتماعية التي تطرأ على حياته. فالصديق الحقيقي مثلاً يشاركك أشياءه ولا تبعده الأشياء عنك.

ذات مرّة سقط صديق صديقي عن الدرج وانكسرت يده، فصاح صديقي وحزن عليه، وفي مرّة أخرى وجد صديقي هذا سيارته الفخمة مخدوشة بقطعة معدنية، فصرخ صرخة عظيمة وحزن حزناً عظيماً. فأدركت أن أشياءه تهمه أكثر من صديقه المقرّب الذي لم تبلغ لهفته عليه حين سقط عن الدرج شيئاً بسيطاً من مبلغها على سيارته!! وأتفق مع جبران خليل جبران في قوله: (لا تجالس أنصاف العشّاق، ولا تصادق أنصاف الأصدقاء، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين، لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل …الخ). ولكن ما هي الخيارات أمامنا كعرب في هذه المرحلة؟

تضمحل العلاقات الإنسانية وتنحسر عندما يتمُّ دفعنا باتجاه غرائزنا ووحشيتنا عبر تراجع هيبة القانون واستشراء قانون هو مزيج بين قانون الغابة وقانون البحر حيث الكبير يبتلع الصغير في أية لحظة، إضافة إلى تمييع الأُطر والقنوات التي تُفضي لنيل الاستحقاقات الوطنية لشعبنا النازف الصامد من عدالة اجتماعية وغيرها. فقد يكون لديك ألف صديق لكنهم جميعاً لا يستطيعون مساعدتك إزاء الفقر أو تسلّط حوت ما من المتنفذين الفاسدين.

وهنا نتساءل ما جدوى الصداقة والتي تقوم بأهم أبعادها على التعاطف الإنساني؟ إن كانت ستُضيف إلى آلامنا آلام أصدقائنا دون أن نتمكّن من فعل شيء إزاء ذلك؟! أنا شخصياً لا أريد أن أصادق أو حتى أتعرف إلى إنسان جديد في اليمن أو العراق أو ليبيا أو سورية …الخ، لأنني في غالب الظن سأتعرف حينها إلى مأساة جديدة ومعاناة إنسانية تُضاف إلى جملة ما يعتمل في وجداني وجعا وألما دون أن أتمكّن من فعل شيء.

وحين نقول صداقة تتوارد إلى الذهن الأسئلة التالية: هل يبقى الأصدقاء معنا إلى الأبد؟ من هم أكثر الأصدقاء وفاءً؟ هل هم أصدقاء الطفولة، أم أصدقاء الدراسة الثانوية أم الجامعية؟ لابدّ من التنبيه إلى مسألة هامة، وهي أن الكثير من أصدقائنا هم من صادقونا وليس نحن من اخترناهم. ويجب على الإنسان أن يمنح وفاءه لنفسه أولاً، بأن يختار لها أصدقاء يعينونها على الصعود. فمن الوفاء للنفس أن يتطور الإنسان بفكره ويحقق قفزات نوعية في وعيه منتقلاً من مجرد السيرورة إلى الصيرورة وألا يسمح لأي كان بمصادقته، وأن يكون دقيقاً في خياراته. وبما أن الإنسان يتغيّر ويتطور، فمن الطبيعي أن يُنهي صداقات ويبدأ صداقات أخرى في حال كانت وتيرة تسارع التطور في الوعي والشخصية عبر اكتساب وتطوير المهارات والملكات لدى أصدقائه متدنية قياساً إليه، فذلك ينعكس عليه بأعمق ما يمكن.

ومما قرأته في مدونة الصديق الدكتور علي القيم الفيسبوكية: (الصداقة بالمفهوم البوذي تعني الكمال والخلاص والصمود أمام الموت وهزيمته). ويقول القيم: (الصداقة تحتاج إلى عين صياد، ورئة عدّاء، وقلب بحار، كي تظلَّ تلمع مثل الشرف في النفس). وكم من أناس مجرمين في السجون أو أميين تسألهم كيف أصبحتم مجرمين أو جهلة فيجيبون: (هم أصحابنا أثروا فينا). ختاماً أقول: بعض الأشخاص يدخلون حياتنا كقطرة مطر يتركون تموجات سرعان ما تختفي، وبعضهم كوجه القمر يمنحوننا دائرة من الضوء حين يشتدُّ الظلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى